الحرف التقليدية العُمانية بين التمكين الاقتصادي والحفاظ على الهوية
الاحد / 28 / رجب / 1447 هـ - 15:19 - الاحد 18 يناير 2026 15:19
العُمانية: تمثل الحرف التقليدية العُمانية ركيزة ثقافية واقتصادية ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، لما تحمله من قيم معرفية واجتماعية متوارثة، تجسد عمق الإرث الثقافي في الهوية الوطنية، وتعكس إبداعات الحرفيين المستمدة من هوية المكان وخصوصيته الثقافية.
وتشمل هذه الحرف مجموعة متنوعة من الصناعات التقليدية، من بينها: صناعة الفضيات والسعفيات والفخار والخزف والنسيج، وهذه الحرف من الناحية الثقافية لا تشكل قيمة مادية فحسب، بل تعكس تفاعل الإنسان العُماني مع بيئته وقدرته على تحويل الموروث الثقافي إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مستدامة.
صون الحرف التقليدية
وفي إطار الحفاظ على المرجعيات التراثية الأصيلة وتشجيع الابتكار في المنتجات الحرفية، قال ناصر بن سيف الحاتمي خبير التراث الحرفي بوزارة التراث والسياحة: أن الوزارة ممثلة بدائرة التراث الحرفي تبذل جهودًا متواصلة لحفظ وصون الحرف التقليدية من خلال حصرها وتصنيفها، وتوثيق المهارات والمعارف المرتبطة بها من حيث: أساليب إنتاجها وأدواتها وموادها الخام والزخارف والرموز المتوارثة على أسطح المنتجات الحرفية القديمة.
وأشار إلى أن هذه الجهود تشمل كذلك تسجيل الروايات الشفوية والسياقات الثقافية المرتبطة بالحرف بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية للتراث الثقافي، وضمان استدامتها ونقلها للأجيال القادمة، إلى جانب فتح آفاق متنوعة أمام الحرفيين للتطوير والابتكار، وتمكينهم من تقديم أفكار إبداعية وتأسيس مؤسسات حرفية ريادية، فضلًا عن الاستفادة من العمق الثقافي للحرف العُمانية، وإيجاد فرص استثمارية واعدة في المحتوى المحلي.
البحث والتطوير الحرفي
وأضاف أن الوزارة تسعى إلى إعداد الدراسات والبحوث الحرفية بوصفها مدخلاً استراتيجياً للانتقال بالحرفة من نطاق الحفظ والصون إلى مجال التنمية المستدامة، وذلك من خلال دراسات حرفية متخصصة تركز على المواد الأولية المحلية للصناعات الحرفية العُمانية، بالتعاون مع جهات أكاديمية والمؤسسات ذات العلاقة، بهدف الحفاظ على أصالتها وجودتها وتعزيز قابليتها للتطوير المعاصر وإيجاد فرص استثمارية وبلورة مواصفات ومقاييس تعزز القيمة المضافة للمنتج الحرفي.
وأشار إلى أن من أبرز هذه الدراسات دراسة القطن العُماني (الخنضرني) من حيث زراعته وغزله وإمكانات توظيفه في المنتجات النسيجية الحرفية، وقد خلصت نتائج الدراسة إلى وجود فرص استثمارية واعدة يجري العمل على تنفيذها مع الجهات المختصة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما أشار إلى دراسة الجلود العُمانية والاستفادة منها عبر تفعيل المسالخ وتهيئة الجلود الطبيعية للحرفيين العُمانيين بما يعزز القيمة التنافسية للمنتج الحرفي، حيث تم الانتهاء من إعداد المشروع بالتعاون مع بيت خبرة متخصص ويجري العمل حاليًا على مرحلته التنفيذية.
مصدر دخل مستدام
وأكد أن القيمة المضافة لهذه المشاريع تراعي العامل الاقتصادي بوصفه أساس الاستدامة في أي نشاط صناعي أو تجاري، وهو ما تتمتع به الحرف العُمانية من قدرة على الاستمرارية والتوارث بين الأجيال، حيث تسهم هذه الدراسات في تعظيم عوائدها الاقتصادية من خلال تحديد الفرص الاستثمارية واستغلالها بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والخاصة.
ويرى الدكتور سعيد بن عبدالله العدوي مؤسس ومالك مركز الحرف اليدوية بولاية السيب، أن ممارسة صناعة الحرفة هو تجسيد حي يعبر عن ملامح الهوية الثقافية العُمانية، مشيرًا إلى أن المركز يعمل على إيجاد التوازن بين الحفاظ على الطابع التراثي للحرفة وبين تطويرها لتواكب متطلبات السوق الحديثة دون المساس بجوهرها الثقافي، وبما يخلق فضاءً واسعًا من محبي اقتناء القطع الفخارية والخزفية.
ويضيف أن صناعة الحرف التقليدية العُمانية ما زالت تمارس من قبل عدد كبير من الشباب العُمانيين في مختلف مناطق سلطنة عُمان، حيث وصلت عدد المؤسسات المرتبطة بمركز الحرف اليدوية أكثر من 32 مؤسسة، وتعمل على الاستفادة من مرافق المركز والدعم المعرفي واللوجستي في مجال صناعة الفخاريات والخزفيات، إضافة إلى سبل الارتقاء بطرائق التصنيع والتجويد والتسويق.
ويؤكد أن الحِرفة استطاعت اليوم أن تشكل مصدر دخل مستدام للحرفيين، مشيرًا إلى أن المؤسسات المرتبطة بالمركز تحقق نموًا سنويًا يتراوح بين 20 إلى 30 بالمائة نتيجة التوسع في الإنتاج والتسويق، وتمكنهم المستمر من إنتاج قطع مبتكرة ذات قيمة تنافسية قادرة على الاندماج في الأسواق المحلية والخارجية.
قيمة متجددة
من جانبه، قال فيصل بن علي العبري، صانع فخار: إن ممارسة الحرفة بالنسبة لي شغف يربط بين التجربة واستكشاف تحديات جديدة، ما دفعني إلى البحث عن أفكار مبتكرة لصناعة منتجات ذات قيمة متجددة تجمع بين الأصالة والحداثة باستخدام تقنيات حديثة في صناعة الفخار العُماني.
وأشار إلى أن الحرفة ساهمت في تمكينه مهنيًا منذ بدايات ممارسته لها، فيما أتاحت له اجتماعيًا التعرف على العديد من الحرفيين داخل سلطنة عُمان وخارجها، وفتحت له آفاقًا للتعاون مع عدد من الشركات والمؤسسات الحكومية والأفراد، لاسيما بعد توظيف الحرفة في المجال التدريبي.
وأوضح أن من أبرز طموحاته إنشاء أكاديمية تعنى بالتدريب الممنهج على الحرف بما يسهم في حفظ الهوية التراثية وتطويرها، ورفد السوق المحلي بمنتجات حرفية مستلهمة من روح التراث العُماني.
من جانبها، تقول مروة بنت علي الحسنية حرفيه في صناعة الفخار ومؤسسة 'تليد للفخار': إن الحرفة هي أكثر من مجرد عمل، فهي جزء أصيل من هويتنا الثقافية والتراثية، وتمنحني شعورًا بالإنجاز لما تتطلبه من إبداع وصبر وتعكس قصة طويلة من الخبرة والتجربة.
ووضحت أن الحرفة إلى حد ما قادرة على أن تكون مصدر دخل مستدام لكنها ترتبط بالعديد من العوامل، من بينها: جودة المنتج وتسويقها على منصات التواصل الاجتماعي والمشاركة المستمرة في المعارض. مبينه أن الإقبال على المنتج الحرفي في الفترات الماضية أصبح متزايدًا نتيجة الوعي بقيمة المنتجات اليدوية، خاصة من قبل الأشخاص الذين يبحثون عن أصالة المنتج الحرفي العُماني أو منتجات غير مكررة في السوق أو منتجات تحمل قصة خلف صناعتها.
رمز وطني متوارث
وأكدت أهمية الحفاظ على الحرف التقليدية العُمانية بوصفها رمزًا للتراث الوطني، ونقلها لمفهوم الإحساس بقيمة الصناعة اليدوية المتوارثة بين الأجداد، ومساهمتها في توفير فرص عمل بما يرفع قيمة المحتوى المحلي ويعزز مفهوم الاستدامة من خلال الاعتماد على العمل اليدوي والمواد الطبيعية.
ويعمل البيت الحرفي العُماني التابع لهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على دعم الحرفيين والمؤسسات العاملة في مجال صناعة الحِرف، وتعزيز حضور المنتجات الحرفية العُمانية وربطها بالاقتصاد الإبداعي والسياحي بأسلوب حديث ومستدام.
استراتيجيات تسويقية
وفي السياق ذاته، قالت مريم بنت يوسف الفارسية رئيسة قسم التجارة الإلكترونية والدولية في البيت الحرفي العُماني: يعتمد البيت الحرفي العُماني على استراتيجية تسويقية متكاملة تقوم على إبراز الهوية الوطنية للمنتجات الحرفية وتقديمها بطابع عصري يواكب متطلبات السوق، إلى جانب توفير منافذ تسويقية مجانية دون فرض أي رسوم أو هوامش ربح على الحرفيين، بما يسهم في تعزيز قدرتهم على النفاذ إلى الأسواق المحلية والدولية وتحسين فرص الاستدامة الاقتصادية لأعمالهم.
وأضافت أن إحدى الركائز الاستراتيجية تتمثل في منح كل محافظة ميزتها التنافسية وبيئتها الثقافية والجغرافية وما تشتهر به من منتجات حرفية، إضافة إلى عرض منتجات مختارة من محافظات أخرى داخل كل منفذ لتنويع المعروضات ويفتح آفاقًا أوسع للتسويق المتبادل بين الحرفيين على مستوى المحافظات، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة للمنتج العُماني.
وفيما يتعلق بقنوات التسويق، أوضحت أن هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعمل على تنويع أدوات الترويج من خلال شاشات رقمية تفاعلية في الفنادق والمواقع السياحية لعرض منتجات البيت الحرفي العُماني وربطها مباشرة بالمنصة الإلكترونية، وتشجيع الحرفيين على المشاركة في الفعاليات والمعارض المحلية والدولية، وتنفيذ حملات إعلانية مدفوعة تسهم في تعزيز الوعي بالعلامة التجارية للبيت الحرفي العُماني والمنتجات التي تضمها المنصة.
وأكدت أن المنصة الإلكترونية للبيت الحرفي العُماني هي منصة متخصصة في التسويق والبيع والتصدير، تمكن الحرفيين من إدارة منتجاتهم ومخزونهم ومبيعاتهم واستلام مستحقاتهم المالية، ما يعزز استمرارية الحرفة كمصدر اقتصادي مستدام للحرفيين.