مآزق تغيير الأنظمة
الاحد / 28 / رجب / 1447 هـ - 18:39 - الاحد 18 يناير 2026 18:39
ريتشارد هاس
على مدى ما لا يقل عن عقد من الزمن، استقرّت الحكمة الشائعة على أن المحاولات الأمريكية المباشرة لتغيير الأنظمة انتهت إلى كوارث. ولسبب وجيه. ففي أفغانستان، عاد طالبان نفسه ـ الذي أُزيح عن السلطة عام 2001 ـ إلى الحكم في عام 2021، بعد عقدين من الجهود الأمريكية العقيمة. وفي العراق، نجحت القوات الأمريكية في إنهاء نظام صدام حسين بصورة نهائية، لكن النتيجة لم تكن بأي حال متناسبة مع الكُلفة البشرية والاقتصادية والاستراتيجية والسياسية. ثم جاءت ليبيا، حيث انتهى تدخلٌ قادته الولايات المتحدة داخل إطار 'الناتو' ـ وكان هدفه منع معمر القذافي من تنفيذ مجزرة قد تكون وقعت وقد لا تكون ـ إلى قتله وانهيار نظامه. لكن لم يتبع ذلك أيّ مسار منظم، فكان أن أفضى زوال النظام إلى فوضى وإلى ما يمكن وصفه بأدق عبارة: دولة فاشلة.
وهذا السجل القاتم في السنوات الأخيرة يضفي صفة مفاجئة ـ بل تكاد تُدوّخ ـ على عودة الحديث فجأة عن 'تغيير الأنظمة'. أما التاريخ الأطول لسياسات وعمليات الولايات المتحدة في هذا الباب فيلقي ضوءا أوفر على الوعود والمخاطر التي تنطوي عليها. وفي الوقت نفسه يقدّم بعض الدروس. ما يبدو واضحا هو أن الدعوة إلى تغيير النظام أسهل بكثير من تحقيقه. وأن غياب خطة لما بعد إطاحة النظام هو دعوة صريحة إلى كارثة. وأخيرا ـ وربما الأهم ـ على واشنطن أن تميّز بين 'تغيير النظام' بوصفه ظاهرة تفرض ردّ فعل، و'تغيير النظام' بوصفه سياسة متعمّدة تستهدف إنتاج نتيجة بعينها.
من المهم أيضا الإقرار بأن مرور الزمن، وخلل الذاكرة، والسياسة الداخلية قد تتواطأ جميعا على طمس حقيقة المحاولات السابقة لتغيير الأنظمة. فبينما تدرس إدارة ترامب عددا من الخيارات بشأن فنزويلا بعد الاستيلاء على حاكمها نيكولاس مادورو، يشير كثير من المراقبين إلى العملية الأمريكية عام 1989 لانتزاع ديكتاتور آخر من أميركا اللاتينية وإطاحته ـ مانويل نورييغا في بنما ـ بوصفها مثالا على إمكانية نجاح مثل هذه السياسة. لكن الواقع أن العمليتين كانتا مختلفتين اختلافا جوهريا. وفوق ذلك، كانت عملية بنما أشد خطورة وأعلى كلفة مما يبدو أن كثيرين يدركون. (في ذلك الوقت، كنتُ أخدم في مجلس الأمن القومي ضمن إدارة جورج بوش الأب). وكان إدراك هذه المخاطر والتكاليف على نحو كامل أحد الأسباب التي دفعت الإدارة إلى عدم السعي لتغيير النظام بعد هزيمة العراق في حرب الخليج بعد ذلك بعامين ـ قرارٌ ثبتت وجاهته، ولو جزئيًا، على ضوء ما تكشّف لاحقًا عندما اتخذ جورج بوش الابن الخيار المعاكس بوصفه رئيسًا عام 2003.
سيأتي التغيير
يمكن لتغيير النظام أن يتخذ أشكالا متعددة. وقد تدفع إليه قوى داخلية أو خارجية أو الاثنتان معًا. وحين يُفرض تغيير النظام من الخارج، فإنه غالبًا ما يقترن ببناء الدولة: جهدٌ مُركّز لفرض بديلٍ مفضّل. ولعلّ أنجح نماذج هذا النهج وقعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما قررت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع حلفائها، السعي إلى إصلاح جذري في منظومة الحكم واتجاهات كل من ألمانيا واليابان. كان الهدف ضمان ألا يعود أيٌّ منهما لتهديد منطقته والعالم. ثم جاءت الحرب الباردة الآخذة في التشكل لتضيف هدفًا آخر: تحويلهما سياسيًا واقتصاديًا (ومع مرور الوقت، عسكريًا) بحيث تتمكّنان من الإسهام بصورة ذات معنى في مواجهة التحدي الذي كان يطرحه الاتحاد السوفيتي.
كانت هذه الجهود نجاحات لافتة. فقد أصبحت اليابان وألمانيا ديمقراطيتين راسختين وقوتين اقتصاديتين هائلتين مندمجتين داخل منظومة التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت، سُمح لهما أيضًا ـ بل وشُجِّعتا ـ على بناء جيوش حديثة. وساعد على ذلك أن البلدين كانا إلى حدٍّ كبير مجتمعين متجانسين، وكيانين منظّمين، وقد مُنيا بهزيمة حاسمة. ومع ذلك، فإن تحوّلهما الناجح تطلّب احتلالا عسكريا أمريكيا طويل الأمد، وانخراطا واشنطنيا شديد القرب في إعادة بناء نظاميهما السياسيين.
وفي الحقبة نفسها تقريبا، رفضت الولايات المتحدة الدعوات إلى تغيير النظام في الاتحاد السوفيتي. فقد رأت إداراتٌ متعاقبة أن هذا المقترح ـ الذي أطلق عليه أنصاره اسم 'الاسترجاع' (rollback)، وكانوا يريدون استبدال النظام الشيوعي بشيءٍ ديمقراطي ورأسمالي ـ محفوفٌ بمخاطر تفوق ما يمكن تحمّله في العصر النووي. وبدلا من ذلك، استقرّت واشنطن على سياسة أكثر حذرا، وصفها مهندسها الرئيسي، الدبلوماسي جورج كينان، بأنها 'احتواء طويل الأمد، صبور لكنه حازم ويقظ، للنزعات التوسعية الروسية'. وكان هدف السياسة الخارجية الأمريكية هو تشكيل سياسة موسكو الخارجية، لا تحويل الاتحاد السوفيتي ذاته.
وقد نجح الاحتواء نجاحا واضحا طوال العقود الأربعة للحرب الباردة. جرى كبح امتداد الاتحاد السوفيتي. بل إن الاحتواء تجاوز التوقعات، إذ مهّد الطريق ـ عمليا ـ لتغيير النظام في الاتحاد السوفيتي. وبمعنى ما، تحقق 'الاسترجاع'، لكن أقل عبر جهود غربية مباشرة، وأكثر عبر جهود غير مباشرة، منها تضامن 'الناتو' ومثال التفوق الاقتصادي والعسكري الأمريكي. غير أن العامل الأهم كان داخليا: فقد أفضى تغيير النظام إلى قوى نشأت من داخل الاتحاد السوفيتي نفسه، وعلى رأسها صعود النزعة القومية وسياسات ميخائيل غورباتشوف؛ إذ إن تسريعه للإصلاح السياسي، ورفضه استخدام القوة لسحق المعارضة في الداخل أو في ما كان يُسمّى بالدول التابعة، عجّل بنهاية 'التجربة' السوفيتية في الشيوعية التي امتدت سبعين عاما.
وكانت هناك محاولات أخرى كثيرة لتغيير الأنظمة خلال الحرب الباردة، نفّذ كثيرا منها جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية. ولعلّ الأشهر (أو الأسوأ سمعة) بينها كانت المحاولة سيئة الفكرة وسوء التنفيذ في 'خليج الخنازير' للإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا عام 1961. وكانت تلك درسا مبكرا ومهينا مفاده أن محاولات استدعاء تغيير النظام قد تفشل فشلا مدويا ـ خصوصا إذا كان الهدف مصمّما ومتماسكا ومتجذرا في مكانه.
تشابه بنما؟
تنال محاولة لاحقة لتغيير النظام في أميركا اللاتينية ـ وهي التدخل الأميركي في بنما عام 1989 ـ قدرا كبيرا من الاهتمام في الآونة الأخيرة، جزئيا بسبب ما يُنظر إليه من أوجه شبه بينها وبين الأحداث الأخيرة في فنزويلا. آنذاك، تحركت إدارة جورج بوش الأب لإطاحة (ثم اعتقال) نورييغا، الرجل القوي الذي كان يحكم بنما. وكان نورييغا، مثل مادورو، متورطا في تهريب المخدرات، وقد ألغى نتيجة انتخابات هُزم فيها. لكن في حالة بنما، كان بوش يرد أيضًا على مقتل أحد العسكريين الأميركيين هناك، وعلى مخاوف من أن يعرض نورييغا أفرادا أميركيين آخرين وقناة بنما للخطر ـ وهي مخاوف تضاعفت بعد إعلان الجمعية الوطنية في بنما 'حالة حرب'.
وبعد أن أصبح نورييغا في قبضة الولايات المتحدة، نجحت واشنطن في تنصيب الفائز في الانتخابات التي أُلغيت، غييرمو إندارا. لكن من المهم تذكّر أنه بحلول تلك اللحظة كانت الولايات المتحدة قد نشرت على الأرض أكثر من 25 ألف جندي، وكانت لها في بنما حضور دبلوماسي وتجاري قوي، كما كان لها ـ بفضل القناة التي شيدتها ـ دور راسخ وطويل الأمد، ومقبول على نطاق واسع داخل البلد. ومن الجدير أخذه في الاعتبار أيضا أن بنما تقل مساحتها عن عُشر مساحة فنزويلا، وأن عدد سكانها كان أقل من عُشر عدد سكان فنزويلا الحالي. وكانت القوات المسلحة البنمية ضعيفة وقليلة العدد، وتضم داخلها العديد من الفصائل المناهضة لنورييغا.
ومع ذلك، لم يثبت تغيير النظام في بنما أنه بلا كلفة أو سهل المنال. فقد سقط مئات الضحايا في صفوف الأميركيين، بينهم 23 عسكريًا قُتلوا. كما أن الصعوبات التي واجهت عملية القبض على نورييغا وإنهاء العملية على نحو سليم بدت محبِطة ومحرجة. وكشف ذلك كله أيضًا عن التحديات العسكرية للعمل عميقا داخل بلد آخر ـ حتى لو كان بلدا مألوفا نسبيا، ووديا إلى حد ما، وصغيرا مثل بنما.
كل ذلك جعل إدارة بوش أكثر تحفّظا تجاه مثل هذه المشاريع. وكان كولن باول، رئيس هيئة الأركان المشتركة، يذكّر زملاءه على الدوام بأن تغيير الأنظمة ليس مهمة عسكرية. يمكن تكليف القوات المسلحة بتدمير أهداف، وربما بالقبض على قائد أجنبي أو قتله، لكنها لا تصلح ـ ولا يمكن التعويل عليها ـ لاستبدال نظام سياسي قائم بآخر أقرب إلى ما تريده واشنطن. فهذا يتطلب توظيف جميع أدوات القوة الأميركية، ويتوقف إلى حد كبير على طبيعة البلد المستهدف وعلى قوة البدائل المتاحة للنظام. وفوق ذلك، فإن مطالبة الجيش بالعمل بعيدا عن ساحات القتال وبالقرب من السكان في مناطق مبنية ومكتظة تعني خسائر بشرية مرتفعة ونتائج غير مضمونة. وقد كان هذا الحذر، بدرجة غير قليلة، أحد الأسباب التي دفعت بوش إلى الامتناع عن الزحف إلى بغداد عام 1991 مع انحسار المرحلة القتالية من حرب الخليج.
معركة تلو أخرى
لكن هذا الحذر تلاشى بمرور الوقت. فبعد هجمات 11 سبتمبر، تعاونت وكالة الاستخبارات المركزية والقوات المسلحة الأميركية مع مقاتلين من القبائل الأفغانية لإطاحة حكومة طالبان، عقب رفضها تسليم قادة القاعدة المسؤولين عن الاعتداء الإرهابي. ثم لعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا في 'تركيب' حكومة خلف، وإعادة بناء البلد، وبناء جيش، وتعليم الفتيات والنساء، وغير ذلك. كانت تلك حالة نموذجية لما يُسمّى ببناء الدولة.
غير أن ما واجه هذا المسعى كان عودة طالبان، إضافة إلى الفساد والانقسامات التي طبعت حكومة أفغانستان ومجتمعها. وبعد عشرين عاما، وأكثر من ألفي قتيل أميركي، ونحو عشرين ألف مصاب في صفوف الولايات المتحدة، وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات، غيّرت الولايات المتحدة اتجاهها لأنها لم تستطع هزيمة طالبان، ولم تستطع التوصل إلى سلام قابل للتثبيت. وقد وقّعت الإدارة الأولى لترامب اتفاقا يفضي عمليا إلى إعادة البلاد إلى طالبان، ثم نفّذته إدارة بايدن. وبعد عقدين من إزاحتهم عن كابول، نجحت طالبان في إنجاز 'تغيير نظام' على طريقتها.
يمثل العراق مثالا مؤلما آخر على كيف يمكن لتغيير النظام أن ينقلب على أصحابه. فقد وقعت إدارة جورج دبليو بوش في قدر كبير من التفاؤل بشأن إمكان انتقال سلمي إلى الديمقراطية داخل مجتمع شديد الانقسام حكمه زمنا طويلا قائد شديد القسوة. كما قلّلت من تقدير سرعة تحوّل 'المحرِّرين' الذين يُستقبلون بالترحيب إلى 'محتلّين' غير مرغوب فيهم. ثم إنها ارتكبت ببساطة أخطاء كثيرة. إذ خلقت فراغا في السلطة بحلّ الجيش العراقي، وبمنع عدد كبير جدا من إداريّي النظام السابق وموظفيه من العمل مع الحكومة الخلف. وكما في أفغانستان، تبيّن أن بناء الدولة مكلف في الأرواح وفي الأموال. (ومع ذلك، يجدر التنبيه إلى أنه ـ على خلاف أفغانستان ـ يوجد ما يمكن للولايات المتحدة أن تُظهره نتيجة هذا الجهد: فالعراق اليوم بلد يعمل، وله سمات ديمقراطية يمكن تمييزها).
وفي عام 2011، قدّم التدخل في ليبيا نموذجا 'مدرسيا' لدرس مختلف: لا تتخذ خطوات قد تُسقط نظاما دون خطة لما سيأتي بعده. فإذا كانت إدارة جورج دبليو بوش قد أفرطت في العراق، فإن إدارة أوباما أفرطت في التقصير في ليبيا بعد الإطاحة بالقذافي. واليوم، تبدو ليبيا دولة شبه فاشلة. فـتغيير النظام قد يجعل وضعا سيئا أسوأ ـ أو يجعله سيئا فقط على نحو مختلف.
نلتقي بالنظام الجديد.. هو نفسه النظام القديم
بعد تلك الكوارث، بدا افتراضا آمنا أن واشنطن ستبتعد عن تغيير الأنظمة لزمن طويل. لكن اليوم أعادت تطورات تتكشف في ثلاثة أماكن هذا الخيار إلى الطاولة: فنزويلا، وغزة، وإيران. وقد تتحول كوبا إلى رابعها.
تنال فنزويلا النصيب الأكبر من الاهتمام، وهو أمر يبعث على المفارقة، لأن ما تسعى إليه إدارة ترامب هناك ليس ـ على نحو واضح ـ مثالا على تغيير النظام، على الأقل حتى الآن. بل إن إدارة ترامب تبدو كأنها تسلك مسارا هو في كثير من الوجوه النقيض القطبي لما فعلته إدارة جورج دبليو بوش في العراق. فلا نشرَ لقوات أمريكية، ولا حل للقوات المسلحة، ولا فصل جماعي لمن يعملون مع الحكومة. كما يغيب أي مسعى للقيام بما فعلته إدارة جورج بوش الأب في بنما: تنصيب الحكومة المنتخبة شرعيا في السلطة. فتعزيز الديمقراطية لا يميل إلى أن يكون أولوية لدى إدارة ترامب، وإن كانت قد حسبت أيضا ـ ليس بلا وجاهة ـ أن أي محاولة من هذا النوع الآن في فنزويلا قد تشعل صراعا أهليا واسع النطاق.
ما حدث في فنزويلا هو تغيير في القيادة (استُبدل مادورو بنائبته دِلسي رودريغيز)، مع دفع باتجاه ضمان وصول الشركات الأمريكية إلى نفطها، والسماح للحكومة الأمريكية بالإشراف على بيع ذلك النفط. كما تمارس إدارة ترامب ضغطا على فنزويلا كي تفك ارتباطها تدريجيا بعلاقاتها الوثيقة مع الصين وكوبا وإيران وروسيا.
كان ترامب متقلبا في وصف أهدافه في فنزويلا؛ ففي بعض اللحظات تحدث كما لو أن تغيير النظام هو الغاية. وقال يوم أُلقي القبض على مادورو: «سنُديرها، عمليا، إلى أن يحدث انتقال مناسب». لكن الولايات المتحدة لا تفتقر فقط إلى الوسائل التي تمكّنها من 'إدارة' فنزويلا؛ إنها تفتقر أيضا إلى الرغبة. فترامب يحمل نفورا راسخا من تغيير الأنظمة ومن بناء الدول؛ بل إن السخط الشعبي تجاه تجربتي أفغانستان والعراق أسهم جزئيا في صعوده السياسي.
ومع ذلك، يبقى غير واضح ما الذي قد يحدث إذا لم تتحقق التحولات السياسية التي تُراد، بفعل عودة النزعة القومية أو بسبب صراعات داخلية ـ سواء بين أجنحة النظام نفسها، أو بين النظام والمعارضة. كان ترامب قد هدّد في البداية بموجة ثانية من الهجمات، لكنه سيجد نفسه أمام معضلة: كيف يحصل على مكاسب تغيير النظام من دون المخاطر والتكاليف الملازمة له. وسيكون المسار الأَرْجَح حكمة هو ربط كل أشكال المساعدة الأمريكية لحكومة فنزويلا بإدخال التغييرات السياسية المطلوبة، بما في ذلك إدماج المعارضة في العملية السياسية.
مزيدٌ من أحجار الدومينو؟
غزة مكان آخر برزت فيه سياسة تُشبه 'تغيير النظام'، حتى لو لم تُسمَّ عادة بهذا الاسم. فالهدف المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة هو وضع حد لهيمنة حماس على غزة. وخلال ما يزيد على عامين منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، استخدمت إسرائيل قدرا كبيرا من القوة العسكرية لتحقيق ذلك، بدعم ومساندة من واشنطن. كما احتلت إسرائيل أجزاء واسعة من غزة.
ونتيجة لذلك، أصبحت حماس أضعف عسكريا بكثير. لكنها لا تزال أقوى من أي قوة عسكرية أو سياسية منافسة أخرى. وبعبارة أخرى، سعت إسرائيل إلى استراتيجية أحادية البعد قوامها مهاجمة حماس واشتراط نزع سلاحها قبل أن تتقدم السياسة. وقد رفضت إدخال كيان سياسي بديل في غزة يمكن لسكان الإقليم أن يلتفّوا حوله. بل على العكس، أعاقت إسرائيل تولّي السلطة الفلسطينية دورا ذا معنى خشية أن يمنح ذلك زخما للقومية الفلسطينية. كما أخفقت إسرائيل في طرح أي شيء جوهري على هيئة مبادرة سياسية تُحفز الفلسطينيين المستعدين للعيش بسلام مع دولة يهودية. في هذه الحالة، تفشل عملية إزاحة 'النظام' جزئيا لأن بناء الدولة لم يُطرح أصلا. ومن غير المرجح أن يتحقق تغيير النظام في مثل هذه الظروف. وسيكون من الحكمة لإدارة ترامب أن تعيد التفكير في دعمها شبه الكامل لنهج إسرائيل.
إيران حالة لافتة. فالنظام السياسي القائم جاء إلى السلطة عام 1979 عبر تغيير للنظام، حين استُبدلت السلطوية العلمانية للشاه بقيادة سياسية-دينية. وكانت الدينامية داخلية: إذ تعاظمت قوة الموالين (أو المتحالفين) مع آية الله روح الله الخميني إلى أن لم تعد قوات أمن الدولة مستعدة لتعريض نفسها للخطر لإنقاذ نظام الشاه. أما إدارة كارتر، فقد سعت من جهتها إلى منع تغيير النظام، لكنها كانت مترددة وغير متسقة، وانتهى بها الأمر إلى العجز عن التأثير.
وبعد نحو نصف قرن، بات النظام الإسلامي هو الذي يواجه ضغطا من القاعدة، إذ اندلعت احتجاجات في أنحاء البلاد، في الغالب نتيجة أزمة اقتصادية متفاقمة فاقمتها عقوبات تقودها الولايات المتحدة. ويردّ النظام بإصلاحات شكلية وبقمع يتزايد قسوة. وقد صرّح ترامب بأنه إذا قام النظام بـ«قتل محتجين سلميين بعنف، وهو ما اعتاد عليه»، فإن «الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لإنقاذهم. نحن في وضع الاستعداد الكامل وجاهزون للتحرك». لقد جرى تجاوز هذا 'الخط الأحمر'، لكن إدارة ترامب ـ حتى الآن ـ امتنعت عن تنفيذ تهديدها.
سيُقابَل تغيير النظام بالترحيب من أغلبية داخل إيران ومن كثير من جيرانها. ومن الممكن أن تزيد الهجمات التي تشنّها الولايات المتحدة على أهداف مرتبطة بالنظام العسكري ـ الديني في إيران من فرص سقوطه، لكنها قد تُطلق أيضا ردّ فعل قوميا. وهناك كذلك خطر أن تزيد كلمات الولايات المتحدة وأفعالها من حدّة الصدامات داخل البلاد، بما يعرّض قوى المعارضة لمخاطر أكبر من دون أن تكون لدى واشنطن قدرة على حمايتهم حماية مباشرة. ومن شأن تقديم عون تقني يتيح للمعارضة استخدام الإنترنت رغم مساعي النظام لقطع الوصول أن يساعد.
ومع ذلك كله، ينبغي الإقرار بأنه بعيد عن الوضوح ما إذا كان تغيير النظام وشيكا أصلا، وما الذي سيأتي بعده إن حدث. وحتى في هذه الحال، سيكون من الحكمة أن تُعلن الولايات المتحدة سياسة تنطبق على أي حكومة إيرانية، وتخلق حوافز للتغيير المطلوب: أي إن واشنطن ستكون مستعدة لتخفيف العقوبات مقابل موافقة إيران على إنهاء برنامجها للأسلحة النووية، ووقف استخدامها لوكلاء عنيفين في أنحاء المنطقة، وإنهاء قمعها لمواطنيها ـ على أن يتحدد مقدار تخفيف العقوبات تبعا لمدى التغير في سلوك إيران.
الفعل أم ردّ الفعل
في الأشهر المقبلة، يتعيّن على واشنطن أن تُجري تمييزا حاسما بين ردّ الفعل على تغيير في النظام جار بالفعل، وبين سياسة السعي الاستباقي إلى تغيير النظام. في المرحلة المقبلة، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى التفاعل مع انهيار أنظمة يتولد من الداخل في إيران وكوبا، كما فعلت في إيران عام 1979 وفي الاتحاد السوفيتي عام 1991. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال: كيف يمكن استخدام أدوات السياسة الخارجية التقليدية على أفضل نحو للتأثير في المآل؟ والنهج الأفضل هو عرضُ مساعدات اقتصادية كبيرة إذا استوفيت شروط محددة، وإن كانت الولايات المتحدة ـ في حالة إيران ـ ينبغي أن تكون مستعدة أيضا لتقديم دعم للمعارضة وإضعاف الحكومة، بالنظر إلى ما تمثله إيران من تهديدات متعددة للمصالح الأمريكية.
أما تغيير النظام بوصفه سياسة مختارة، فهو أمر مختلف من حيث الجوهر. لا ينبغي اعتناقه إلا نادرا، وعندئذ فقط بعد الإجابة عن عدد من الأسئلة: هل هو ممكن؟ وهل واشنطن في موقع يسمح لها بدعمه في ظل أولويات أخرى؟ وهل يُحتمل أن تظهر بدائل سياسية مفضّلة وقابلة للحياة؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لانخراط طويل الأمد وبكلفة كبيرة عليها، وهل سيكون هذا الانخراط حاسما ومرحبا به من قِبل البلد المستهدف؟
نادرا ما ستكون الإجابة عن هذه الأسئلة بالإيجاب. ولهذا السبب، ينبغي لواشنطن أن تركّز أكثر على التفاعل مع التغيير التحولي داخل البلدان الأخرى ودعمه حين تلوح الفرصة، بدلا من السعي إلى صناعته. والخبر الجيد أن فرص دعم تغييرات بعيدة المدى في السياسات ـ أو حتى تغييرات في الأنظمة ـ قد تكون متاحة في أكثر من ساحة، إذا تصرفت الولايات المتحدة بمزيج من الانضباط والعزم.
•ريتشارد هاس دبلوماسي ومفكّر أمريكي في السياسة الخارجية، يشغل منصب الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
** خدمة تربيون عن مجلة فورين أفيرز
*** تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي