اكتشاف جديد يربك تصنيف العدوى المنقولة جنسيا
الأربعاء / 1 / شعبان / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 21 يناير 2026 10:01
سعد صبَّار السامرائي -
مثلما يتقاسم الأزواج مهامهم الاجتماعية، ويتشاركون وجباتهم المفضلة، ويتبادلون أذواقهم الموسيقية وعباراتهم اليومية، تتقارب عوالمهم الميكروبية هي الأخرى، حتى تكاد تشبه بعضها بعضا. فحين تتجاور الأجساد، لا تنتقل المشاعر والعادات فحسب، إذ يُعاد ترتيب الخريطة الميكروبية والتجمّع الحيوي للكائنات الدقيقة على الجسم وفيه لدى كل طرف، في عملية طبيعية تفرضها الحميمية. هكذا تتبدّل المجتمعات البكتيرية، وتتلاقى، وتترك آثارها المتبادلة.
نادرا ما تُحدِث دراسةٌ واحدةٌ تحوّلا في مسار تاريخ طبّ النساء. غير أن تجربة سريرية نُشرت عام 2025 في مجلة نيو إنغلاند للطب بعنوان «علاج الشريك الذكري لمنع تكرار التهاب المهبل الجرثومي»، فعلت ذلك بنجاح. إذ بدت وكأنها تُسدل الستار على أحد أكثر ألغاز صحة النساء استعصاء.
يُعدُّ التهاب المهبل الجرثومي (Bacterial Vaginosis) أكثر أنواع العدوى المهبلية شيوعا في العالم. فإن احتمال إصابة النساء بهذه الحالة في مرحلة ما من حياتهن يقارب واحدة من كل ثلاثة. وعلى مدى سنوات، كان الأطباء يدركون أن البكتيريا المرتبطة بهذه الحالة يمكن العثور عليها أيضا على القضيب. ومع ذلك، ظلّ التهاب المهبل الجرثومي (كما يوحي اسمه) يُعامَل على الورق بوصفه مشكلة تخص النساء. وخلال نصف قرن من الممارسة السريرية، تعامل طبّ النساء مع هذه الحالة كما لو كانت شأنا نسائيا خالصا، باستخدام علاجات محدودة الفاعلية، تركت كثيرا من النساء عرضة لتكرار العدوى. وعلى أيّ حال، غيّرت الدراسة المشار إليها أعلاه هذا الفهم. فقد تابع الباحثون 150 زوجا من الأزواج، كانت الشريكة الأنثى في كلٍّ منهم مصابة بالتهاب المهبل الجرثومي. جرى علاج النساء بالمضادات الحيوية المعتمدة كخط أول، في حين تلقّى نصف الرجال علاجا مزدوجا بمضادات حيوية فموية وموضعية. وخلال ثلاثة أشهر، تبيّن أن علاج الشركاء كان فعّالا إلى درجة اضطُرّ معها الباحثون إلى إيقاف الدراسة مبكرا، كي يتسنّى تقديم العلاج لجميع المشاركين.
وكان استنتاجهم واضحا: يمكن أن ينتقل التهاب المهبل الجرثومي عبر الاتصال الجنسي، وينبغي التعامل معه على نحوٍ مشابه للأمراض المنقولة جنسيا.
والسؤال هنا: إذا كنتِ مصابة بالتهاب المهبل الجرثومي، ماذا تفعلين الآن؟ بالنسبة للأطباء الذين يعالجون هذه الحالة بانتظام، بدت نتائج الدراسة بمثابة تبرير طال انتظاره. تقول الدكتورة سارة سيغنا اختصاصية أمراض النساء التي تدير عيادة للصحة الجنسية في جامعة جورج واشنطن: «الأمر بديهي تماما. لا يحتاج إلى عبقرية علم الصواريخ». وانتشرت الدراسة -إن صحّ التعبير- كما تنتشر العدوى المنقولة جنسيا. ففي أكتوبر 2025، أوصت الكلية الأمريكية لأطباء التوليد وأمراض النساء، التي تضمّ أكثر من ستين ألف عضو، بالبدء في تقديم العلاج لشركاء المريضات الذكور في حالات التهاب المهبل الجرثومي المتكرّر. وفي نوفمبر، أصبحت كاليفورنيا أول ولاية توصي بأن يعالج جميع مقدّمي الرعاية الصحية الشركاء الذكور. أمّا في مطلع يناير 2026، فقد أعلنت مدينة نيويورك أن جميع عياداتها للصحة الجنسية ستباشر علاج الشركاء الذكور كذلك. وأرى أن هذا الاكتشاف مرشّح لأن يُحدِث تحوّلا جذريا في الممارسة الطبية.
تُعدُّ غاردنريلا المهبلية Gardnerella vaginalis نوعا من البكتيريا غير الهوائية الاختيارية. تكون الخلايا صغيرة الحجم (قطرها نحو 1.0–1.5 ميكرومتر) على هيئة مكورات عصوية قصيرة، غير مُكوِّنة للأبواغ وغير متحركة. وُصفت هذه البكتيريا لأول مرة عام 1953، حيث عُزلت من مهبل نساء يعانين أعراض التهاب عنق الرحم. وفي عام 1955 ربط العالم غاردنر (ومن هنا اكتسبت اسم الجنس) هذه البكتيريا صراحة بحالة التهاب المهبل الجرثومي. وعلى الرغم من تحديد عوامل خطورة متعددة للإصابة بالمرض، فإن المسببات الدقيقة لالتهاب المهبل الجرثومي كانت غير محسومة بسبب طبيعته البيئية المعقّدة.
في الحالة الطبيعية، تسهم بكتيريا العصيّة اللبنية Lactobacillus ، غير الهوائية الاختيارية المقيمة في المهبل (وهي بكتيريا طبيعية ضمن تجمع الميكروبيوم) في الحفاظ على وسط حمضي. وعندما تحلّ البكتيريا غير الهوائية محلّ البكتيريا الطبيعية، قد يصبح من الضروري وصف مضادات حيوية ذات تغطية غير هوائية لإعادة التوازن إلى هذا النظام البيئي الدقيق. لذا فإن بكتيريا جاردنريلا المهبلية تُعتبر كائنا دالا على التغيّر البيئي الميكروبي المرتبط بفرط نموّ أنواع بكتيرية متعددة.
وبصفتي باحثا في علم الأحياء، وأُدرِّسُ مقرَّري الأحياء الدقيقة وعلم المناعة، أثار البحث المنشور فضولي، فبدأتُ أتتبع ردود الباحثين حول الموضوع. وقد شرع بعض الأطباء في تصنيف التهاب المهبل الجرثومي لدى المرضى على أنه عدوى منقولة جنسيا، في حين يتحفّظ آخرون (من بينهم الدكتورة سيغنا) تحفّظا جزئيا، إذ يرون أن وصمة «العدوى الجنسية» لا تزال أثقل اجتماعيا من توصيفها على أنها «مشكلة نسائية».
ويشير وجود هذا الجدل القائم من الأساس إلى مفهوم «العدوى المنقولة جنسيا. إذ ما يزال تعريفه في حالة سيولة. من الناحية البيولوجية، فإن معظم الحالات المصنّفة ضمن هذا السياق تتحدّى التعريفات الثنائية الصارمة. فمصطلح «جنسي» ذاته لا يروي القصة كاملة. تقول سيغنا: «حين يسمع الناس عبارة عدوى منقولة جنسيا، يتخيّلون فورا اتصالا جنسيا بوصفه سببا للعدوى»، في حين أن الممارسة الجنسية أوسع بكثير من الاختراق وحده. فعلى سبيل المثال، يمكن لفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) -الذي عُدّ عدوى منقولة جنسيا منذ ثمانينيات القرن الماضي- أن ينتقل عبر الملامسة اللصيقة أو التقبيل، وكثيرا ما يُعثر على الفيروس عالقا تحت أظافر المراهقين. كما يمكن لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) والهربس أن ينتقلا عبر مشاركة الإبر، أو زراعة الأعضاء، أو نقل الدم، أو عبر المشيمة أثناء الحمل، وكل ذلك من دون أي اتصال جنسي مباشر.
والعكس صحيح أيضا. فهناك فيروسات لا تُعدّ عادة منقولة جنسيا، مثل إيبولا أو زيكا، لكنهما يستطيعان البقاء في السائل المنوي لأيام. كما يمكن لمرض كثرة الوحيدات الخمجية، المعروف باسم «مرض التقبيل» وهو عدوى فيروسية شائعة يسببها غالبا فيروس إبستين-بار (EBV) أن ينتقل عبر الممارسة الجنسية. وحتى ما يُسمّى «الهربس الفموي» يُعثر عليه كثيرا في الأعضاء التناسلية.
في عام 2022، كان للدكتور جيفري كلاوسنر -وهو طبيب أمراض معدية في جامعة جنوب كاليفورنيا- دورٌ في الدفع نحو تصنيف «عدوى منقولة جنسيا» جديدة وهي: جدري القردة، إذ جادل بضرورة إعادة تصنيفه بعد تفشٍّ عالمي ارتبط برجال يمارسون الجنس مع رجال. لم يكن القرار علميا فحسب، وإنما استراتيجيا كذلك. يقول كلاوسنر: إن الهدف كان «الوصول إلى توافق بين قادة الرأي على أن هذه العدوى، في معظمها، منقولة جنسيا، وأنه ينبغي التعامل معها باستخدام أساليبنا المجربة والموثوقة في مكافحة العدوى المنقولة جنسيا».
من الناحية النظرية، قد يؤدّي تصنيف التهاب المهبل الجرثومي بوصفه عدوى منقولة جنسيا إلى تعزيز جهود الصحة العامة في التثقيف والسيطرة. غير أن إعادة التصنيف -كما يصفها كلاوسنر- تنطوي على مزايا ومخاطر في آنٍ واحد. ففي حالة جدري القردة، اضطرت السلطات الطبية إلى الموازنة بين فائدة هذا التصنيف واحتمال أن يُؤجّج وصمة اجتماعية موجَّهة ضد فئة المثليين. والمفارقة أن المجتمعين العلمي والصحي يعلمان علم اليقين أن تاريخ ما يُعرف بالأمراض المنقولة جنسيا ارتبط، في بداياته الحديثة، بمثليي الجنس؛ إذ سُجِّل أول ظهور لما عُرف لاحقا بمرض الإيدز عام 1981، حين رصدت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة عددا من حالات الالتهاب الرئوي غير المألوف لدى خمسة رجال من المثليين جنسيا في ولاية كاليفورنيا. وفي تلك المرحلة المبكرة، لم يكن للمرض اسمٌ رسمي، وشاع في التغطيات الصحفية استعمال مصطلح GRID، وهو اختصار لعبارة Gay-Related Immune Deficiency، أي نقص المناعة المرتبط بالمثليين جنسيا، وهو توصيف يعكس الارتباك العلمي والاجتماعي الذي أحاط بالمرض في بداياته، قبل اتضاح طبيعته الفيروسية وآليات انتقاله.
وحتى لا نخرج عن إطار الموضوع، تخيَّل معي فئة «العدوى المنقولة جنسيا» بلدا تمزّقه الصراعات، ويقع التهاب المهبل الجرثومي فيه مدينة قائمة على أحد حدوده المتحرّكة على الدوام. تتبدّل مكانة هذه المدينة تبعا للعصر والظرف، وهو ما يكشف أن تلك الحدود كانت، منذ البداية، مصطنعة إلى حدٍّ بعيد، الأمر الذي يدفع بعض الأطباء إلى إعادة النظر في حدود هذا التصنيف ذاته.
يتحدّى التهاب المهبل الجرثومي التعريف التقليدي للعدوى المنقولة جنسيا بعدّة طرائق. أولا، لا ينجم عن عاملٍ مُعدٍ واحد، كما هو الحال في الكلاميديا أو السيلان. إنّه أقرب إلى تحوّلٍ في النظام البيئي للميكروبيوم المهبلي، ذلك المجتمع الكثيف من البكتيريا التي تحرس الأعضاء التناسلية. لذا، فإنه مزيج من أشياء متداخلة. ليس شيئا واحدا بعينه، وإنما نمطٌ كامل.
ثانيا، يمكن أن ينتقل التهاب المهبل الجرثومي عبر الجنس، لكن الباحثين يختلفون حول ما إذا كان يبدأ دائما بهذه الطريقة. حتى الدكتورة كاتريونا برادشو الباحثة الرئيسية في الدراسة وطبيبة في مركز ملبورن للصحة الجنسية بجامعة موناش، تتحفّظ في صياغتها: وتقول «من الأدقّ التفكير في التهاب المهبل الجرثومي بوصفه قابلا للانتقال جنسيا». ويعرف الباحثون أنه بعد الإصابة الأولى، يمكن لأي تغيّر في درجة حموضة المهبل (pH) أن يتيح للبكتيريا المرتبطة بالحالة أن تتكاثر، وقد ينجم هذا التغيّر عن الغسولات المهبلية، أو الواقيات الذكرية، أو التدخين، أو المزلّقات، أو اللولب الرحمي، أو الهرمونات، أو السائل المنوي، أو حتى الدورة الشهرية يكفي حدوث أي اضطراب في تلك البيئة. «قد يكون ارتداء ملابس السباحة مدة طويلة، أو سراويل اليوغا»، نعم سراويل اليوغا (كما تقول كاتريونا برادشو)، ومن خلال جمع كل هذه الاستثناءات في صورة واحدة، يدفع التهاب المهبل الجرثومي الباحثين إلى إعادة طرح سؤال طال إهماله: هل ما يزال مصطلح «العدوى المنقولة جنسيا» مفيدا سريريا؟
تقول الدكتورة سوبريا ميهتا اختصاصية الوبائيات في جامعة إلينوي في شيكاغو التي تدرس الميكروبيوم التناسلي: «ربما يحتاج النقاش برمّته إلى تغيير. من يهتم فعلا بتسمية عدوى منقولة جنسيا؟ إنها أشبه بنزلة برد، لكنها تحدث في الأعضاء التناسلية، أليس كذلك؟». وبصرف النظر عن التسمية التي يعتمدها الأطباء، فإن الفشل في الاعتراف بانتقال التهاب المهبل الجرثومي عبر الجنس حرم الطبّ من وسيلة حاسمة للقضاء على حالة شديدة الانتشار، بما لذلك من عواقب وخيمة على المرضى. وتختتم الدكتورة سيغنا بقولها: «كل ما يتعلّق بأعضاء المرأة التناسلية يأتي دائما متأخرا».
سعد صبَّار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق