العرب والعالم

غــزة بـعـد الـمـرحـلـة الثانية من خطة ترامب

 

وعود بـلا أرض صلبة..

في اللحظة التي أُعلن فيها الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب في غزة، التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكن القطاع قد غادر بعد حالة الاشتباك المفتوح مع الألم. الإعلان، الذي حمل في لغته السياسية مفردات «الانسحاب» و«الإعمار» و«المرحلة الانتقالية»، وصل إلى الناس وهم ما زالوا يقيسون يومهم بعدد الغارات، وليلهم بعدد الخيام التي صمدت أمام الرياح. 

لم يُستقبل الخبر بوصفه بداية مؤكدة لنهاية الحرب، بل كعنوان جديد لمرحلة غامضة، تتقاطع فيها الآمال الثقيلة مع ذاكرة طويلة من الوعود غير المكتملة. في الأزقة المؤقتة للمخيمات، وبين أنقاض المدن، راح الفلسطينيون يتداولون الإعلان بلغتهم الخاصة، لغة التجربة والخذلان، لا لغة البيانات. 

يتحرك النقاش الشعبي في غزة اليوم بين حدَّين متناقضين: رغبة عميقة في أن تكون هذه المرحلة مخرجا حقيقيا من الحرب، وشك متجذر في أن تتحول، كغيرها، إلى مسار إداري لا يغيّر شيئا في معادلة الحصار والسيطرة. وبين هذين الحدين، تتشكل ردود فعل الناس، كلٌّ من موقعه، ومن حجم خسارته. 

بدورها ترصد «عُمان» تلك الردود، لا بوصفها آراء منفصلة، بل كخريطة شعورية وسياسية تعكس كيف يرى الغزيون المرحلة الثانية: هل هي بداية نهاية، أم محطة أخرى في طريق طويل من الانتظار؟ 

إعلان إعلامي 

في مخيمات النزوح غرب القطاع؛ حيث تتحول الحياة إلى تفاصيل حدّها الأدنى، ينظر غسان سالم إلى الإعلان بعيون مثقلة بالتجربة. الرجل البالغ من العمر اثنين وأربعين عاما، والذي أُصيب خلال الحرب، ويستخدم كرسيا متحركا، لا يرى في المرحلة الثانية سوى «إعلان إعلامي لا أكثر». 

يقول غسان: إن ما يُطرح لا يتجاوز إدخال كميات محدودة من المساعدات، سرعان ما تتلاشى آثارها، فيما تبقى المشكلات الجوهرية على حالها. وبرأيه، فإن المناطق الغربية من القطاع مرشحة لأن تتحول إلى بؤر للأمراض خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب بنية صحية قادرة على الاستمرار. 

يتوقف غسان عند ما يعتبره أخطر من الإعلان ذاته: الحديث عن توقف معظم المستشفيات والمراكز والجمعيات الصحية خلال شهرين، وفق ما أعلنه الاحتلال. ويرى أن هذا وحده كفيل بدفع الأوضاع نحو مستويات غير مسبوقة من التدهور، في وقت لا يمتلك فيه الناس بدائل. 

وعن لجنة «التكنوقراط» ومجلس السلام، لا يخفي غسان تشككه في قدرتهما على إدارة غزة فعليا، معتبرا أن السيطرة الحقيقية على الأرض ما زالت بيد حركة حماس، وأن أي إدارة لا تمر عبر هذا الواقع ستبقى شكلية. ويخلص إلى أن فتح المعابر سيبقى الاختبار الحقيقي للنية، وإلا فإن الحصار سيظل قائما بأسماء جديدة. 

بين الشك الحاد الذي يعبّر عنه غسان، تبرز أصوات أخرى ترى في المرحلة الثانية نافذة أمل، ولو ضيقة. 

أمنيات الخيام 

من المخيم المصري في خان يونس، يتحدث سامح الفيومي، البالغ من العمر تسعة وأربعين عاما، بلغة يغلب عليها الدعاء أكثر من التحليل. بالنسبة له، لا تعني المرحلة الثانية تفاصيل سياسية معقدة، بل احتمالا بسيطا: أن تُفتح المعابر، وأن ينسحب الاحتلال، فتبدأ الأزمة بالانفراج. 

يقول سامح إن الناس تضرروا بما يكفي، فقدوا بيوتهم وأطفالهم وأحلامهم، وانتهوا إلى حياة الخيام. يستعيد المفارقة القاسية بين الماضي القريب، حين كانت البيوت قائمة، والحاضر الذي تُختصر فيه الحياة بقطعة قماش مشدودة على أعمدة. 

ويضيف: إن أمله الأكبر أن تفتح المعابر لتدخل المساعدات، وأن تتحقق حلول تنهي هذه المأساة الممتدة. بالنسبة له، المرحلة الثانية ليست ملفا سياسيا، بل احتمال عودة إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. 

غير أن هذا الرجاء، حين يُختبر بمعايير الواقع الأمني والسياسي، يواجه تساؤلات أعمق حول القدرة على التنفيذ. 

مسار معقد

في الرابع عشر من يناير الجاري، أعلن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب في غزة، بوصفها مرحلة محورية تهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق النار المؤقت إلى سلام مستدام وإعادة إعمار شاملة. الإعلان تضمن سحب القوات الإسرائيلية بالكامل من القطاع، وبدء جهود إعادة الإعمار. 

لكن هذه الخطة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الخلافات حول آليات التنفيذ، خاصة في الجوانب الأمنية والسياسية. وتتمثل البنية الإدارية للمرحلة في منح لجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤقتة، المعروفة باسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» برئاسة علي شعث، صلاحيات الإشراف على الشؤون المدنية اليومية. 

وتعمل هذه اللجنة بدعم من «مجلس سلام» دولي أعلن عنه البيت الأبيض، ويضم شخصيات دولية بارزة، من بينها توني بلير وستيف ويتكوف، بهدف دعم الاستقرار والإشراف على المرحلة الانتقالية. غير أن بنودا أساسية، مثل نزع سلاح الفصائل ونشر قوة دولية، لا تزال محل رفض من حماس، وتتحفظ عليها إسرائيل، ما يعقّد مسار التنفيذ. 

سؤال القوة 

محمد إبراهيم، اثنان وستون عاما، ينظر إلى اللجنة الإدارية من زاوية مختلفة. فهو يرى أن أي حكومة أو لجنة لا تمتلك مصدر قوة حقيقي لن تنجح في إدارة واقع معقد كالذي خلفته الحرب. 

يؤكد محمد أن غياب عناصر أمنية تضبط الفلتان يجعل من الصعب على أي لجنة أن تعمل بفعالية. فالحرب، برأيه، لم تترك فراغا إداريا فقط، بل فوضى اجتماعية وأمنية تحتاج إلى معالجة متوازية. 

يتحدث عن أمنيته الأولى: الاستقرار والشعور بالأمان، وانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل السابع من أكتوبر 2023. ويصف واقع الخيام المهترئة التي لا تقي برد الشتاء ولا قسوة الرياح، معتبرا أن الأوضاع بلغت حدا لا يُحتمل. 

ويضيف: إن الإعمار بات ضرورة وجودية، لا ترفا سياسيا. فالمنخفض الجوي الأخير، كما يقول، اقتلع الخيام فوق رؤوس أصحابها، فيما يكافح الناس يوميا لتأمين الماء والطعام وسط قصف مستمر. ويختم بالتشكيك في أي حديث عن انسحاب حقيقي من «المناطق الصفراء»، معتبرا الإعلان عنها رمزيا لا أكثر. 

هذا القلق من الشكلية يتكرر بصيغ مختلفة لدى من يرون في التجربة الطبية والإنسانية مقياسا لصدقية أي مرحلة. 

أولوية الحياة 

الدكتور بسام مطر النجار، طبيب فلسطيني، يتعامل مع المرحلة الثانية من زاوية إنسانية مباشرة. فهو يأمل أن تحمل خيرا للشعب الفلسطيني، لكنه لا يخفي عدم ثقته بالاحتلال والولايات المتحدة، معتبرا أن نقض العهود سمة ثابتة في التجربة السابقة. 

بالنسبة له، الأولوية المطلقة هي إيقاف الحرب بشكل كامل. فإذا توقفت، كما يقول، ستُفتح كل الأبواب الأخرى تلقائيا. ويشير إلى أن الدول العربية قادرة على إعادة إعمار غزة بالكامل إذا سُمح لها بذلك، دون حاجة فعلية لأوروبا أو الولايات المتحدة. 

ويرى أن أي إدارة تأتي بموافقة إسرائيلية ستكون إدارة فاشلة من حيث المبدأ؛ لأنها نتاج إرادة الاحتلال. ومع ذلك، يعترف بأن الواقع قد يفرض القبول بها كخيار اضطراري، مع ضرورة الضغط الدولي لتعديل موازين القوة. 

ويختم بدعوة صريحة للمجتمع الدولي لاحترام قرارات الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن ضغطا دوليا حقيقيا سيجبر إسرائيل في النهاية على الانسحاب من المناطق التي تحتلها. 

في مقابل هذا الخطاب الإنساني، يبرز صوت آخر ينطلق من ذاكرة التهجير الطويلة. 

حنين الأرض

ماجد غريب، نازح سبعيني من مخيم جباليا، لا يرى حتى الآن أي تغيير ملموس على الأرض. فالقصف والدمار، كما يقول، ما زالا مستمرين، والحديث عن المرحلة الثانية لم يترجم إلى وقائع. 

يعبّر ماجد عن أمله في أن تشهد الأيام القادمة تراجعا للاحتلال ووقفا لعمليات القتل، لكنه يعترف بأن الغموض سيد الموقف. كل ما يتمناه في هذه المرحلة هو إزالة الركام، ليعود إلى أرضه، حتى لو كان ذلك في خيمة فوق أنقاض بيته. يتحدث عن نزوحه من شمال القطاع إلى جنوبه، وعن رغبته العميقة في العودة إلى مخيم جباليا. ويرى أن تقييم لجنة التكنوقراط سابق لأوانه، متمنيا أن تنجح في تحسين الأوضاع المعيشية. كما يناشد بتوفير كرفانات بدلا من الخيام، معتبرا ما يتعرض له الناس من تشرد وقهر أمرا يفوق طاقة البشر. ويوجه رسالة للمجتمع الدولي بضرورة تحسين توزيع المساعدات وتوفير فرص العمل للشباب. 

هذا النداء الاجتماعي يجد صداه لدى من يربط نجاح أي مرحلة بعودة الحياة اليومية إلى مسارها الطبيعي. 

حلم العادي

أبو علي، ثلاثة وخمسون عاما، نازح من مدينة غزة، يضع آماله على حكومة التكنوقراط في إصلاح ما يمكن إصلاحه. يقول إنه يأمل أن تقف هذه الحكومة مع الناس، وأن تجد حلولا لأزمة الصراع وإعادة الإعمار. يركز أبو علي على مطلب أساسي: فتح البلاد أمام المرضى والجرحى للسفر والعلاج. فهناك، بحسب قوله، مئات الحالات التي تحتاج إلى تدخل فوري لا يتوفر داخل القطاع. ويؤكد أن الأولوية القصوى اليوم هي المسكن والعمل والاستقرار، داعيا الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم لدعم غزة، بعد أن اكتفى الناس من الدمار. وعند مستوى التحليل السياسي، تتخذ المرحلة الثانية أبعادا أوسع تتجاوز الشهادات الفردية. 

ميزان السياسة

المحلل السياسي الفلسطيني عاهد فروانة يرى أن إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية خطوة نوعية، لكنها مشروطة بضغط دولي فعلي لإلزام الاحتلال بمتطلباتها، وعلى رأسها الانسحاب وفتح المعابر والبدء بالإعمار. 

يؤكد فروانة أن نجاح هذه المرحلة يتوقف على مدى التزام الاحتلال، مشيرا إلى محاولات نتنياهو توصيف الاستحقاقات بوصفها «شكلية». ويتطلع الشارع الفلسطيني، وفق رأيه، إلى أن تكون هذه المرحلة بداية تعافٍ حقيقي. 

ويشير إلى أن الإعلان الأمريكي يفترض أن تمثل المرحلة الثانية وقفا دائما لإطلاق النار، لكن الاحتلال سيحاول التملص، ما يستدعي دورا حاسما للإدارة الأمريكية في الضغط. 

ويختم بأن الانسحاب شرط لا يمكن الالتفاف عليه، وأن نجاح اللجنة الإدارية مرهون بالدعم الدولي ومنع الاحتلال من عرقلة عملها، كما حدث عندما حاول منع رئيس اللجنة من مغادرة الضفة الغربية لحضور اجتماع مجلس السلام في مصر.