بورتريه لأمي
الثلاثاء / 30 / رجب / 1447 هـ - 20:48 - الثلاثاء 20 يناير 2026 20:48
يدخل الشتاء في مسقط على غير عاداته. لا أستطيع أن أستعيد ملامح الشتاء الماضي، على الرغم من أنني أدون يومياتي منذ سنوات في دفتر مذكرات أهدتني إياه أختي رقية، وأسجل فيه تفاصيل صغيرة، وأحداثا عابرة، ومفارقات لا أعود إليها كثيرا. لكن هذا الشتاء جاء مختلفا، وربما لأن أولى علاماته كانت وصول أمي من صلالة لتقضي عندي عطلة المدارس.
وضعنا حقيبتها المتوسطة في دبة سيارتنا، المعروفة باسم «الفارس الأسود»، وانطلقنا من مطار مسقط الدولي إلى بيتنا في الموالح الجنوبية. في الطريق التفتت إلي، وسألت بلهجتها المحببة:
«إيش زهبتي لنا على العشاء يا أموشة؟».
ابتسمت مرتبكة، وقلت لها إننا تناولنا أنا وزوجي طعاما بائتا، فلم نطبخ شيئا لانشغالنا. نظرت إلي بنصف عتاب ونصف ضحكة، ثم علقت:
«يعني ما شي زيتون ولا لبنة مكعزلة؟».
ضحكت، وقلت في نفسي: إن الطعام البائت لا يليق باستقبال أم، لكنه كان كافيا ليذكرني بأن البيوت لا تقاس بما فيها من طعام، بل بمن يجلس إلى المائدة. في الطريق أخرجت هاتفها، وبدأت تكلم أخواتي، تشكوني إليهن واحدة تلو الأخرى، بينما أضحك. ولكي أراضيها، وعدتها بطبق من المشاوي اللذيذة.
ثم قالت فجأة، وكأنها تعد قائمة صغيرة للحياة اليومية:
«أحتاج كرتون ماء (500 مل)، وكرتون كلينكس، وعصا».
سألتها: ولماذا العصا يا نهلات؟
أجابت ببساطة ضاحكة: ليست لي، بل للطفلة الصغيرة ابنة أختك، «ما توهد الله يحفظها».
ضحكت بدوري، ثم قلت وأنا أراقب انعكاس وجهي في زجاج السيارة:
صرت كبيرة يا أمي.
لم تكن الجملة اعتراضا، بل اعترافا خافتا بأن الزمن يتحرك فينا من دون أن يستأذن، وأننا نكبر معا، بينما نظن أننا ما زلنا في منتصف الطريق. في تلك اللحظة، بدأت أنظر إلى وجه أمي كما لو أنني أراه للمرة الأولى. لا بوصفه وجه الأم الذي ألفته، بل بوصفه وجها يطلب التثبيت، والإنصات، وربما نوعا من الخلود المؤقت.
من الفنون التي لم أجربها يوما فن البورتريه. لا أدعي أنني أجيد الرسم عموما، ومحاولاتي المدرسية في مدرسة الرباط كانت في أغلبها محاولات خجولة، وبعضها لا يخلو من الغش البريء من زميلات موهوبات كن يجدن الرسم أكثر مني. ومع ذلك، أحتفظ في بيتي بلوحة بورتريه مقلدة للفنان الساخر جورج بهجوري، رسمها لي أحد الأصدقاء. ومن حسن حظها أنها لم تنكسر حين شحنتها داخل حقيبتي وأنا أغلق أبواب الدراسات العليا للماجستير في الأردن.
كلما تأملت تلك اللوحة، أسأل نفسي: لماذا لم أنتبه يوما لأكرس ذاتي لتعلم هذا الفن؟ لماذا اخترت الكتابة للمسرح بدل الرسم؟ لكنه سؤال ضل طريقه ضمن أسئلة كثيرة لم أملك مفاتيحها، ثم أدركت لاحقا أن الكتابة كانت، منذ البداية، محاولتي الخاصة لرسم الوجوه، وأن ما لم أستطع رسمه بالخط واللون، حاولت الإمساك به باللغة.
أتذكر أنني، حين انتهيت من بروفة مسرحيتي «آزاد»، جلست إلى جانب أمي، وقرأت عليها المشهد الأول. لم تنتظر طويلا حتى غَضِبت، وقالت بقلق صادق يشبهها:
«يا بنتي، ما يجوز هذه الأسماء تطلع في كتاب... سيغضبون منك».
احتراما لرأيها، غيرت الأسماء جميعها في المشهد، وسجلت الإهداء إلى الأهل الذين لا يتكررون: ربيع، ونهلات، وعافية، وياقوت، وعروس. يومها فهمت أن الفن لا يولد حرا تماما، بل يخرج أحيانا محمولا بمحبة الآخرين وخوفهم علينا، وأن الرقابة الأولى ليست رقابة المجتمع، بل رقابة القلب.
أعود إلى وجه أمي. لم تكن تلك التغضنات التي استقرت فيه نتاج العمر وحده، بل بفعل الصمت المتكرر، والهدوء الداخلي الذي اكتسبته عبر تاريخ عائلي لم تعش معه طويلا، وحياة لم تختر تفاصيلها كاملة، لكنها احتملتها بشموخ. تزوجت أبي سريعا، وانتقلت إلى بيت آخر، وحياة أقل ضجيجا وأكثر احتمالا.
أنظر إلى عينيها، إلى شعرها، إلى قامتها الطويلة، إلى أصابع يديها، فأستحضر قول محمود درويش:
الجميلات هن الجميلات / يأس يضيء ولا يحترق.
جمال أمي لا يحتاج إلى تعريف، لكنه يحتاج، في داخلي، إلى بورتريه خاص بها وحدها. بورتريه لا يعلق على جدار، ولا يؤطَر، بل يحتفظ به كأثر حي.
البورتريه فن مركب، لا يكتفي بالشكل، بل يطرح أسئلة عن الزمن والذاكرة والغياب. في بيت عائلتي تتداخل الوجوه حين أبحث عن جذورها. كان أخي الراحل، أبو عدنان، يملك أرشيفا كبيرا من الصور العائلية. صورة واحدة لأمي وهي صغيرة في سكة الحصن، ترتدي ثوبا بنقش قديم و«سروالا»، وتحمل «صفرية» فوق رأسها. وفي صور أخرى يتوارى وجهها فلا يظهر بوضوح، لكن ابتسامتها الهادئة الوقورة يعرفها الجميع.
دخلت أول آلة تصوير إلى عائلتنا عن طريقه. كان يعشق الطبخ والموسيقى والقراءة والتصوير، وكان انفتاحنا على هذا الوسيط القادم إلينا سببا للدهشة والشغب والولع معا. امتلكت كاميرا مثله، وكنت ألتقط الصور بلا وعي كامل بما أفعل، لا أسأل عن علاقتها بالزمن، ولا علاقة الصورة بالموضوع المصور. لم أكترث كثيرا بقضية الحلال والحرام، ولا أتذكر أنني توقفت عند معنى محاكاة التصوير الإلهي، إلا حين صرت أكتب النص المسرحي وأسأل التمثيل والظل والضوء أيهما أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمعنى.
من بين ما يطرحه فن البورتريه، انشغاله العميق بالفوتوغرافيا. وجه أمي يحمل هذا التركيب الوظيفي المربك: هو وجهها كما أراه الآن، وهو في الوقت ذاته وجه أمها؛ جدتي عروس، رحمها الله. نخلتها في حوش البيت كبرت واستطالت، تشبهها في الوقفة والصبر. وهنا أعود إلى درويش مرة أخرى:
الجميلات هن الطويلات / خالات نخل السماء.
نعم يا عروس، ابنتك نهلات تقف أمامك في الحوش. غير آبهة بشتاء مسقط، تتأملك بحزن خفيف، وتغالب دموعها وتهمس: «يمه آنفداش كيف حالش؟ الله يرحمش يا الغالية». أسألها بدوري: هل تطلبين سندا لعبور العتبة؟ فتجيب، كأمها دائما:
«لوب لوب... وخري عني سأمشي بمفردي».
لم أرسم بورتريها لأمي يوما، وربما لن أفعل. لكنني أدرك الآن أنني أكتب وجهها منذ زمن بعيد. أكتبه بالذاكرة، وباللغة، وبالاستعارة، وبالحنين. أكتبه لأن الوجوه التي نحبها لا تمر، بل تمكث، وتطلب منا شكلا آخر من البقاء.
آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح