التقاويم الفلكية.. حين يصبح الفلك أداة لتنظيم الحياة
الأربعاء / 1 / شعبان / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 21 يناير 2026 10:01
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي -
في 4 أكتوبر 1582 ذهب الناس إلى النوم بتاريخ 4 أكتوبر، واستيقظوا في يوم 15 أكتوبر. ليس لأنهم دخلوا في سبات لعشرة أيام، بل بسبب تعديل قدّم إلى العالم تقويمًا فلكيًا أكثر دقة عبر اعتماد ما صار يُعرف بالسنوات البسيطة والكبيسة.
قبل عدة أيام ودعنا عام 2025 واستقبلنا عاما جديدا تبدأ معه الأرض دورة جديدة حول الشمس تستغرق 365 يوم وربع اليوم، ومع بداية كل عام نبدأ بجدولة مواعيد أعمالنا وخطط السفر وأنشطة حياتنا المختلفة في تقويم يمتد لأثنى عشر شهر، غير أن فكرة التقاويم ليست حديثة أو مبتكرة في العصور الحديثة بل إن جذورها التاريخية تعود لآلاف السنين إذ لم تكن التقاويم الفلكية مجرد جداول زمنية يحسب من خلالها الإنسان المواسم الزراعية والدينية والترحال، بل أنظمة معرفية متكاملة انعكست آثارها على مختلف جوانب الحياة الإنسانية. وقد لعبت التقاويم الفلكية على امتداد العصور دورًا محوريًا في مواءمة النشاط البشري مع الإيقاع الكوني وحركة الأجرام المختلفة. في هذا المقال نبرز البعد الفلكي لهذه التقاويم، ونحاول أن نبرز الجوانب التاريخية والمعرفية التي مرت بها هذه التقاويم حتى وصلت إلينا كما نعرفها الآن.
التقاويم في الحضارات القديمة:
تعتمد التقاويم بشكل أساسي على تنظيم الوقت وقياسه، وقد كان للمعرفة الفلكية والدين الدور الرئيسي في تشكل التقاويم وصياغتها منذ العصور الأولى وصولا إلى حضارات شعوب المايا والسومريين والمصرين القدماء وحضارة السند والهند، فكما أثرت ثقافة الشعوب في صياغة الميثلوجيات القديمة فإنها شكلت تصورا للسياق الذي سيحدد حساب الزمن وتقسيمه وأيضا تسمية المواقيت والشهور، بل وحتى في عدد الشهور نفسها في كل تقويم من هذه التقاويم المختلفة. وفي الوقت ذاته فإن المعرفة الفلكية والتطور الكبير لبعض الحضارات في هذا الجانب ساعد في رسم الأسس الأولية للتقاويم المعمول بها في الوقت الحالي، فحضارة شعوب المايا التي عُرفت بحساباتها الفلكية الدقيقة والتي تتقارب بشكل كبير مع الحسابات في وقتنا الحالي من حيث طول السنة الشمسية وطول الشهر القمر نجد أنهم قسموا السنة إلى 18 شهرا كل شهر مكون من 20 يوما على أن يتم حساب شهر قصير مكون من 5 أيام تكون مخصصة للاحتفال وتبجيل الآلهة وهي أيام مشؤومة عند شعوب المايا وشعوب الازتك. يمنع فيها على سبيل المثال إشعال النيران استرضاء للآلهة حسب المعتقدات القديمة لديهم، وقد عرف هذا التقويم بتقويم هاب وهو الأقرب إلى التقويم الشمسي من حيث عدد أيام السنة، و يختلف عن التقويم الآخر لدى هذه الشعوب والمسمى تزولكين والذي يعتمد في أساسه على دورة القمر و يتألف من ثلاثة عشر مجموعة، كل مجموعة تضم عشرين يومًا مُحددًا بأسماء مُعينة، ليصبح المجموع 260 يوما، تُقاس وفقًا لدورات القمر ولا يُمكن تكرار أسماء الأيام إلا بعد اكتمال دورة التقويم كاملة أي انقضاء 260 يومًا. كما أن هناك العديد من التقاويم الأخرى لشعوب المايا إلا أن هذين التقويمين لا يزالان يعمل بهما عند السكان الأصليين في المكسيك وبعض دول أمريكا الجنوبية وتتزامن احتفالاتهم مع الاعتدالين الربيعي والخريفي والتي توثقها المباني القديمة المشيدة في هذه المناطق قبل آلاف السنين.
أما في الحضارة الفرعونية فلم يكن الأمر مختلفا كثيرا، فقد تمتع قدماء المصريين بمعرفة فلكية كبيرة وليس بأقل شاهد على ذلك الاصطفاف الكبير للإهرامات الثلاثة والتي تحاكي اصطفاف النجوم في حزام كوكبة الجبار، وتعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني والتي تعد واحدة من أعظم الشواهد على دقة وبراعة المصريين القدماء في علوم الفلك والهندسة، إذ تتعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس في يومي 22 أكتوبر و 22 فبراير وهما يومي مولد رمسيس الثاني وتوليه الحكم، ويرتبطان أيضا ببداية موسم الزراعة والحصاد عند المصريين القدماء. والمدهش هنا أيضا أن الشمس تتسلل عبر الممر إلى أن تصل إلى ما يعرف بقدس الأقداس، لتضيء فقط ثلاثة تماثيل من أصل أربعة وهي تماثيل رمسيس والإله رع حور آختي والإله آمون رع، ولا تضيء تمثال الإله بتاح إله الظلام أو العالم السفلي.
هذه المعجزة الفلكية الدقيقة تعبر عن مدى تطور علوم الفلك لدى الحضارة الفرعونية وهو ما انعكس بشكل واضح على طريقة حساب الزمن لديهم. يشير خوان بيلمونتي أفيليس في ورقته «التقويم المدني المصري: تحفة فنية لتنظيم الوقت» إلى أن التقويم المصري لم يكن مجرد أداة إدارية، بل كان تجسيدًا لرؤية المصريين للكون، حيث دمجوا بين حركة النجوم والشمس وبين دورة حياة النيل لتنظيم حياتهم وبناء معابدهم لتكون متناغمة مع هذه الدورات الكونية. فقد قسم الفراعنة السنة إلى 12 شهرا كل شهر 30 يوما مقسمة على ثلاثة فصول ويتم إضافة 5 أيام في نهاية السنة ليصل المجموع إلى 365 يوما، ولعدم وجود سنة كبيسة، فإن التقويم يتأخر يوما واحدا كل 4 سنوات، وكما هو الحال عند شعوب المايا القديمة، فقد استخدم الفراعنة تقاويم دينية كالتقويم القمري المعتمد على اختفاء القمر في آخر ليلة يرى فيها، وبالتالي فالشهر لديهم يستمر 29 يوما تقريبا، وتتكون السنة في التقويم القمري من 12 شهرا وتتم إضافة شهر 13 لمعادلة التقويم. وهناك أيضا التقويم الذي حاول فيه الفراعنة الربط بين التقويم المدني والتقويم الديني وظل مستخدما لفترات طويلة.
على أن الحضارات المختلفة لم تتفق على تقويم موحد يكون مرجعا للعالم، فالحضارة الصينية كان لديها تقويم مختلف وكذلك الحضارات الفارسية والهندية وحضارات بلاد ما بين النهرين والتي تعتبر من أول الحضارات التي قسمت الأسبوع إلى 7 أيام ودمجت علوم الرياضيات وعلوم الفلك كنظام متكامل لحساب وتقسيم الزمن، ولا تزال بعض الشعوب تحتفظ بالحسابات القديمة للتقاويم إلى يومنا هذا كما هو معمول به في التقويم الفارسي والتقويم الصيني القديم والذي تكون فيه بداية السنة الصينية مغايرة لما هو معروف من الحساب عند بقية العالم. هناك أيضا التقويم المحلي في أثيوبيا الذي يستخدم للمعاملات الإدارية إلى اليوم.
التقويم الإسلامي:
رغم أن العرب كانت تسمي الشهور بأسماء مختلفة، إلا أنها لم تكن تمتلك تقويما مستقلا يعمل به في المعاملات أو المراسلات وظل الحال على ما هو عليه حتى عام 17 هجري في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ اشتكى أبو موسى الأشعري من عدم معرفة الناس بأي عام تمت المراسلة إن أرادوا الرجوع إليها، أو بأي عام تمت كتابة المكاتبات بين المتداينين، فمثلا نجد أن بعض الأشخاص تكاتبوا على دين في شعبان فلا يدري الناس أمن هذا العام أم قبل عام أو عامين؟ فاجتمع الخليفة عمر بن الخطاب بالصحابة في 12 ربيع الأول لإيجاد تقويم خاص بالمسلمين واقتُرح عدة مواعيد لبداية العام، فالبعض يرى في رمضان لأنه شهر الصيام والبعض يرى في شوال مع عيد الفطر والبعض يرى أن الحج هو الأنسب لاجتماع الناس وفي الأخير اتُفق على أن يكون محرم هو بداية العام، حين ينصرف الناس من الحج ويبدأ العام الأول من هجرة النبي إلى المدينة، وبهذا الاتفاق ولد التقويم الهجري الذي يعتمد على دورة القمر وبالتالي فالفارق بينه وبين السنة الشمسية يكون حوالي 11 يوما كل عام، وتتمتع السنة القمرية أو الهجرية بمكانة خاصة عند المسلمين في جميع أنحاء العالم لما تحدده من شعائر وأعياد ومناسك يحددها رؤية هلال الشهر، فإما أن يكون الشهر 29 يوما أو 30 يوما.
التقويم الحديث:
لم يكن التقويم كما نعرفه اليوم دائما بهذه الشاكلة، فقد مر بمراحل متعددة شهد فيها تغيرات كثيرة في حقب زمنية مختلفة. فولادة التقويم بصورته الحديثة جاءت كتعديل للتقويم الذي اعتمده يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد والذي قدر طول السنة الشمسية بمقدار 365.25 والذي اثبت علماء الفلك أن نسبة الخطأ فيه تصل إلى 0.0075 يوم وهو وإن لم يكن بالرقم الكبير إلا أنه يحدث فارقا مع مرور الزمن، ويُربك المناسبات الخاصة.
ففي عام 1582 وجد المسيحيون أنفسهم يحتفلون بعيد الفصح متأخرين بعشرة أيام. يُصادف الفصح موعد الاعتدال الربيعي المحدد بتاريخ 21 من شهر مارس. استجابة لهذا اقترح البابا جريجوري 13 تقويمًا جديدًا يكون فيه طول السنة الشمسية 365.25 يوم، يُضاف إليه يوم واحد كل أربع سنوات، يأتي متبوعًا بشهر فبراير؛ لتولد بهذا السنة الكبيسة التي نعرفها. وبالمناسبة فالسنة الكبيسة هي سنة تقبل القسمة على 4 بشرط أن لا تقبل القسمة على 100. على سبيل المثال تعد سنة 2024 سنة كبيسة؛ لأنها تقبل القسمة على 4 ولا تقبل القسمة على 100، في حين لا تعد سنة 2100 سنة كبيسة لأنها تقبل القسمة على 4 كما تقبل القسمة على 100. ويأتي هذا الشرط للحد من الخطأ في السنوات لفترات طويلة وبالتالي لا يحدث أي تغيير في مواعيد الفصول أو الاعتدالين الربيعي والخريفي بمرور الزمن.
ومع بداية استخدام التقويم الجريجوري في 4 من أكتوبر 1582 تم حذف 10 أيام من التقويم. عنى هذا أن ينام الناس بتاريخ 4 أكتوبر ليستيقظوا وقد تغير التاريخ إلى 15 أكتوبر 1582 بسبب التعديل في التقويم. رفضت بعض الدول والكنائس اعتماد التقويم الجديد إلا بعد ذلك بقرن أو قرنين؛ ليتم تطبيقه كتقويم عالمي يعمل به في المعاملات التجارية والمعيشية والسياسية في جميع دول العالم.
إن التقاويم لم تكن فقط محددة للوقت والأيام، بل كانت على مرور الزمن مرتبطة بشؤون المجتمعات وحياتهم اليومية الاقتصادية منها والدينية، وقد سعى الإنسان للوصول إلى وسيلة ينظم بها هذه المعاملات بما يتناسب وثقافة المجتمع مستغلا المعرفة الفلكية في هذا المجال. فقد رأى في حركة الشمس والقمر والنجوم أكثر من مجرد ظواهر جمالية، بل مؤشرات زمنية دقيقة يمكن الاعتماد عليها في ضبط أنشطته الزراعية والاقتصادية والاجتماعية. من هنا نجد التنوع المعرفي الذي أوجدته التقاويم والذي أسهم بشكل كبير في تطورها. وقد شهد العصر الحديث تحويل التقاويم الفلكية إلى تقاويم رقمية يمكن للإنسان الاستفادة منها أينما ذهب ويحدد من خلالها مواعيده وأنشطته اليومية.
إن التقاويم كما نراها اليوم تعكس لنا التمازج بين الحياة اليومية للإنسان منذ أن بدأ بملاحظة السماء وبين علوم الفلك وتوثق مراحل طويلة من البحث والمراقبة والإبداع المعرفي.
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء