كيف تبدأ الحرب مع الصين؟
الاحد / 28 / رجب / 1447 هـ - 23:40 - الاحد 18 يناير 2026 23:40
ترجمة: أحمد شافعي -
قد تكون أولى النذر تحركات هادئة من بكين لنقل أصولها المالية بعيدًا عن بلاد غربية قد تجمدها في الحرب. والثانية قد تكون حملات وطنية في الصين تدعو المواطنين إلى التبرع بالدم.
ثم في غمار تحرك القوات والجدالات حول ما لو أن هذا يمثل تهديدًا حقيقيًا أم هو محض خداع، قد تعطل الهجمات الإلكترونية جزءًا كبيرًا من شبكة تايوان الكهربائية والنظام المصرفي فيها، ويبطؤ الإنترنت في الجزيرة بسبب تخريب الكوابل دون البحرية التي تربط تايوان بالعالم.
سوف تضرب الصواريخ المقر الرئاسي ومواقع الجيش والمخابرات في محاولة لقطع الرأس، وقد تمتد إلى القواعد الأمريكية في كل من جوام واليابان للحيلولة دون قيام القوات الأمريكية بالإغاثة.
وسوف تحاصر السفن الصينية تايوان، مع تركيز خاص على منع الولايات المتحدة واليابان من الإمداد بالمساعدات.
تلك نسخة متطرفة مما قد تبدو عليه ضربة صينية أولى للاستيلاء على تايوان، مستلهمة من حوارات مع مخططين عسكريين ومن كتاب وشيك الصدور بعنوان «دفاعا عن تايوان» لإيك فريمان من جامعة ستانفورد.
يتحسب المخططون الاستراتيجيون في البنتاجون لسيناريوهات الغزو المحتملة تلك، وهذا عملهم. أما مسؤولو تايوان فهم أكثر تركيزا على تحركات «المنطقة الرمادية» ضد تايوان مما يكون دون الحرب (وهم في رأيي مصيبون في ذلك).
فغزو الصين الشامل لتايوان قد يفشل، ولذلك أستبعد أن يحدث خلال السنوات القليلة القادمة، أما ضغوط المنطقة الرمادية فتمثل تحديًا يوميًا، ومن المرجح أن تتزايد، فضلا عن كونها تنطوي على خطر التصعيد إلى حرب شاملة تستدرج الولايات المتحدة.
في هذه المنطقة الرمادية تصعِّد الصين فعليا الهجمات السيبرانية، وتقطع كوابل الإنترنت، وتبعث طائرات وسفنا إلى تايوان. وتجري أيضا مناورات عسكرية بالذخيرة الحية أحدثها قبل أسبوعين؛ لمحاولة إرغام الجزيرة على أن تقبل في المستقبل شكلا من أشكال منطقة الحكم الذاتي الخاضعة لإشراف الصين.
ومن مؤشرات المنطقة الرمادية أن الصين قامت في عام 2025 بمتوسط 2.6 مليون اختراق سيبراني في اليوم ضد البنية الأساسية التايوانية بحسب تقرير حكومي حديث من تايوان.
ولو أراد الرئيس الصيني شي جينبنغ تصعيد الضغط على تايوان والإمعان في إضعافها دونما خوض حرب، فبوسعه فرض حجر بحري. فعلى سبيل المثال قد يطالب السفن بالتوقف في موانئ صينية من قبيل شيامن أو شنغهاي لإجراء «تفتيش جمركي» بسيط قبل توجهها إلى تايوان، وقد يطالب بـ «فحوصات بيئية» لحاويات النفط المتجهة إلى تايوان. وقد يلتف على بلاد العالم قائلا: إننا نوافق على أن هناك صينا واحدة، فكيف تعترضون أنتم على قيام الحكومة الصينية بتفتيشات جمركية وأمنية على الشحنات المتجهة إلى جزء من الصين؟
وحتى إذا لم ينصع بعض السفن للحجر فقد ترفع الخطوة التأمين وتكلفة الشحن وتقوض الاقتصاد الصيني.
وقد تكون الخطوة التالية للحجر هي الحصار، وبخاصة منع النفط والغاز، ومن شأن ذلك أن يفضي على الأرجح إلى حرب شاملة. والاقتصاد التايواني يعتمد على استيراد المنتجات النفطية، ولا يتوفر لديه من الغاز الطبيعي إلا ما يكفي لأسبوعين أو ثلاثة. فقد يعتمد مستقبل تايوان حينئذ على ما إذا كان الرئيس ترامب عازما على أمر البحرية الأمريكية بمرافقة السفن إلى تايوان لكسر الحصار.
والرؤية الأكثر شيوعا بين أكثر من أحترمهم من مراقبي الشئون الصينية هي أن الحرب مستبعدة خلال العقد القادم. لكنهم قد يكونون مخطئين. فتقرير أخطار مضيق تايوان الاستشاري يتنبأ بفرصة 30% لوقوع غزو صيني خلال السنوات الخمس القادمة، واحتمالية 60% لحصار جوي وبحري للجزيرة.
ستكون الحرب ذات تكلفة استراتيجية باهظة، والأرجح أن الولايات المتحدة سوف تتورط فيها. وقد نشر صندوق مارشال الألماني دراسة هذا الشهر تذهب إلى أن الخسائر الواردة لحرب تقليدية بسيطة تدوم بضعة أشهر (وتخسرها الصين) سوف تودي بحياة مائة ألف تايواني، ومائة ألف صيني، وستة آلاف أمريكي.
إذا نجحت الصين في استيعاب تايوان، سواء من خلال الحرب أم السلم عبر ضغوط المنطقة الرمادية وتكتيكات التوسع التدريجي، ستكون النتيجة هي انهيار سلسلة الجزر الأولى التي تحد قدرة الصين على استعراض القوة في المحيط الهادئ. وقد تستحوذ الصين أيضا على مصانع الرقائق شديدة التقدم التابعة لشركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات، بشروط استراتيجية، وهي أهم شركة في العالم في هذا المجال. وإذا عطلت الحرب تلك المصانع فسوف تكون النتيجة «ركودا اقتصاديا عالميا» حسب ما خلص إليه مجلس العلاقات الخارجية في تقرير سنة 2023.
ومن هنا ضرورة الردع، وإن لدى الولايات المتحدة وتايوان وحلفائها، من قبيل اليابان والفلبين، فرصة معقولة لردع أي عمل عسكري صيني خطير إذا ما تعاونوا.
لكن هناك لغز تايوان الأساسي؛ ففي حين أن العالم بأسره قلق من خطر الحرب في المضيق، لا يبدو أن كثيرا من التايوانيين خائفون. فخلال المناورات العسكرية الصينية الأخيرة المحيطة بتايوان على سبيل المثال ارتفع مؤشر الأوراق المالية في تايوان.
يقر كثير من التايوانيين بالأخطار، لكنهم لا يرون أي جدوى من محاولة مقاومة الصين، فهو في رأيهم جهد لا أمل فيه. وحينما سألت صديقة تايوانية قديمة، وهي صحفية أيضا، عما يجب أن تفعله الجزيرة إن هوجمت من الصين، قالت بلا تردد «الاستسلام».
وقال صديق قديم آخر، وهو رجل أعمال: إنه يتوقع أن تكون تايوان في غضون عشر سنين تحت سيطرة الصين، سواء بحرب أو بقبول طوعي من تايوان لوعد استقلال ذاتي تحت حكم الصين. (ويشير المشككون إلى ما شهدته هونج كونج فيرون ذلك سذاجة ما بعدها سذاجة).
وإنني أحب تايوان، وقد عشت فيها زمنا في ثمانينيات القرن الماضي؛ لدراسة اللغة الصينية، وكان لافتا أن أرى بلدا ديمقراطيا ثريا سليما أقامه الشعب منذ ذلك الحين، ويجمع على كل شيء فيه، لكنه لا يجمع على طريقة الحفاظ عليه.
فالسياسات في تايوان مسمومة بخصومات مريرة، سواء داخل كل حزب أو في ما بين الأحزاب. والخلاصة هي أنه بالمقارنة مع أماكن أخرى تواجه أخطارا وجودية من قبيل إستونيا وإسرائيل، وبولندا وكوريا الجنوبية، تبدو تايوان الأقل استعدادا.
ولو أن الأوكرانيين هم نموذج الإرادة السياسية لمقاومة معتد ذي بأس، فتايوان أقرب إلى النقيض؛ إذ يبدو كثير من الناس فيها غير مستعدين لتقديم تضحيات كبيرة للحفاظ على استقلال الجزيرة وحريتها.
يبدو أن الرئيس وليم لاي ـ الذي تزدريه الصين ـ يقدر المخاطر، ويحاول زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز الجاهزية العسكرية، لكن ليس واضحا ما لو أن الشعب التايواني يريد قيادة تمضي به في هذا الاتجاه، وقد لا يقر المجلس التشريعي لديه مقترحه بالميزانية العسكرية التكميلية.
كل هذا يثير سؤالا أساسيا: لماذا يجدر بالأمريكيين أن يخاطروا بأنفسهم، وينفقوا مليارات الدولارات دفاعا عن التايوانيين غير الراغبين بوضوح في تقديم تضحيات كبيرة؟ سألت مسئولين تايوانيين عن ذلك.
أقر تشين مينج-تشي نائب وزير الخارجية بأن «الدفاع عن تايوان مسئوليتنا نحن. علينا أن نقول لشبابنا إن الدفاع عن حياتكم الديمقراطية واجب عليهم».
ولقد صاغها جوزيف وو أمين عام مجلس الأمن الوطني على النحو التالي: «ليس بوسعنا أن نطلب من بلاد أخرى المساعدة لتايوان إذا لم تساعد تايوان نفسها».
في الوقت نفسه رفض جوزيف وو، وتشين، ومسؤولون آخرون القول بتراخي الجزيرة في الدفاع عن نفسها فقال وو: «إن قدرتنا القتالية شهدت تحسنا كبيرا».
وأشار مسؤولون إلى أن لاي يحاول زيادة الإنفاق العسكري بحيث يتجاوز 3% من إجمالي الناتج القومي هذا العام و5% في عام 2030. كما زادت تايوان الخدمة العسكرية الإلزامية من بؤس الأشهر الأربعة إلى عام (للرجال).
وهذا كله إيجابي، لكنه لا يقترب حتى من حد الكفاية.
ففي ضوء حجم المخاطر لا بد أن يكون ردع الصين من أعلى أولويات السياسة الخارجية الأمريكية مع عدم استفزاز الصين. والردع يعني العمل مع تايوان واليابان وبلاد أخرى لتحقيق جبهة مشتركة لا في مواجهة الغزو وحده وإنما في مواجهة ضغوط المنطقة الرمادية. وإن فشل الردع واندلعت الحرب فعليا فلا جدال في أن الانتصار فيها خير من الخسارة، ولكن في هذه الحالة قد يصدق قول الرئيس جون كينيدي عن «ثمار النصر التي ستكون في حلوقنا أمرَّ من الرماد».
نيكولاس كريستوف من كتاب الرأي في ذي نيويورك تايمز منذ 2001.