هل عثرت رؤية المنظر النازي على نصير لها في ترامب؟
السبت / 27 / رجب / 1447 هـ - 21:08 - السبت 17 يناير 2026 21:08
ترجمة: أحمد شافعي -
بديهي لدى كثير من منتقدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب أنه فاشي. بل إن بعضهم يرون أصداء لعمل «فقيه العرش» والمنظر السياسي النازي كارل شميت في سياسات إدارة الرئيس ترامب الداخلية، وخاصة مبدأ «الاستثناء» الذي تتبعه ويمكن استعماله لتعليق بعض الحقوق الدستورية المعينة. وبعد أسابيع قليلة مضطربة في الجغرافيا السياسية، تجري مناقشة أعماله مجددا لما بات لها من اتصال بالواقع المعاصر.
في غداة إطلاق استراتيجية الأمن الوطنية الجديدة للولايات المتحدة لعام 2025، والغارة الأمريكية على فنزويلا، وخطاب الرئيس الأمريكي بشأن جرينلاند وكولمبيا والمكسيك وكوبا، وتسامحه الواضح مع روسيا في ظل فلاديمير بوتين، فإن السؤال المطروح الآن هو ما لو أن ترامب أيضا يناصر جوانب من مفهوم كارل شميت الخاص بـ«المجال العظيم».
شأن كثيرين من أبناء وطنه، استعر غضب شميت من مذلة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وما وصف باستعمار قوى الوفاق المنتصرة لها. رأى شميت القانون الدولي محض أداة في أيدي المنتصرين، مصممة للحفاظ على خضوع الرايخ وتيسير استغلال موارد العالم. غير أن شميت اختص البريطانيين بأشد الازدراء إذ رآهم ازدواجيين في نزعتهم العالمية يعظون الناس بإنجيل التجارة الحرة والنزعة الدولية وهم يقيمون أضخم إمبراطورية عرفها العالم. وقارنهم بالأمريكيين وانتصر للأمريكيين الذين حصروا أنفسهم إلى حد كبير في قارتهم خلال القرن التاسع عشر بما يتوافق مع مبدأ مونرو الذي راج آنذاك، قبل انخداعهم (المزعوم) الذي أدى إلى دخولهم لحرب العالمية الأولى.
في أبريل من عام 1939، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، اقترح شميت حله في محاضرة حظيت بترويج كبير وألقيت في معهد السياسة والقانون في جامعة كيل، ثم توسع فيها ونشرها بعد ذلك. ذهب إلى أن العالم ينبغي تقسيمه إلى مجالات عظيمة (Großraum) يخضع كلٌّ منها لإمبراطورية (أي رايخ) تقع في القلب منه. وتكون لكل مجال عظيم هويته ومهمته ومجال قوته، بما يصوغ الدول الأخرى الواقعة في فلكه القريب. و«يمتنع» على القوى الأخرى ـ التي يطلق عليها شميت مصطلح «القوى الغريبة عن المجال» ـ أن «تتدخل». ومن الواضح أن شميت كان يتصور ألمانيا النازية في قلب المجال العظيم الأوروبي الذي أراد أن يقيه التدخل الأنجلوأمريكي.
وازدان ذلك كله بجرعة كثيفة من معاداة السامية، لأن شميت - شأن هتلر ـ كان يرى لـ«اليهودية العالمية» تأثيرا «عالمي النزعة» راميا إلى تحطيم الدول القومية والاقتصادات الوطنية. ويقال أحيانا إن نظرية المجال العظيم لشميت مستلهمة من هتلر، لكن الواقع هو أن هتلر كان يدعو إلى «مبدأ مونرو ألماني» منذ عام 1923، أي قبل شميت بخمسة عشر عاما. ويحتمل أيضا أن نرى أصداء من شميت في مفهوم اليابان الإمبراطوري الخاص بـ«مجال رخاء شرق آسيا الأكبر».
وبالطبع أخفقت رؤية شميت. إذ أبت القوى الأنجلوسكسونية ـ بحسب اصطلاحه لها ـ أن تبقى خارج أوروبا، وواجهت هتلر في نهاية المطاف. وأبيد الرايخ وإن لم يبد قبل أن ينزل بأوروبا أضرارا جساما، وبخاصة يهودها. ولقي شميت الشهير بتمثيله للنظام الحاكم النازي تشهيرا كبيرا، ولم يحتل أي منصب أكاديمي آخر بعد عام 1945، برغم أنه استمر ذا تأثير ثقافي معتبر على اليمين واليسار داخل ألمانيا وخارجها.
وفي العقود الأخيرة، وجدت أفكار شميت أنصارا لها واستعيدت في الدول «العاصية» المعادية للغرب، وخاصة روسيا. فرفضه للعالمية الغربية ومفهومه للمجالات العظيمة الآمنة من التدخل الخارجي صادفت جمهورا مهيأ لها في موسكو وبكين. فعلى سبيل المثال يمثل اليوروآسيوي سيء الذكر ألكسندر دوجين ـ صاحب التأثير الأساسي على بوتين والمهندس الفكر للهجوم على أوكرانيا ـ نصيرا متشددا لأفكار شميت. فهو أيضا يدعو إلى أن تشع روسيا بمبادئها المحافظة والمسيحية على الدول المجاورة مقصية التأثير الغربي، وبخاصة التأثير الأنجلوسكسوني «الغريب عن المجال». وشأن شميت، نرى أن دوجين وكثيرا من أنداده في وطنه يناهضون البريطانيين بصفة خاصة، ويعدونهم الوكلاء الأساسيين لليبرالية والرأسمالية العالمية وغيرهما من المبادئ التي يفترض أنها ضارة بروسيا ومعادية لها.
كل هذا، مع عزم ترامب على فرض خسائر في الأرض على أوكرانيا، أدى بالبعض إلى القول إننا بتنا أخيرا شهودا على تقسيم شميتي للعالم إلى مجالات عظيمة. وهذا التقسيم للكوكب بين ترامب وبوتين وشي جينبنج وقد يكون معهم ناريندرا مودي وارد بلا شك، ولكنه على الأرجح خاطئ، وليس هذا فقط لبعد احتمال أن يكون ترامب خاضعا لتأثير مباشر من شميت.
صحيح أن إدارة ترامب أعلت أولوية نصف الكرة الأرضية الغربي، مستعيدة بصراحة مبدأ مونرو البالغ من العمر مائتي سنة. لكن لو أن نية الرئيس مونرو الأصلية كانت البقاء بعيدا عن أوروبا في مقابل إنهاء أي مستعمرات أوروبية جديدة في الأمريكتين، فإن المبدأ تطور لاحقا فأصبح أحادي الجانب تماما. فرفضت واشنطن أي تأثير خارجي على قارتــها»، وإن اضطرت إلى قبول استثناءات من قبيل كوبا، لكنها أكدت أيضا قوتها في قارات أخرى، وبخاصة أوروبا وآسيا. وكان الأمريكيون يقولون: «ما تمتلكونه نمتلكه» و«ما نمتلكه فهو لنا وحدنا». وبرغم اعتراض الكثيرين على هذه الازدواجية، ومعارضة كثير من الآسيويين المريرة للحضور الأمريكي، رحبت أغلبية محترمة من الأوروبيين بهذه «الإمبراطورية الأمريكية المدعوة» على حد تعبير المؤرخ النرويجي جير لوندشتاد.
حتى الآن، لا يزال ترامب حازما ـ بطريقته ـ في البقاء ضمن هذا التقليد الأمريكي الواسع. وما من بادرة على اعترافه بمجالات نفوذ أخرى، اللهم إلا في ما يتعلق بأوكرانيا. فقد ضرب ترامب إيران، ومحى أنظمة الدفاع الجوي الروسية في فنزويلا، وأوقف حاويات روسية في المياه الأوروبية بمساعدة بريطانية، وبإشراف منه دبرت وكالة المخابرات المركزية هجمات أوكرانية مدمرة لبنية النفط الروسي الأساسية. ومهما يكن رأينا في هذا كله، فهو لا يشير لا إلى تصادم استراتيجي أو أي فهم قائم على مجالات النفوذ. فترامب ليس فاشيا ولكنه نرجسي. وهو لن يقبل أي كبار آخرين بجواره، وبوتين وشي يعلمان هذا. ولا بد أن شميت يتقلب في قبره مستشعرا صدق إيمانه بازدواجية الأنجلوسكسكون.
بريندان سيمز مدير مركز الجغرافيا السياسية في جامعة كامبريدج
عن الجارديان البريطانية