قراءة في مستجدات تحديث الجهاز الإداري للدولة
السبت / 27 / رجب / 1447 هـ - 21:15 - السبت 17 يناير 2026 21:15
جاءت الأوامر السامية الكريمة في 11 يناير 2026، والمراسيم السلطانية في 12 يناير 2026 مُعلنة بالشروع في حقبة جديدة من مسارات إدارة التنمية في سلطنة عُمان، لتهيئ أرضية خصبة تتوافق في دورها التشريعي والتنظيمي مع أجندة المرحلة؛ وتحديدا ما تستهدفه خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) وما بعدها، فكانت العناوين البارزة ثلاثة؛ ترسيخ إطار واضح للقيادة والإدارة الاقتصادية، والتكثيف المؤسسي لملف التعليم تحت مظلة واحدة وحوكمة واضحة، وتمكين أكبر لمنظومة الحماية الاجتماعية. والقارئ لمجمل المستجدات يجد أنها تنتظم تحت الموجهات التي جاءت بها «رؤية عُمان 2040»، وبالتالي يظهر التزام القيادة المرحلي بالسير في تنفيذ أجندة الرؤية الوطنية بما يتسق مع المسارات المرحلية والخطط التنفيذية لها، ومدى ملاءمة الظروف والتحولات لكل موجه يُراد العمل به.
ولعل التحديث الذي حظي باهتمام واسع هو حوكمة المنظومة الاقتصادية؛ عبر إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية كـ(مرجعية للتخطيط والإدارة الاقتصادية العليا)، واستحداث مركز عُمان المالي العالمي كـ(واجهة لتعزيز جهود جلب الاستثمار، وتطوير قطاع التمويل، والدفع بتنويع الاقتصاد)، وتعزيز اختصاصات وزارة الاقتصاد عبر دمج منظومة إدارة ومتابعة تنفيذ «رؤية عُمان 2040» كـ(مؤسسة معنية بمختلف مستويات التخطيط وتوجيه التمويل التنموي) يجعل من دورة صنع القرار الاقتصادي والسياسات المتصلة به في منظومة التخطيط الاقتصادي واضحة وموجهة، وهذا اعتبار مهم في ظل عالم يعيش عدم اليقين في حالته الاقتصادية؛ ولعل أهم المؤشرات الدالة على ذلك هو مراقبة مؤشر عدم اليقين في السياسات الاقتصادية العالمي (EPU Index) والذي كان بين (2020-2024) أعلى بأكثر من ضعفين مقارنة بمتوسط الفترة (2000-2015)، إضافة إلى حالة تصاعد القيود التجارية وتجزئة الاقتصاد العالمي، فعدد الإجراءات الحمائية التجارية عالميا ارتفع من أقل من 500 إجراء سنويا قبل 2017 إلى أكثر من 3000 إجراء سنويا بعد 2022. وهي مؤشرات جميعها يستدعي وجود قيادة اقتصادية واضحة تستثمر في الفرص، وتضع في الأولوية السياسات التي تضمن للاقتصاد الصمود والاستدامة في خضم حالة التجزؤ العالمي.
ومن الاستحداثات المهمة كذلك تعزيز منظومة صناعة القرار الحكومي عبر ما تم إقرار في هياكل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، فوجود وحدة للتواصل وتطوير الأداء الحكومي تجمع ثلاثية (التحقق من جودة القرار) و (التواصل الحكومي الجيد بشأنه) و (التأكد من جودة مخرجاته كخدمات حكومية) يُمكّن بيئة صنع القرار الحكومي، ويدعم القرار القائم على الأدلة، ويوحد الفهم لدى القائمين على تجويد القرار والقائمين على صياغة الرسائل الاتصالية الخاصة به، وهو أمر مهم في ظل ضغط الروايات غير الرسمية، وضغط المجتمع في اتجاه وضوح السياسات. تشير إحدى الدراسات الاتصالية الدولية التي ناقشت مسائل الاتصال الحكومي بشأن السياسات إلى أن متوسط زمن انتشار خبر مؤثر على الرأي العام عبر المنصات الرقمية أصبح أقل من 6 ساعات، بينما يتراوح متوسط زمن إصدار توضيح حكومي رسمي بين (24-72) ساعة، وأن «السياسات التي رافقها تواصل استباقي واضح حققت تحسنا في الامتثال يتراوح بين (15-25%) مقارنة بسياسات مماثلة دون استراتيجية تواصل واضحة».
ويأتي إنشاء هيئة مختصة للبحث العلمي والابتكار استجابة للدور المحوري والاستراتيجي الذي يتوقع أن يقوم به هذا القطاع في بناء قاعدة معرفية للتنمية الوطنية في شتى قطاعاتها، وفي تكوين أساس مهم للاقتصاد المعرفي، وفي دمج مجتمع العلماء والباحثين في مشهد التنمية بشكل تطبيقي وعملي، وفي تعزيز رأس المال (الخبير) الذي تحتاجه المرحلة المقبلة لتحقيق التنافسية والريادة. غير أننا نسجل بعض الملاحظات التي نرى بضرورتها لعمل هذه الهيئة؛ لعل أهمها ضرورة الربط الاستراتيجي مع (الصناعة) ونقصد بالصناعة هنا القطاعات الإنتاجية الحيوية، وأن يكون البحث والابتكار إضافة نوعية لتعزيز تلك الإنتاجية، ورفع تنافسية المنتجات والخدمات، وأن يغطي الأولويات الوطنية بطريقة يمكن من خلالها قياس أثره وإضافته والحكم على المنظومة من خلال ذلك القياس. كما أن دور القطاع الخاص في هذه المنظومة يجب ألا يكون راعيًا ومشاركًا فقط، بل موجهًا ومولدًا للأولويات، عوضا عن ضرورة وجود استراتيجية وطنية تحدد أدوار كافة القطاعات الفاعلة في البحث في سبيل المشاركة وتكوين المجتمع الباحث. كما أن من الضرورة بمكان أن يتحول اختصاص (بناء القدرات البحثية) إلى فعل استراتيجي بما في ذلك تمكين الباحثين لا مجرد تدريبهم وتأهيلهم، والتدريب على العمل البحثي المتعدد الاختصاصات، وتشجيع بناء الشبكات والجماعات العلمية أكثر من المسابقات وتحقيق التكامل أكثر من التنافس، عوضًا عن ضرورة وضع إطار متكامل ومتقدم للملكية الفكرية وبراءات الاختراع.
أما فيما يتصل بتوحيد حوكمة المظلة التعليمية عبر دمج ملف التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم تحت مسمى (وزارة التعليم)؛ فإننا نقرأ في هذا الاتجاه أربعة منطلقات رئيسية يمكن تحقيقها؛ الأول: بناء مسار تعليمي يخاطب مرحلة التأهيل المعرفي كاملة، ويكون متصلا من الطفولة إلى سوق العمل، والثاني: معالجة الفجوات الاستراتيجية التي يفرزها التعليم في مراحله الأولى، ومن أهمها ضعف المهارات الأساسية واللغة والتفكير النقدي، قبل أن تتحول إلى فجوات هيكلية لاحقًا في التكوين المعرفي في التعليم العالي. أما المنطلق الثالث: فهو توحيد الاتجاه في المسارات التعليمية، وتجسير الفجوة التي تنشأ لاحقا خاصة فيما بين الربط بين التعليم التقني والمهني (المدرسي) ومسار التعليم التقني والمهني (العالي). أما المنطلق الرابع الذي نرى من خلاله هذا الدمج فهو النظر إلى التعليم بمختلف مراحله كاستثمار واحد غير مجزأ، وبالتالي توجيه التدخلات المناسبة والإجراءات التصحيحية من خلال مركزية اتخاذ القرار، ومن خلال النظر للمنتج كوحدة متماسكة غير مجزأة.
وفيما يتعلق بالأوامر السامية الكريمة التي صاحبت ذكرى تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في البلاد؛ سواء كانت تلك المرتبطة بتسريع وتيرة توظيف الباحثين عن عمل، أو دعم مخصصات الحماية الاجتماعية لبعض الفئات، أو تعزيز مخصصات برنامج تنمية المحافظات لدعم التنمية الاقتصادية المحلية، فإنها تنطلق من ثلاثة مبادئ أساسية: حماية الفئات الأكثر احتياجا من التأثيرات العكسية لبعض السياسات الاقتصادية، ودعم التوازن بين النمو الاجتماعي والاقتصادي، والاهتمام بشمولية التنمية مكانيا وفئويا.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان