إيران: لماذا تنتهي الاحتجاجات الدورية إلى طريق مسدود؟
الاحد / 28 / رجب / 1447 هـ - 23:42 - الاحد 18 يناير 2026 23:42
إن لم يحدث تطور غير متوقع فمن المرجح أن إيران قد عبرت موجة الاحتجاجات المطلبية منذ ٢٠٠٩ دون أن ينهار النظام السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية كما يريده أعداؤه في واشنطن وتل أبيب، ودون أن ينشئ هو أيضا آلية كفؤة توقف أو تحد من دورات الانتفاض الداخلية المتكررة.
كما كذبت إسرائيل على مدى ربع قرن في ادعاء أن إيران على وشك امتلاك قنبلة نووية بعد أسابيع، كذبت كذلك توقعاتها المتكررة عن أن النظام الإيراني سيسقط في كل احتجاج منذ الحركة الخضراء ٢٠٠٩مرورًا باحتجاجات ٢٠١٤و٢٠١٩ و٢٠٢٢ و٢٠٢٦.
إذا كانت العقوبات الاقتصادية غير العادلة شديدة القسوة على إيران التي لم تفرضها أمريكا وأوروبا بهذا التصميم وعلى هذا المدى الزمني الطويل إلا ربما على كوبا هي السبب الأول لتأزم الاقتصاد وانهيار العملة المحلية وارتفاع التضخم وضيق الحياة بقطاعات كبيرة من الإيرانيين وبالتالي لخروجهم المتكرر للشوارع، فإن الإدارة غير الكفؤة للحكومات المتعاقبة لخمسة رؤساء محافظين ومعتدلين على حد سواء على الأقل في الـ٢١ عاما الأخيرة هو السبب الثاني.
لكن الأمل الذي تعيش عليه واشنطن منذ ١٩٧٩ في استرداد الجوهرة الإيرانية ـ أو شرطي الخليج التي كانت عليه في عهد الشاه حسب التعبيرات الجيو استراتيجية الأمريكية- لم يتحقق في كل هذه المرات حتى في احتجاجات هذا الشهر وهذا العام الحالي رغم أن أنهم اعتبروا أن النظام الإيراني هذه المرة مرشح أكثر من أي احتجاجات سابقة للسقوط بعد تراجع هيبته الإقليمية بعد انكسار محور المقاومة في فلسطين ولبنان وانتقال الحكم في دمشق لنظام سياسي موال للغرب ومعاد لطهران.
مصادر عجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن فهم مقدمات الثورة الإيرانية على الشاه عام ٧٩ ـ رغم أنهم بتعبيرات مؤرخيهم كانوا مسيطرين سيطرة تامة على أجهزة الأمن الإيرانية آنذاك ـ تبقى هي نفسها مصادر عجزهم في كل مرة عن التنبؤ السليم بقدرة النظام الحالي على الصمود وامتصاص واستيعاب الاحتجاجات الدورية في الـ ١٦ عامًا الأخيرة.
من أول هذه المصادر ما يمكن وصفه بالإرث التاريخي للثقافة السياسية الإيرانية الحديثة وهو إرث يمكن ـ في قسم منه ـ وصفه برد فعل للتبعية الغربية لرضا بهلوي الكبير وابنه محمد، خاصة الأخير الذي تميز حكمه بعملية تغريب للمجتمع الإيراني استفزت ثقافته الإسلامية وبنيانه التقليدي.
تمثل هذا الإرث في قيام عدد من المفكرين من بينهم رجال دين بتنظير فكري مبكر وإصدار كتب مهمة تنظر للاستيلاء الغربي على السلطة والنفط الإيرانيين والتغريب الثقافي على أنه محاولة غربية لطمس الطابع الإسلامي والطابع القومي لإيران معا.
ترسخت هنا فكرة مركزية تمحورت حول العداء للغرب الإمبريالي واعتبار أنه يستهدف إيران في هويتها.
هذا الإرث كان سببا لجعل التدخل الأمريكي والإسرائيلي لإذكاء الاحتجاجات الإيرانية التي تبدأ مطلبية وعفوية في كل مرة ينقلب إلى أثر عكسي ويساعد في إطفاء نار الاحتجاجات بعد أن يستفز قطاعات رئيسية في النخب والمجتمع من أن يتحولوا أداة في يد الغرب لتحطيم الحكم في بلاده.
في كل مرة يحول التعجل الأمريكي الإسرائيلي ـ لقطف الثمرة الإيرانية ـ احتجاجًا اقتصاديًا على التضخم وعدم الكفاءة الداخلية إلى صراع على الهوية وإلى حرب بين الغرب وإيران الإسلامية تستفيد منه وتعظمه الحكومة الإيرانية في إعادة الهدوء إلى الشوارع.
عندما بث نتنياهو وبينيت في إسرائيل وبث ترامب وليندسي غراهام في واشنطن فيديوهات لدعم الاحتجاجات الأخيرة، وعندما يهنئ مسؤولو المخابرات في البلدين عملاء الموساد الموجودين في إيران على دورهم في نفس الاحتجاجات لم يجد قسم مهم من الإيرانيين ـ حتى الغاضبين منهم على الحكومة ـ
مناصًا من الانسحاب إلى البيوت. أما درجة العنف غير المسبوقة التي لم تشهدها دورات الاحتجاج الأربع السابقة والتي وصلت إلى تدمير مساجد وحرق مصاحف في بلد شديد الاعتزاز بإسلامه فقد كانت لحظة الانكشاف بأن هناك أيادي غير إيرانية متغلغلة في مفاصل البلد تختطف الانتفاضة الجماهيرية.. هي اللحظة التي بدأت بعدها وتيرة الاحتجاجات في التراجع جغرافيًا وبشريًا.
لكن التدخل الخارجي الغربي السافر والعلني الذي يستفز الكبرياء القومي والديني الإيراني يعطي ميزة أيدلوجية وإعلامية لطهران في كبح عواطف الغضب الاحتجاجي لا يقف أثره عند هذا فحسب بل يمتد أيضا ظاهرة أخرى لا تقل عن ظواهر استهداف الغرب الهوية الإيرانية هي ظاهرة عدم الثقة التامة في نتائج أي تغيير للنظام يكون الأمريكيون طرفا فيه.
الإيرانيون كشعب قديم ومجرب ينظرون بعناية لدروس تدخل أمريكا والناتو في العراق وليبيا وأفغانستان التي انتهت إلى قدر كبير من الفوضى وتهديد وجود الدولة الوطنية ونشأة ميليشيات داخلية تهدد وحدة القرار السياسي وتفتح الباب لتدخلات خارجية إقليمية ودولية. وعندما يعتبرون منها لا يعودون راغبين في أن يساعدوا بأنفسهم في سقوط بلدهم في نفس الفوضى وسوقها للمصير نفسه.
العامل الخارجي ليس السبب الوحيد لانطفاء نار الاحتجاجات الأخيرة هناك كذلك العامل الداخلي وميزان القوى فيه الذي لم يطرأ عليه تغير حاسم.
في أدبيات علم السياسة التي راكمت خبرات نجاح احتجاجات في تحقيق أهدافها يمكن الإشارة إلى ثلاثة عناصر افتقرت إليها حتى الآن الاحتجاجات الإيرانية الخمسة.
العامل الأول هو وحدة النخبة الحاكمة لنظام الجمهورية الإسلامية المحافظين المعتدلين، المدنيين والعسكريين، الحرس الثوري والجيش.
حسب خبرات علم السياسة يعد انقسام النخبة الحاكمة شرطًا لنجاح أي احتجاج يسعى لاستبدالها. ومن الدروس الحديثة في المنطقة يرى علماء سياسة غربيون أن البلدين الوحيدين اللذين نجح فيها ما عرف إعلاميا بالربيع العربي وهما تونس ومصر كان انقسام النخبة الحاكمة سببًا رئيسًا في ذلك.
العامل الثاني هو عدم تبلور أو وصول النضج الاحتجاجي إلي ما يسمي بتبلور « الكتلة الحرجة» التي تجعل الاحتجاج طيفا واسعا من الطبقة الوسطى والمتعلمين يلتقي مع الجماهير الغفيرة من الفقراء.
الخروج الهائل لحشود كبيرة من المجتمع الإيراني استجابة لدعوة الحكومة للرد على احتجاجات المعارضين أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن قوى اجتماعية وازنة ما زالت في المناطق الشعبية للمدن وفي الريف - مرتبطة أيديولوجيا بالنظام ومرتبطة معيشيًا بالخدمات التعليمية والطبية المجانية، ودعم الوقود والغذاء الذي يلتزم به النظام الحالي.
بعض المتخصصين في الشأن الإيراني اعتبر أن خروج هذا الحشد الموالي بما عناه من عدم وجود للكتلة الحرجة ربما كتب نهاية الاحتجاجات.
العامل الثالث المزمن هو افتقار المعارضين والمحتجين لقيادة متفق عليها وقادرة على أن تشكل بديلا للقيادة الحالية لآية الله خامنئي.
بدت فكرة طرح رضا محمد بهلوي ابن الشاه المخلوع فكرة غير جادة وغير عملية بالمرة حتى من قبل الرئيس الأمريكي ترامب.
تاريخ العائلة الشاهنشاهية في التغريب وسجن رجال الدين الموقرين بشدة خصوصًا في المذهب الشيعي يمثل عائقًا لاعتباره القيادة المنتظرة.
رضا بهلوي الذي لا يكاد يعرف شيئًا عن إيران ما بعد أبيه يضيف عائقًا نفسيًا للقبول من الشعب الإيراني بسبب التباهي بعلاقته بإسرائيل، وتعهده بالتحول لحليف لها، والانضمام لاتفاقات إبراهام عندما تتم الإطاحة بالنظام الحالي المعادي للغرب والصهيونية من جهة أخرى.
لكن العوامل الداخلية الثلاثة الرئيسية هي واقع متحرك وقد يحدث انقسام في النخبة في وقت ما خاصة وأن وجود الإمام خامنئي قائدا أعلى يمثل عنصر أمان ووحدة للنظام بأجنحته المتعددة، وهو أمر قد لا يتوافر لخليفته.
كما أن الكتلة الحرجة قد تتبلور في وقت آخر وقد تخلق هذه الكتلة ساعتها القيادة ـ الغائبة حتى الآن ـ لتقودها.
وهنا قد يتحول العامل الخارجي الذي ساهم في إضعاف الاحتجاجات السابقة، وكان له أثر سلبي بل عكسي عليها.. قد يتحول مع الظروف المواتية في الداخل إلى عامل مساعد يعيد إيران جائزة كبرى لجيب الإمبريالية الغربية كما كانت زمن الشاه.
المستقبل الذي سيحدد استمرار عوامل الاحتجاج في التطور أو في التراجع وحتي الانقطاع منوط بوضوح بتحول نظام الجمهورية الإسلامية من منطق إدارة الأزمات الاحتجاجية الدورية واستيعابها إلى منطق طرح حلول جذرية خاصة للمشكلة الاقتصادية، ورفع مستويات الحرية الاجتماعية الخاصة بالحرية الشخصية للأفراد، وإعادة مساحات التنافس السياسي داخل النظام بين أبنائه طالما أنهم ملتزمون بمبادئ المؤسس آية الله الخميني الأساسية في السياستين الداخلية والخارجية.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري