عمان اليوم

الغزو الرقمي: عندما تصبح التفاصيل العائلية مشهدا جماهيريا!

 


عندما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا، آمنّا أنها ستكون وسيلة للتواصل ومشاركة الأفكار وتبادل الخبرات، لكننا لم ندرك أن تفاصيل حياتنا الأسرية ستحظى بأضواء الكاميرات، فمائدة الغداء التي كانت يومًا ملاذًا للعائلة ووقتًا للترابط تحولت إلى موقع تصوير يُرتب فيه الأطباق بدقة تحت تقنية الفلاتر والإضاءة، وفي رحلات السفر، بدلاً من التمتع بالمناظر الطبيعية أو استكشاف الثقافات الجديدة، صار بعض الناس يعيشون من خلال عدسة هواتفهم، يلتقطون كل لحظة وكأنها واجب لتوثيق لحظاتهم أمام العالم، لكن في خضم هذا التنقل بين الصور والإعجابات، قد يغيب عنهم جوهر الرحلة نفسها!
أصبحت هذه الظاهرة سمة بارزة في عصرنا الحديث، حيث يتسابق الكثيرون نحو زيادة المشاهدات والاهتمام، ويُضفى على حياتهم قناع من النعيم، لكن وراء الشاشات قد يكون الواقع مختلفًا تمامًا، مختبئًا في ظلال الكاميرات التي تلتقط لحظات قد لا تعكس حقيقة تجاربهم أو علاقاتهم، وهكذا نجد أن الصورة ليست دائمًا كما تبدو، والعالم الرقمي رغم بريقه قد يخفي عنا الكثير.
يقول خميس بن راشد العبري - المحامي أمام المحكمة العليا: 'خصوصية الأسر خط أحمر، واستغلالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس حرية رأي، بل فعل يعاقب عليه القانون، وصونها واجب أخلاقي وقانوني لا يقبل التهاون، وهي ليست ترفًا، بل حق أصيل مكفول بالقانون، واستغلالها عبر وسائل التواصل يُعد جريمة تستوجب المساءلة، وعلى الأسر والمجتمع والمنصات والجهات الرسمية تكامل الأدوار لحمايتها.'
حماية قانونية
وأكد العبري أن خصوصية الأفراد والأسر في سلطنة عُمان تحظى بحماية قانونية واضحة، أبرزها النظام الأساسي للدولة الذي كفل حرمة الحياة الخاصة، وعدم جواز المساس بها إلا في حدود القانون، وقانون الجزاء العُماني الذي يجرّم أفعال التشهير، وانتهاك الخصوصية، ونشر ما من شأنه الإساءة أو الإضرار بالسمعة، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي يجرّم نشر أو تداول بيانات أو صور أو تسجيلات تمس الحياة الخاصة دون رضا صاحبها، ولو كانت صحيحة، وقانون حماية البيانات الشخصية (الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022) الذي ينظم جمع ومعالجة ونشر البيانات الشخصية، ويشترط موافقة صريحة، ويقر مسؤولية قانونية على المخالف.
وأوضح أن المعلومات تعد حساسة وغير قابلة للنشر متى ما تعلقت بالحياة الأسرية والعلاقات الخاصة، مثل صور الأطفال أو كبار السن، البيانات الصحية أو النفسية، العناوين، أرقام الهواتف، الوثائق الرسمية، الخلافات العائلية أو الوقائع الشخصية. القاعدة القانونية: كل ما يفضّل الإنسان أو الأسرة بقاءه في الإطار الخاص لا يجوز نشره دون موافقة صريحة، مشيرًا إلى العقوبات القانونية على من يستغل محتوى يخص الأسر دون إذن، والتي تشمل الحبس والغرامة أو إحدى العقوبتين، بحسب جسامة الفعل، مع تشديد العقوبة إذا كان النشر بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحقيق منفعة، ومساءلة الأفراد والمؤسسات، بما في ذلك الصفحات الإعلامية والحسابات التجارية، وإلزام المعتدي بالتعويض المدني عن الضرر المادي والمعنوي.
وأضاف العبري: 'يمكن للأسر اتخاذ إجراءات قانونية من خلال توثيق الواقعة (صور، روابط، تسجيلات)، وتقديم بلاغ رسمي لدى الادعاء العام أو مركز الشرطة، ورفع دعوى جزائية ضد الفاعل، والمطالبة بتعويض مدني، وطلب إزالة المحتوى المخالف فورًا كإجراء تحفظي'.
تحديات
ولفت إلى أبرز التحديات القانونية التي تواجه الأسر، وهي صعوبة تحديد هوية الفاعل أحيانًا، وسرعة انتشار المحتوى قبل إزالته، والاستضافة خارج السلطنة، وضعف الوعي القانوني لدى بعض المستخدمين، وتداخل حرية التعبير مع حماية الخصوصية. موضحًا أن منصات التواصل تلعب دورًا مهمًا في حماية الخصوصية من خلال سياسات الإبلاغ وإزالة المحتوى، وتقييد الحسابات المخالفة، وتوفير أدوات الخصوصية والتحكم في النشر، والتعاون مع الجهات القضائية عند الطلب الرسمي.
ونصح المحامي بأهمية عدم نشر تفاصيل الحياة الخاصة، وضبط إعدادات الخصوصية، وتجنب مشاركة صور الأطفال، والحذر من التطبيقات غير الموثوقة، والتوعية القانونية لأفراد الأسرة، خاصة الأبناء، والمبادرة بالإبلاغ وعدم التهاون. كما يتم التعامل قانونيًا مع بلاغات انتهاك الخصوصية، حيث تُحقق الجهات المختصة في البلاغ، ويتم فحص الأدلة الرقمية، واستدعاء الأطراف المعنية، واتخاذ إجراءات جزائية أو تحفظية بحسب الحال، وقد يُحال الملف للقضاء المختص. مشيرًا إلى دور الجهات الحكومية في سنّ القوانين واللوائح، ومراقبة الفضاء الرقمي، وإنفاذ القوانين، ونشر الوعي القانوني، والتعاون الدولي في الجرائم العابرة للحدود.
واختتم حديثه قائلاً: 'نحن بحاجة لتحديث القوانين بشكل مستمر، لأن وسائل التواصل تتطور بسرعة، وتظهر أنماط جديدة من الانتهاكات (كالذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق)، مع الحاجة لموازنة حرية التعبير مع الخصوصية، وتعزيز الردع القانوني والوقاية المجتمعية.'
الوعي الرقمي
وقالت شهد الحضرمية: 'أرى أن تصوير تفاصيل الحياة اليومية هو حرية شخصية'، مشيرة إلى اعتقادها بقدرة منصات التواصل الاجتماعي على منح الأفراد مساحة واسعة للتعبير عن أنفسهم. وأضافت: 'لكن هناك من أدمنوا توثيق كل لحظة، حتى أبسط التفاصيل، كأنها جزء من حياتهم نفسها.'
وتابعت: 'هناك من يسعى لإظهار حياة مثالية لا تتفق مع واقعهم. هل يعاني هؤلاء من فجوة بين ما هم عليه فعليًا وما يرغبون أن يُنظر إليهم؟ في الواقع الافتراضي، نجد كثيرًا من الوجوه تحمل ابتسامات مشرقة، لكن خلف الكاميرا قد تكون هناك عواصف من المشاعر المختلطة. إنهم يسعون لإرضاء رغبة داخلية بأن يُنظر إليهم بطريقة معينة، مما يضعهم في قفص ذهبي من الصور السعيدة، بعيدًا عن الحقيقة.'
وبدأ سعيد العبري حديثه قائلاً: 'أصبح من الضروري تعزيز الوعي بالثقافة الرقمية، ونحتاج إلى فهم كيفية الحفاظ على خصوصية أسرنا في زمن تتسارع فيه الأحداث. فالتوازن هو المفتاح، وليس المقصود الامتناع الكلي عن النشر، بل التأكد من أن المحتوى الذي نشاركه يحمل قيمة.'
وأوضح أنه يجب احترام رغبة عائلاتنا وأصدقائنا، واستئذانهم قبل نشر أي شيء يظهرهم، مؤكدًا أن هذه خطوة بسيطة قد تعكس حرصنا على خصوصيتهم. وأضاف أن للتواصل الاجتماعي جوانب إيجابية، مثل متابعة الأخبار الحية، والمشاركة في الحملات الخيرية، والاطلاع على حالة الطقس، وحملات التوعية والتثقيف، مشيرًا إلى إمكانية تحويل هذه المنصات إلى بيئة لتبادل المعرفة والدعوات، بدل التركيز فقط على ما قد يضر بالعلاقات ويفسدها.
'ما نشاهده اليوم من نشر للخصوصيات والتفاصيل لا يناسب سنع مجتمعنا'، هكذا بدأت حليمة البوسعيدية حديثها، وقالت: 'هناك إيجابيات مثل توثيق لحظات جميلة غير خاصة، وتنمية المواهب والتثقيف في بعض المجالات، ولكن تصبح هذه المواقع سلبية عندما تتحول إلى كشف خصوصيات الأسر أو تقليد محتوى يتبع الترند ولا يليق بقيم المجتمع.' مؤكدة على أهمية ترسيخ الوعي الرقمي لدى الأبناء، وتوضيح مخاطر التصوير العشوائي، مع تشجيعهم على صناعة محتوى هادف يعكس الهوية الوطنية، ووضع ضوابط أسرية بسيطة مثل عدم تصوير خصوصيات البيوت والتركيز على المحتويات الهادفة.
وانتقدت إيمان الفارسية – تربوية – تصوير تفاصيل الحياة الخاصة بشكل مفرط ونشرها على منصات التواصل، وقالت: 'من الحكمة استخدام هذه المواقع بحذر ووعي. بعض اللحظات الجميلة مشاركتها أمر طبيعي ومقبول، لكن عندما يتجاوز الأمر الحدود ويصل إلى نشر تفاصيل الحياة الشخصية الخاصة، فهذا ينعكس سلبًا، فليس كل ما نعيشه صالحًا للنشر.'
من جهته، أكد علي المعمري أهمية أن تهتم وسائل الإعلام بتوعية الجمهور حول خطورة نشر أدق التفاصيل وأسرار البيوت، مشيرًا إلى أن ذلك يشكل انتهاكًا خطيرًا لخصوصيات الأسر. وأوضح أنه يجب الامتناع عن نشر المحتويات غير اللائقة، مع أخذ الحيطة والحذر عند مشاركة صور وتفاصيل الحياة الخاصة عبر مواقع التواصل، والحفاظ على خصوصيات الأسر وحماية البيوت من الاختراق، اجتنابًا للتعرض لأي مكروه.