أسوار المدن القديمة والعابرون نحو المجهول
السبت / 27 / رجب / 1447 هـ - 18:28 - السبت 17 يناير 2026 18:28
محمد بن سليمان الحضرمي -
أكتب عن الأسوار العالية، المحيطة بالمدن القديمة، وفي ذهني صورة من بقايا السُّور لحارتنا القديمة، يحيط بها من كل الاتجاهات، كسِوارٍ في معصم، وينتهي بصباح بمثابة منفذ لدخول الحارة، يتراكم عليه دَبَق من زيوت وغبار، وأعشاش لعناكب تآلفت مع لزوجته الثقيلة، يشبه أبواب الحصون الكبيرة، ذات النجوم النحاسيَّة الحادَّة، ويفتح مع بزوغ الشمس وميلاد يوم جديد، وكأنه يزيح عتمة الليل عن بياض النهار.
كان حارس باب الحارة عَيْنًا لا تنام، يقضي مناوبته حتى مطلع الفجر، ويَسْمُر معه الناس في ليالي الشتاء، على جمر «الصريدان» المتوهِّج، موضع للجمر بين أثافي من الطين، جاءت تسميته مخالفة لحاله، من اشتداد الصَّرْدَة في ليالي الشتاء، حين يسدل برده القارس على الأرجاء، فيبثُّ «الصريدان» الدفء في المكان، حتى يغشى النوم أهل الدار، ويعودون مشبعين بالقهوة والحكايات المدهشة، ويبقى الحارس ما تبقَّى له من ليل بلا نوم، وقد تسليه قطة تنونو بجانبه، (تُقَطِّعُ الليلَ واواتٍ وتسبيحا)، لكن الحارس يكاد لا ينام ليله إلا قليلا، وإذا نام فبعين واحدة كنومة الذئب، وعينه الأخرى تبقى مفتوحة، يلتقي بها من يطرق عليه الباب، أو يتَّقي بها مفاجآت الليل، تمامًا كالذئب: (يَنامُ بإحدى مُقلتيهِ وَيَتَّقى .. بأخرَى المَنايا فهو يَقظانُ نائِمُ)، هذه هي نومة حارس باب الحارة، في الليالي المظلمة.
وأمثلة على هذه الأسوار المنيعة، الموحية بشجن قديم كسُور بهلا الكبير، بناء مدهش بامتداد طويل، يصل بين أنحاء المدينة، ولعله أطول سور أبقاه الزَّمان، شاهدًا على تعاقب العصور، رغم اندثار جوانب منه، وانقطاعه في جوانب أخرى، وما تبقَّى منه يعكس فخامة البناء بأبراجه وبواباته، وكنت كلما ذهبت الى بهلا، أسلك بسيارتي طريق «الفَتْح» الهادئ، طريق يكشف لوحات صخرية تهمس بأسرار لا تنتهي، نحتتها الرِّياح في سفوح الجبال وبطون الوهاد، يراها من يسلك ذلك الطريق، وكأنه في متاهة فسيحة، تزيِّنها أشجار السُّمْر والغاف ونباتات «العُسْبُق»، أشجار صديقة للمكان، وأليفة للسيوح الرَّملية، حتى ينفتح المشهد على مُستراح طبيعي لساقية «فلج الفَتْح»، يدعوني أن أتوقف عنده قليلا، أغسل وجهي بمائه النقي من وعثاء الطريق، وأشعر بلطافة مائه ورقة الحياة فيه، يبدو الفلج نهرًا يسيل من نبع سريٍّ في الصحراء، ويتوارى وراء الجبال، هكذا أراه في تدفقه الخجول.
يأخذني الطريق الى داخل بهلا، بعد جولة حُرَّة بين عرائس النخيل الرَّاقصَة، على إيقاع الرِّياح الناعمة، كأنشودة ترحيب تُحْدِثُ في نفسي نشوة وطربا، أصل قريبًا من منهل الوادي، وألتفت جهة اليمين، حيث سور بهلا بأبراجه وصباحاته، كائن طيني مهيب، حارس المدينة الموغل في القدم، سور بعمر المدينة، شاهد على ملايين الكائنات التي عاشت تحت ظلاله، وحامت فوق أبراجه، وتوارت داخل مخابئه الطينية، ويتراءى في ذهني أولئك العابرون نحو المجهول، وكأني أراهم يسيرون خِفافًا إلى سراب الفناء، يدعوني السور أن أقف عنده، وأقرأ في جدرانه نصوصًا أدبية، ترْوِي حكايات العابرين نحو المجهول، أولئك البنَّاؤون والمهندسون الأوائل، أفنوا أعمارهم في بنائه، فبقيت بصماتهم على ألواح الطين، لوحات ونصوص وأناشيد ساحرة.
هذا الشعور ذاته أحس به كلما ذهبت إلى مسقط، وولجتها عبر «باب المثاعيب»، لأرى مدينة ذات أبَّهة فريدة التكوين، بقصرها الشامخ، «قصر العلم العامر»، ومعالمها الأثرية التي حفظها الزمان عقودًا من السنين، كقلعتي «الميراني» و«الجلالي»، وبقايا السور المرمم، يجعلها بين المدن البحرية تحفة خالدة، فقد اشتعلت بين جبالها نيران حروب المستعمرين، وتتاليت عليها أحداث دامية شهدتها المدينة، وغزتها من نافذة البحر.
وفي كل زيارة لمدينة مطرح، أقف كغيري عند الواجهة البحرية، وأسهم بنظري بين البحر والمدينة، فأرى بعين خيالي قُلوعًا وسُفنًا شراعية، تقف في مرسى مطرح القديم، سفن مستكشفين وغزاة ومستعمرين، سفن تجار ونقل وصيد، وما تزال المدينة بإطلالتها الجميلة، كلؤلؤة لفظها البحر في ساحل فضي، مدينة تكسَّرت في صخور مرساها أحقاد المستعمرين، وامتصَّت رمالها أنين الأقدام الزاحفة، فتحول المرسى البحري إلى ميناء كبير، ويبدو من تلك الواجهة «سُوْر اللواتية»، أشبه بقسمات بَحَّار يبتسم أمام الزائرين لسوق مطرح القديم، يقف شاخصًا أمام صفحة البحر الزرقاء، كلوحة تشكيلية رسمتها عبقرية البناء، بملامحها وملاحة تصويرها، وسطَّرت على شرفات بيوتها أكثر ملاحِمِها تشويقًا، وقد تسيل أحزانًا في المآتم الحُسَينية، وتهجُّدات المصلين في المساجد، ليصبح شطرًا من ترتيلة الجمال.
وفي كل زيارة لمدينة مطرح، يشدني فضول لأطل على هذا السور من الداخل، وأشمُّ من ردهاته عبق الحياة، الناضحة من تلك البيوت، المشبعة برائحة البحر، وبجدرانها المطلية بألوان شقائق النعمان، ينضح هذا السور بجمال آسر لا يعكره الغبار، حيث لم تعتد هذه الواجهة الأنيقة على ملامسة نثاره الذهبي، فالأمواج الصاخبة تصد عن السور كل ما يخدش بهاء وجهه، وكانت قديمًا تلامس الأمواج عتبات السور، أما اليوم فتحمل له النسائم رَذاذًا، تتسلل نعومته إلى داخل البيوت، وكأنها تهديه التحية والسلام، كلما حلقت فوق البحر سحابة، او حامت فوق السُّور أسراب الحمائم والنوارس.
وحين وقفت على مدينة «البليد» في مدينة الحافَّة بصلالة، رأيت أسوارها التي لم يبق منها إلا الأسس والقواعد، تمتد إلى ساحل البحر، وتخيلتها مدينة عظيمة، سكنها الناس وعمروها منذ فجر التاريخ، وفي العصر الإسلامي، شيد أهل البليد أفخم جامع فيها، وبقدر ما وَقفْتُ على مساجد فخمة في عمان، إلا أن «جامع البليد» يظل الأوسع في مساحة البناء، ولا شك أنَّ هذه المدينة المطلة على البحر، اعتمدت على الأسوار لحمايتها من أي دخيل، إذ البحر طريق الغزاة والقراصنة والمستعمرين، وما حدث لمدن الساحل الشرقي العُماني، ابتداء من قلهات وحتى قريات ومسقط ومطرح، مطلع القرن السادس عشر الميلادي، شاهد على طغيان الاستعمار، ونفوذه من شرفة البحر الزرقاء.
هناك أسوار أخرى من جبال، حيث تتوارى المدن بينها في الداخل، كمدينة «نزوى» في تكوينها الجغرافي، المتحيِّزة في قاع الوادي، وأجزاء منها بين واديين، وأسوارٌ أخرى رأيتها في مدن قديمة كالحمراء وما حولها من قُرى، تظهر بعض الأسوار في الجبال، كأثَرٍ قديم من حجارة صمَّاء لحضارة بائدة، تفصح عن حكايات ومرويات وآثار واندثار.
أسوار أخرى من أشجار بريَّة نامية في الأودية، تصدُّ الرياح والأتربة، عن القرى والمدن المتوارية خلفها، كالسُّور الأخضر الواقع جهة الغرب من «مَنَح»، منتزه يشيّد فيه النحل مملكته السداسية، وتبني فيه الطيور أعشاشًا صغيرة، ولا يخلو المكان من جحور للثعالب والأرانب وأفاحيص للصَّفارد والقطا، وتحيط الأسوار الخضراء من أشجار الغاف والسُّمْر والسَّدْر والسَّرْح والشوع، كثير من مدننا العُمانية، لتشكِّل لوحة تكحل بجمالها العيون.
أسوار أخرى تربط بين السَّهل والجبل، إن كانت قريبًا من الأودية، وبين البحر والمدينة، إن كانت تطل على البحر، كما هي أسوار المدن القديمة المندثرة، المتناثرة في أرجاء عُمان، وحيثما نسير تحدُّنا الأسوار بامتداد البصر، وتحدثنا عن أولئك العابرين نحو المجهول، وتتبعنا إلى آخر نقطة وأبعد مدى، أسوار حجرية لم يبق منها سوى ضُفور متشابكة، كأسنان تعض على أحلام الناس، تشعر أن هنا سور كبير، شُيِّد حَجَرة حَجَرة كسلسلة لا تنتهي، في الماضي الذي لا نعلم عنه شيئًا، البعيد إلى بدايات التاريخ، حيث لكل مدينة تاريخها الخاص.
وهناك أسوار أخرى خفيَّة في النفوس، نشيِّدها في داخل ذواتنا، وتكبر فينا يومًا بعد يوم كالبُعْبُعْ الخرافي في الأساطير، والوحوش في القصص الشعبية، أسوار من رِهابٍ وانكسار وسلبيات لا تنتهي، أسوار من خوف وقلق وأحلام لم تتحقق، وأمانٍ بعيدة لا نصل إليها، أسوار من هلع وضيق وتبرُّم من الحياة، تصدُّ عنا نسائم السَّعادة، وتعبر بنا نحو فراغ مجهول، كريح مُرسَلة تحمل غبار الأرض، ورفات الهالكين المتطايرة، وهدمها يحتاج همة عالية، تكسر حصار الوهم، وتبدد رماده القاتم، والحديث عن الأسوار أطول من أن تستوعبه مقالة.