رأي عُمان

نهاية النظام.. وبداية الصفقة

 

ينهار النظام العالمي، وتخفت هيبة مؤسساته، وتغيب يوما بعد آخر قواعده.. لا لأن قوة جديدة تقتحم المسرح بمشروع بديل يعد بالرفاهية كما وُعد به عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل لأن المسرح نفسه فقد قواعده.

كان من المفترض أن يدفع الركود الجيوسياسي الذي يعيشه العالم إلى مزيد من الاعتماد على المؤسسات متعددة الأطراف، لا إلى تهميشها وإضعافها، ما يحدث هو العكس تماما فالمؤسسات تتآكل وتفقد قوتها ومكانتها وثقة العالم بها، أما القواعد التي قام عليها النظام العالمي فتتحول إلى صفقات مالية وتجارية، وتحل لغة الإكراه محل لغة الشرعية والدبلوماسية.

بني العالم خلال العقود السبعة الماضية -مهما شاب ذلك من اختلالات- على فكرة أن المصالح تُدار عبر قواعد مشتركة، وتخفف النزاعات عبر مسار التفاوض، ولا تترك التجارة والتمويل والسلم والأمن لمنطق القوة المنفلتة وحده. تتعرض اليوم هذه الفكرة لاهتزاز مزدوج. الأول، تعب القوى الكبرى نفسها نتيجة تصاعد ديونها، وشيخوخة سكانها، وتراجع في قدرة حكوماتها على تقديم «عقد اجتماعي» يضمن الاستقرار. والثاني، هو أن هذا التعب يُترجم إلى نزعة أحادية أكثر صراحة؛ حيث باتت التحالفات تعامل بوصفها عقودا مشروطة، والضمانات الأمنية أقرب إلى فاتورة، والاتفاقات التجارية إلى أدوات ضغط.

كانت المؤسسات تُستدعى في زمن الصعود لضبط المنافسة بين صاعدين ومهيمنين. اليوم تُهمَّش المؤسسات؛ لأن القوى المتعبة تميل إلى اختصار الطريق للحصول على نتائج سريعة بلا أعباء قيادة، وتبحث عن مغانم سياسية داخلية تُسكت غضب الناخبين. من هنا نفهم لماذا تتعطل المنظمات الدولية حين تشتد الأزمات، ولماذا تنهار ترتيبات الحد من التسلح، ولماذا تتصاعد الحمائية، ولماذا يصبح القانون الدولي محل جدل سياسي بدل أن يكون مرجعية.

يرفع الركود الجيوسياسي منسوب الإغراء لدى بعض القوى «السابقة في الصعود» حتى تعوض انحدارها بالاندفاع العسكري. وهو يضغط في الوقت نفسه على دول واسعة من الجنوب العالمي، حيث تتزايد كتلة الشباب في اقتصادات عاجزة عن توليد فرص كافية، وتبتلع خدمة الديون ما كان يفترض أن يذهب إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية. وتتدفق آثار هذه المشاكل لتؤثر على الجميع، فتزداد الهجرة غير المنظمة، ومشاكل اجتماعية، وتطرف، وإرهاب، وتجارة عالمية لا تتمتع بالأمن اللازم لاستقرارها. والواضح أن تآكل مؤسسات النظام العالمي ليس مشكلة «نخبوية» تُرى في نيويورك وجنيف حيث مقار الأمم المتحدة؛ بل كلفة يومية يعاني منها الجميع، وتصبح كلفتها خطرا على أمن سلاسل التوريد والاستثمار والاستقرار المجتمعي.

وهذا ليس حنينا إلى نظام لم يكن عادلا، رغم أنه كان على الأقل يحافظ على الحد الأدنى من القواعد في العالم.. ولكن تمسكا بالإصلاح الواقعي الذي يبدأ بإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وتقوية آليات تسوية النزاعات، وإصلاح منظومة التمويل التنموي لتخفيف اختناقات الديون، وبناء تعاون استخباري ومالي شفاف يقطع شبكات تمويل العنف العابر للحدود.

قد يخفف الركود الجيوسياسي من سباق الهيمنة على المدى البعيد، لكنه على المدى القريب يختبر ما إذا كان العالم قادرا على البقاء دولةً - دولةً داخل قانون مشترك، أو أنه سينزلق إلى زمن الصفقات القسرية. والفرق بين المسارين هو الفرق بين استقرار يمكن إدارته، وفوضى لا يمكن توقع حدودها.