الإبداع التنافسي في جوائز جلالة السلطان
السبت / 27 / رجب / 1447 هـ - 21:15 - السبت 17 يناير 2026 21:15
تعتبر الجوائز والمسابقات الوطنية والدولية أدوات مهمة لتحفيز المجتمعات، ودعم المبدعين وتطوير مهاراتهم؛ إذ تعمل على توسعة دوائر العمل والبناء الاجتماعي والثقافي والعلمي في مجالاتها المختلفة، ولذلك فإنها تقدِّم نفسها باعتبارها قوة دفع لتطوير المنظومة المجتمعية التنموية، من خلال الاستثمار في التنمية البشرية وتنمية مهارات المستقبل، إضافة إلى أهميتها في تمكين المهارات الناعمة القائمة على الإبداع والابتكار باعتبارها فضاء واسعا للإنتاج وبناء الوعي ودعم العمل الجاد في بيئة منافسة.
فالجوائز التي تقدمها الدول توفِّر بيئة قادرة على صناعة منظومة علمية واجتماعية وثقافية مستدامة، تعزِّز دور المؤسسات والأفراد المبدعين في بناء قيمة معرفية تتجاوز فكرة الفوز إلى المشاركة الإيجابية ودعم التوجهات الوطنية الداعمة للقطاعات التي تخدمها تلك الجوائز؛ حيث أصبحت الجوائز أداة مهمة في تعزيز الوعي المؤسسي والمجتمعي للتفاعل والمشاركة والتأثير من خلال الفكر التنافسي المحفِّز على تقديم ما هو أفضل، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الإبداعات من ناحية وازدهار القوة التنافسية من ناحية، ودعم التميُّز من ناحية ثالثة.
ولذلك فإن تعدُّد الجوائز والمسابقات خاصة الوطنية منها، يوفِّر فرصا مختلفة لذلك التعزيز، ويدفع الفئات المستهدفة إلى تحسين القوة التنافسية للمهارات الإبداعية والابتكارات التي يُتاح لها المجال لتكون موردا تنمويا يقود إلى الإنتاج والتطوير المستمر؛ فالبيئة التي تخلقها تلك الجوائز والمسابقات تدعم فكر التنافس وتحفِّز التطوير وتبادل الخبرات وتوفِّر بيئة تعلُّم تؤدي إلى التنوُّع والتعدُّد في المسارات التي تدعم القطاع الذي تخدمه.
إن الجوائز الوطنية تنطلق في الأساس من فكر الإبداع التنافسي الذي يُعد ضرورة تنموية تقود التطوير والتنمية على مستوى الأفراد المبدعين، وكذلك القطاع التنموي، ولهذا فإن توفير البيئة المنافسة يُسهم في تمكين هذا الفكر وتحسين عمليات الإنتاج والأداء الذي تقوده؛ حيث يوفِّر ميزة داعمة للإبداع لتقديم كل ما يضيف الجديد والحديث في القطاع، إضافة إلى ما يقدمه المبدعون المشاركون من تطورات وتغييرات إبداعية قائمة على فكر التنافس، وبالتالي فإن هذه الجوائز تُعد واحدة من أهم المعزِّزات التي تدعم الإبداع اعتمادا على مفاهيم الميزات التنافسية التي توفرِّها.
ولقد جاء الإعلان عن جوائز جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- متزامنا مع الاحتفال بذكرى تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم في البلاد، لتكون إضافة مهمة على تلك الجوائز الوطنية التي تأسسَّت سابقا وكان وما زال لها الأثر الكبير في تنمية الفكر الإبداعي التنافسي، والقدرة على تعزيز الوعي ودعم الإنتاج المعرفي والإبداعي في القطاعات المختلفة؛ فالجوائر الأربع التي تم الإعلان عنها في مجال (الثقافة والاجتماع)، و(البحث العلمي والابتكار)، و(الاقتصاد والأعمال والتميُّز الرقمي)، و(تنمية المحافظات)، تقود مجالات وقطاعات بحاجة إلى دعم الفكر الإبداعي من ناحية، وتعزيز إمكانات التنافس في بيئة تشجيعية من ناحية أخرى.
ولأن الثقافة من القطاعات التي تؤسس الوعي المجتمعي وتدفع قطاعات الإبداع والابتكار، وتشكِّل الفكر الواعي لدى الشباب الذي يربطهم بحضارتهم وهُويتهم الوطنية، فإن توفير بيئة داعمة في مجالاته المختلفة، يضمن تحقيق التطلعات المعرفية والحضارية، ويقدِّم نماذج إبداعية تقود مراحل التطوُّر المجتمعي القائم على البحث والتطوير والابتكار، لتكون هذه الجوائز البيئة الحاضنة للإنتاج المعرفي والفكري والتطوُّر الإبداعي الذي يقود المرحلة المتجددة من عمر النهضة.
لذا فإن (جائزة السلطان المعظم الثقافية والاجتماعية)، توفِّر بيئة (تعزِّز وتشجِّع جهود ومبادرات الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتسهم بذلك في تحقيق رؤية عمان المستقبلية عمان 2040)؛ من خلال تلك الأهداف التنافسية القائمة على التطوير والتنمية، وبناء أجيال متمكنة من تمثيل عُمان في المشاركات الإقليمية والدولية وقادرة على نقل التجربة الثقافية العمانية إلى العالم. إن المطلع على أهداف الجائزة يُدرك أهميتها وإمكاناتها على توفير تلك البيئة المحفِّزة والداعمة التي تدفع نحو التميُّز والريادة تربويا وثقافيا واجتماعيا.
إن الجوائز عموما تقوم على التنمية البشرية التي تجعل من الإنسان الهدف الأساسي للتطوير والدعم، لذا فإن هذه الجائزة تتخذ من تمكين المبدعين أفرادا ومؤسسات وتشجيعهم للمحافظة على التراث الثقافي خاصة و(تحقيق تنمية اجتماعية شاملة) عموما رسالة لها، وأساسا يقود بناء فكر الإبداع التنافسي الذي يوفِّر إمكانات للإنتاج المعرفي وتطوير الأعمال، وتقديم تجارب متميِّزة في فروع الجائزة خاصة في مجالات التراث الثقافي والعمل التطوعي والإجادة الشبابية والإجادة التربوية، إضافة إلى مجالات التكريم الثقافي وتعزيز حفظ كتاب الله تعالى.
وإذا كانت مجالات العمل التطوعي والإجادة الشبابية ومسابقة حفظ القرآن الكريم، من تلك المجالات التي قدمت تجارب لجوائز سابقة، فإن تخصيص جائزة للتراث الثقافي (المادي، وغير المادي)، يقدِّم تجربة فريدة للفكر الإبداعي التنافسي في عُمان كونه مجالا يواجه الكثير من التحديات المرتبطة بالمتغيرات المجتمعية والتقنية من ناحية، ويوفر فرصا غنية للإبداع والابتكار من ناحية أخرى، ولهذا فإن هذه الجائزة تُعد أساسا مهما للمشاركة الفاعلة في صون التراث الثقافي، ودراسة المتغيرات التي تطرأ عليه، وكذلك إنتاج إبداعات وابتكارات سيكون لها الأثر الكبير في تطوير مشروعات التراث الثقافي والخدمات والبرامج المرتبطة به.
إن هذه الجائزة لا توفِّر البيئة التنافسية للقطاعات التربوية والثقافية والاجتماعية وحسب، بل أيضا تقدِّم فرصا لتكريم المثقفين الذين قدموا جهودا كبيرة في خدمة الوطن من خلال ما ينتجونه من نصوص وأفكار وما يقدمونه من علوم ومعارف إنسانية، تُسهم في التعريف بعُمان وتاريخها وحضارتها، وتقدِّم الفكر العماني بما يليق به بين دول العالم؛ فالمثقف العماني قدَّم وأنتج الكثير من الإبداع والفكر في أنماط الكتابة المختلفة، وأسهم في تمثيل عُمان في المحافل الإقليمية والدولية، لتكون هذه الجائزة دافعا له لتقديم المزيد ليكون الإبداع المعرفي رسالة المثقف العماني إلى العالم.
فهذه الجائزة توفِّر عبر فروعها المختلفة فضاء واسعا للفكر التنافسي القائم على الإنتاج والدافع على العمل الجاد المخلص الذي لا يبتغي الفوز المادي بقدر ما ينشد المشاركة الفاعلة الداعمة للتطوير المعرفي الخلاَّق القائم على الإبداع والابتكار، الذي يُسهم في تحقيق الأهداف الوطنية للقطاعات المختلفة، لذا فإن العمل على تخصيص مجالات المنافسة بحسب الأولويات التي تخدم المجالات سيكون له الأثر البالغ في تحقيق تلك الأهداف.
إن العمل على تحديد مجالات التنافس وتخصيصيها بما يتناسب مع المرحلة القادمة من عمر النهضة، وأولويات العمل الوطني القائم على الإبداع والابتكار، سيوفِّر بيئة واسعة لدعم فكر الإبداع التنافسي، الأمر الذي سيحفِّز المبدعين وخاصة الشباب على الإقبال والتنافس في مجالات الجائزة بما يُحقق الأهداف المرجوة، ويدعم توجهات الجائزة واستدامتها.
عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة