بريد القراء

الزواج الناجح .. مواجهة لمصاعب الحياة بروح الشراكة والمودة

 

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم: 21).
أما في السنة النبوية الشريفة فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
'إن أعظم النكاح بركةً أيسره مؤونة'.
وهناك استرشاد آخر قدمه لنا الإعلامي أحمد الشقيري عندما يقول: 'الزواج الناجح لا ينبني على حبك لمميزات الطرف الآخر، ولكن على تقبلك لعيوبه'.


أما في الأدب الفلسفي فيقف أفلاطون مناديًا ومدافعًا عن فكرته:
'الزواج رحلة طويلة، يجب أن تكون مستعدًا لها كما تُعدّ سفينة لعبور محيط'.
وكل ما اقتبسناه سابقًا يؤكد على حقيقة راسخة في وجود الحياة الزوجية، مفادها أن الزواج ميثاق للعيش بين الزوجين معًا، ومواجهة لمصاعب الحياة، ولكن بروح الشراكة والمودة.


كل العبارات السابقة، لو تأملناها جيدًا، لوجدنا أنها تفتح لنا أبوابًا متتالية من أجل أن ندرك من خلالها قيمة الزواج، وكيف يمكن تقبّل عيوبنا وعيوب الآخر؛ فالزواج ليس خاليًا من الاختلاف، لكن هذا الاختلاف لا يجعلنا نسقط في وحل الخطأ أو الفرقة أو انهيار ذلك الكيان العظيم. تمامًا كما رأى خبير التنمية البشرية الراحل إبراهيم الفقي أن الزواج كالشجرة، جذورها: الحب، وتقبّل الطرف الآخر، والاحترام المتبادل، والثقة، والتضحية، والوفاء.


إذن نحن لا نسوق مقولات فقط، لكن نركز على أصحاب الخبرة والدراية، فأمر الزواج ليس شيئًا عاديًا يمكن أن يبدأ ثم ينتهي سريعًا، فبعض الزيجات تظل سنين طويلة ولا تنتهي إلا مع الموت.
في هذا العالم باتجاهاته وأماكنه الفسيحة، قصص عظيمة تؤصل معنى الزواج، وتكشف للآخر عمق العلاقات الإنسانية التي ينشئها في حياة البشر؛ فتكوين الأسرة ليس معناه شخصان يتفقان على بدء الحياة مع بعضهما، ولكنه امتداد لمراحل أخرى تأتي لاحقًا، وفي كل مرحلة هناك عشرات، إن لم تكن المئات، من التحديات والعثرات، ويجب تجاوزها حتى تستمر قاطرة الحياة الزوجية في المسير. وهذا ما يؤكده الفيلسوف والمفكر والأديب الألماني فريدريك نيتشه بقوله:
'في الزواج السعيد، يصبح كل شريك مرآة تعكس أفضل ما في الآخر'.


لماذا يفشل بعض الناس في تكوين أسرة سعيدة؟ والجواب أحيانًا يكون بسبب الأنانية، فكل طرف يرى نفسه هو الأفضل. وأيضًا البعض لا يقدم بعضًا من التنازلات حتى تذوب جليدات الخلاف، بل يحاول أن يستجمع قواه لمهاجمة الآخر، لذا فإن بعض التجارب تكون عقيمة ولا تنجب أي نوع من السعادة، بل يمكن أن تكون أكبر كابوس يدخل الإنسان نفسه فيه، وعندما يخرج لا يخرج منتصرًا؛ فالمشاعر المحطمة والقلوب الموجوعة لا تجعل الآخر يشعر بزهو الانتصار، بل يشعر بنوع من التوهان والألم.
ومن بين قراءاتي لهذا الموضوع، وجدت في قول هارفيل هندريكس شيئًا عظيمًا يلامس القلوب. ومن لا يعرف هذا الشخص، فهو معالج نفسي ومؤلف أمريكي شهير، حيث يقول:
'عندما تتحول إلى مرحلة الزواج الواعي، فإنك تبدأ تدريجيًا في التخلص من الأوهام، وتقترب أكثر من رؤية الحقيقة لشريك حياتك، وسترى شريك حياتك لا باعتباره مخلّصًا لك، وإنما كإنسان آخر له جروح يكافح لمداواتها'.
ويضيف: 'في مرحلة الزواج غير الواعي تتمسك باعتقادك أن شريكك يدرك بالحدس احتياجاتك ويفهمها من تلقاء نفسه، أما في مرحلة الزواج الواعي، فحتى تتفاهم مع شريك حياتك لا بد لك من أن تفتح قنوات تواصل معه'.


رحلة الزواج قد تمتد لسنوات طويلة، ومن خلالها يتعلم الإنسان، سواء كان ذكرًا أو أنثى، بأن الله تعالى منحهما القوة على تحمّل أعباء كثيرة، والعبور الآمن نحو حياة تثمر الخير، وتمنح الجميع الراحة والسكينة، بعيدًا عن عواصف الشقاق والنزاع.