ثقافة

فيلم «جاي كيلي»: يوميات ممثل مشهور في تألقه وانطفائه

 

طاهر علوان 


تنشغل السينما طويلا عبر تاريخها بأفلام الشخصيات والسير الذاتية بوصفها نوعا متميزا لا يزال يجتذب إليه جمهورا عريضا، لا سيما تلك السير الذاتية التي تنطوي على قدر من الأسرار والحقائق المجهولة، فضلا عن أن هذا النوع ما يلبث أن يقترن بسؤال المصداقية، وفيما إذا كان الفيلم قد نقل الحقيقة كاملة أم أنه قام بتعديلها أو تحريفها، وحتى تزييفها.
لكن في موازاة ذلك، هنالك نوع من السير الذاتية الذي يبدو وكأنه منتمٍ إلى ذلك النوع الفيلمي بشكل مباشر، بينما هو يحاكي السيرة الذاتية في الشكل العام والمعالجة الفيلمية، وهو ما ينطبق على هذا الفيلم لكاتب السيناريو والمخرج نوا بومباتش، الذي يقدم لنا هنا فيلما مختلفا، يحاكي أفلام السير الذاتية ويتماهى مع بناها وطريقة معالجتها وأسلوبها الإخراجي، دون أن يكون فيلم سيرة ذاتية عن شخصية حقيقية، وتلك هي المفارقة.
ولعل السؤال الذي يطرحه هذا الفيلم يتعلق بحياة المشاهير، وخاصة الممثلين، وكيف هي؟ سواء في حياتهم الشخصية والخاصة، أو في علاقاتهم الاجتماعية والأسرية، أو صداقاتهم، أو كيف ينظرون للآخرين وكيف يتعاملون معهم، وقد تم إسقاط كل ذلك على شخصية جاي كيلي، الممثل ذائع الصيت -يؤدي الدور الممثل جورج كلوني- وكيف هي تفاصيل وخفايا حياته.
منذ المشاهد الأولى سوف نشعر أن هذا الرجل الذي أمامنا يعاني من أزمات ما على الصعيد الشخصي؛ إنه ببساطة يشعر بالقلق من أنه لا يملك شخصية حقيقية، بسبب تأثره الطويل بالشخصيات التي تقمصها، بل إن إحساسه يقوده إلى توهم العديد من الشخصيات التي تبلورت أمامه، ومصدرها شخصيات خيالية امتزج حضورها ببريق الشهرة.
إنه فيلم يخرج بنا بامتياز عن ما هو واقعي، بل إنه يستند إلى ما نعرفه عن النجم الذي يؤدي دوره جاي، ممثل فريد ومن القلائل الذين يمكنهم الحضور في المشهد نفسه مع استرجاع 'ثيمات' أفلام تعود بنا إلى زمن الممثلين النجوم من أمثال بول نيومان ومارسيلو ماستروياني وغيرهما.
وفي هذا الصدد يقول الناقد برايان تاليريكو في موقع روجر إيبرت: «من مميزات هذا الفيلم أنه يقدم قصة طريفة عن رجل يستعد لخوض غمار الحياة الواقعية لأول مرة منذ سنوات؛ هو ممثل غارق في الشهرة وبعيد عن تعقيدات الواقع، ولهذا يبدو أن السيناريو قد رسم من أجله بشكل مثالي. وخلال ذلك سيكون وحيدا، مع أن 'وحدة المشاهير' تختلف عن وحدتنا، وذلك ما يظهر في سلسلة مشاهد متكررة؛ إنه فيلم يكشف في جانب منه خواء الحياة الاجتماعية لبعض المشاهير».
أما الناقد ماكس ويس فيكتب في موقع بالتيمور قائلا: «كثيرة هي الأفلام التي تتناول هوليوود، وهذا الفيلم هو أحدها، ولكنه في حد ذاته أحدث أفلام التأمل الذاتي، ونوع من الأزمة الوجودية، تلك التي يمر بها النجم، البالغ من العمر 60 عاما، بعد تصوير فيلمه الأخير، وهو يجسد كيف أصبحت حياته فارغة بلا عائلة متماسكة ولا أصدقاء حقيقيين. لكن مع ذلك هنالك ما يشبه العالم البديل الذي يحيط بالنجم، ممثلا في الحاشية التي تحيط به دائما، والتي تضم مدير أعماله، ومنسقة الأزياء، وحارسا شخصيا، ومسؤولة علاقات عامة، وغيرهم من المتطفلين، ولكنه مع ذلك يشعر بوحدة شديدة، وتلك هي الأزمة الحقيقية التي أخذت مساحة واسعة من هذا الفيلم».
ننتقل بعد ذلك إلى الأسلوب الإخراجي والبناء السردي، إذ إن من الملاحظ أن واحدة من الركائز التي تم الاستناد عليها هي مشاهد الاستذكار والعودة إلى محطات مختلفة من حياة الشخصية، ومنها مثلا ذلك الانكشاف فيما يتعلق بمفهوم الصداقة، وقد تجلى ذلك عندما التقى جاي بزميله القديم من أيام مدرسة التمثيل؛ بدا مشهد الاسترجاع طريفا، لكنه سرعان ما تحول إلى نوع من الشراسة والعدوانية؛ حيث إن ذلك الصديق كان يكن لجاي كرها شديدا ويلومه على سرقة حياته.
وفي مشاهد حوارية مع ابنته ديزي -تقوم بالدور الممثلة غريس إيدواردز- يتحقق أيضا ذلك المزيج من الاسترجاع القائم على المفارقة؛ حيث تبدو علاقة الأب بابنته حيادية تماما، وهي من فرط الجفاف العاطفي مع الأب لا تشعر بجدوى أن ينضم إلى حفلة تنظمها مع أصدقائها.
هذان مثالان يتعلقان بخطوط السرد التي ترتبط بجاي بشكل مباشر، وكلاهما يقومان على معالجة إخراجية تقوم على النقائض؛ فما تشاهده في الظاهر، وبكل ما فيه من إشراق وجاذبية، يخفي وراءه وجها آخر قد لا يكون بالصورة التي يبدو عليها في الظاهر.
على أننا، ونحن نراقب التصدعات التي تنطوي عليها الحياة الاجتماعية لذلك النجم، نتفهم تحوّله من تكريس جهده لحياته الفنية ومتطلبات الشهرة، إلى محاولة إنقاذ علاقته العائلية مع ابنتيه، ليكتشف مثلا أن مشاعر الحنين الدافئة لا تعني بالضرورة أن كل شيء على ما يرام؛ هنالك مشاعر كراهية تصدم جاي، وهنالك مشاعر جامدة من طرف الابنة الكبرى جيسيكا، رغم أن علاقته التي حاول ترميمها مع ابنتيه كانت أمله الأخير في التكفير عن ذنبه. لذا يقرر البحث عنهما في أوروبا، متخذا جائزة الإنجاز مدى الحياة التي سيحصل عليها من مهرجان توسكان السينمائي ذريعة لذلك.
ثم ننتقل إلى مفارقة أخرى تكشف وجها آخر للنجم المشهور، وذلك عندما يركب القطار المتجه من باريس إلى روما، وهو مليء بشخصيات شديدة التنوع، بل مذهلة حقا بالنسبة له، وهو في ذلك يكتشف وجود مجتمع آخر غاب عنه ولا يعلم عنه شيئا، ولهذا يدعو جميع ركاب عربة القطار لحضور حفل تكريمه، وإذا به يتفاعل معهم بمرح طفولي، وكأنه يكتشف ذلك المجتمع الغريب للمرة الأولى.
من جانب آخر، بدا الفيلم وكأنه أقرب إلى لغة الفيلم الوثائقي في تتبعه حياة شخصية النجم؛ يوميات عادية تماما، وظروف عمل وكواليس وأجواء تصوير، ومفردات من الروتين اليومي، تحتشد كلها لتكون ذلك الإطار الذي يتحرك من خلاله النجم وهو في قمة تألقه، ثم وهو في صدمته الاجتماعية وتعرضه إلى لكمة أسفل العين من طرف ذلك الصديق القديم.
ربما بدت المشاهد مصاغة بطريقة تعكس شخصية النجم، سطحيته وانشغاله بيوميات عمله، لكنها مع تواليها خلفت انطباعا أن هنالك كثيرا من الأسئلة والجدل المحير الذي يتعلق بجوهر وصميم حياة الشخصية، دون أن يكون لها من صدى أو رد على أسئلة تتعلق بالذات والآخرين، وماذا بعد الشهرة وقد تعدى النجم خريف العمر.
...
سيناريو وإخراج/ نوا بومباتش
تمثيل/ جورج كلوني في دور جاي كيلي، آدم ساندلر في دور رون، سكلاتير جاي، ريلي كوه ابنة جاي (جيسيكا)، غريس إيدواردز في دور الابنة الصغرى لجاي (ديزي).
مدير التصوير/ لينوس ساندغرين
الموسيقى/ نيكولاس بريتيل
المونتاج/ فوليرو بونديلي