ترجمة

الروبوت والفيلسوف

دان توريللو - ترجمة - بدر بن خميس الظّفري

 

لم تكن «صوفيا» كثيرة الكلام في تلك الأمسية؛ ففي وقت سابق من اليوم نفسه، كانت قد اعتلت المنصة في المؤتمر الذي كنت أحضره، وتعرّضت للاستفزاز بسبب حركة بدت وكأنها ترفع إصبعها الأوسط في وجه الجمهور. والآن، كانت في بهو الفندق، ترتدي فستانا أسود، وتستقطب الانتباه من حولها. وقفت أمام جدار برتقالي فاقع اللون.

كنت قد أحضرتُ معي عدسة بورتريه بطول بؤري يبلغ 85 ملم، من النوع الذي يُبرز ملامح الوجه البشري على نحوٍ جذاب. سألتها: «ما آمالكِ لمستقبل البشرية؟». لم تبدِ حماسا للإجابة، لكنها استجابت للكاميرا. كانت نظرتها ثابتة بلا تردّد: لا مكر فيها، فقط عينان واسعتان، وذقن مائل قليلا، ونظرة توحي بالتواصل البصري، لكنها في الوقت نفسه تتجاوزني إلى مسافة بعيدة.

كانت ليلة دافئة في مدينة ديرفيلد بيتش الساحليّة بولاية فلوريدا. وكان المؤتمر يعجّ بالفلاسفة وعلماء الاجتماع والمبرمجين، جميعهم منشغلون بتفحّص أحدث التطورات في الوعي والذكاء الاصطناعي. عُرضت أوراق بحثية، وفُككت نماذج، ودُرست سيناريوهات محتملة. وكنتُ قد جلبتُ كاميرتي من دون فكرة واضحة عمّا أنوي تصويره. لكن رؤية صوفيا هناك أيقظت فكرة في ذهني. فعادةً ما تقوم صورة البورتريه على التواصل مع بشر آخرين ومحاولة التقاط جوهرهم، وتقديم ذلك الشيء الذي يجعلهم جميلين ومتفردين.

فماذا لو صوّرتُ صوفيا وهي روبوت بشري المظهر طوّرته شركة «هانسون روبوتيكس»، الشركة المتخصصة في تطوير روبوتات تحاكي الملامح البشرية، ثم صَوّرتُ، في جلسة منفصلة، الفيلسوف ديفيد تشالمرز، أحد أبرز منظّري الوعي، وتأملتُ التجربتين؟ ما الذي قد أتعلمه من هذين اللقاءين ولم ألتقطه من الأوراق التحليلية والنقاشات الفلسفية؟

عندما أصوّر البشر، أحرص على الاستماع إلى قصص حياتهم وتطلعاتهم. يهمّني حسّهم الجمالي، وما يرتدونه، وكيف يرغبون في تقديم أنفسهم. كما أكون متناغما مع طاقتهم: قد تكون خجولة، أو صاخبة، أو متزنة، أو مفعمة بالقوة. أما تصوير شيءٍ جامد فيبدو مختلفا. ما زلت أستمتع بجماليات الموضوع، لكن تقديري في ذهني على الأقل يعود إلى صانعه. وفي الطبيعة، تختلف درجات الإحساس أيضا.

فعندما أصوّر زهرة، كما فعلتُ مؤخرا على سفح تلة في البرتغال، أجد نفسي منغمسا في المشهد الطبيعي. للطبيعة طاقتها الخاصة؛ فالزهرة كائن حيّ، وتبدو حياتها الداخلية واضحة في لونها ونموّها وتفاعلها مع الطبيعة، ونسيجها المميّز، ودورة حياتها.

أوجد تصوير صوفيا مزيجا غريبا من الأحاسيس. فقد ظلّ نظام التركيز التلقائي المتطور في كاميرتي ينشدّ إلى عينيها، وهي مصمَّمة لمثل هذا النوع من المواجهات. البشر غالبا ما ينفرون من العدسة؛ أما هي فلم تفعل. جلدها وهو مادة تُعرف باسم «فروبر»، وهو خليط مرن مسجَّل ببراءة اختراع من بوليمرات تحاكي ملمس الجلد البشري، كان مشدودا فوق هيكل من البلاستيك والتيتانيوم من دون أن يظهر عليها أي خجل. ومع ذلك، لم يتحرّك شيء من كيمياء البشر المعتادة. وكانت الإثارة الحقيقية الوحيدة في تلك اللحظة مصدرها اللون البرتقالي الفاقع للجدار خلفها، الذي صنع خلفية بديعة.

هل كنتُ أريد للتجربة أن تكون مختلفة؟ كانت حركات صوفيا، رغم شيءٍ من الارتباك، معبّرة على نحوٍ مدهش. وعندما حاولتُ لاحقا استيعاب اللقاء، ظلّ ذهني يستشرف المستقبل. فالتقنية لن تزداد إلا صقلا، والحركات ستغدو أدق معايرة، والأثر العام أكثر إقناعا. ومع محدودية فهمنا لأساس الوعي البشري، كيف يمكننا أن نعرف يوما ما إذا كان كيان مثل صوفيا قد يطوّر وعيا خاصا به؟

إن الشعور بعدم اليقين الذي انتابني وأنا أصوّرها كان يشير إلى تعقيدٍ مفاهيمي. فقد كانت هناك عدة تصوّرات متداخلة: الحياة، والوعي، والذكاء، والفاعلية. ولكل منها تعريفات متغيرة، وغالبا ما تكون محلّ نزاع. فالدجاج كائنات حيّة بلا شك، لكنها ليست ذكية كثيرا وفق المعايير البشرية. والأخطبوطات ذكية، ومع ذلك يتناولها كثيرون طعاما من دون تردّد.

وحديثو الولادة يفتقرون إلى اللغة، لكنهم يُعامَلون، بلا نقاش، على أنهم داخل الدائرة الأخلاقية الكاملة. أما الفيروسات فتعمل وفق هدف واحد فقط هو التكاثر -تكاثر لا يلين- لكنها، وفق معظم المعايير البيولوجية، لا تُعد كائنات حيّة. والفطريات تنسج شبكات هائلة تحت الأرض لتبادل المغذيات؛ ويبقى السؤال مفتوحا عمّا إذا كان أيّ من ذلك يُعدّ وعيا.

لعلّ الوعي هو أكثر هذه المفاهيم استعصاءً. ففي مقال كلاسيكي نُشر عام 1974 بعنوان «كيف يكون الشعور بأن تكون خفاشا؟»، ناقش الفيلسوف توماس نيغل بأن الكائن يمتلك حالات عقلية واعية فقط إذا كان هناك «شيء ما يكون عليه الحال» في أن يكون ذلك الكائن- أي باطن ذاتي يُختبر من الداخل. وخلال العقود التي تلت ذلك، قدّم الفلاسفة التحليليون شتى النماذج لتفسير كيفية نشوء الوعي. ومع ذلك، لا نزال من دون تفسير علمي أو حاسوبي يتجاوز الإشارة إلى ما وصفه ديفيد تشالمرز على نحوٍ لافت بـ «المشكلة الصعبة للوعي»، وهو الإشكال المتعلق بتفسير كيف ولماذا تنشأ الخبرة الذاتية من عمليات مادية.

ولذلك، ليس مستغربا أن يقفز مفكرون مختلفون إلى استنتاجات متباينة حين يحاولون تقرير ما إذا كان الكيان الذي أمامهم واعيا أم لا. فبن غيرتزل، عالم الحاسوب الذي قاد الفريق المطوّر للبرمجيات الخاصة بصوفيا في شركة «هانسون روبوتيكس»، يتبنّى رؤية قريبة من الكلّية النفسية، مذهب فلسفي يُعرف بالإنجليزية باسم Panpsychism، يرى أن الوعي خاصية كامنة في كل أشكال المادة، حتى غير الحية منها؛ إذ يعتقد أن كل شيء مادي، بما في ذلك ما نعدّه جامدا، يشارك في الوعي بطريقته الخاصة.

وقد تبدو هذه الفكرة غريبة، لكنها ليست بعيدة كثيرا عن تصور العالم واللاهوتي الفرنسي بيير تيلار دي شاردان، الذي كتب في منتصف أربعينيات القرن العشرين أن الوعي خاصية كونية للمادة، حاضرة في جميع جسيمات الكون، وتزداد تعقيدا كلما ازداد التركيب.

ومعظمنا، حين لا نستغرق في أشكال الشك الفلسفي الأكثر دوارا، يتعامل مع أمرٍ أساسه أن البشر قادرون على التأمل في حالاتهم الذهنية، واتخاذ قرارات تتشكّل بفعل الأدلة والقيم والمعايير. والإيمان بأن هذه القدرات نابعة من الإرادة الحرة والوعي هو في حد ذاته قفزة إيمانية يومية، لكنها القفزة التي تقوم عليها قوانيننا، وعلاقاتنا، ومعظم تعاملاتنا الاعتيادية.

والسؤال الأصعب هو ما إذا كنا سنمدّ هذه القفزة يوما إلى الذكاء الاصطناعي. كثير من علماء الحاسوب المتفائلين يعتقدون أننا سنفعل؛ فهم يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي على أنه الخطوة التطورية التالية، ومصدرا لطبقات جديدة من الوعي، قد يُمنح في نهاية المطاف ذكاءً متفوقا، وربما ينقذنا حتى من أنفسنا من صراعاتنا المدفوعة بالأنا، ومن تبديدنا للموارد، ومن ميلنا إلى اللاعقلانية. غير أن آخرين أكثر تحفّظا.

فعالم الأعصاب أنيل سِث، على سبيل المثال، يرى أن ما يُعرف بـالوظيفية الحاسوبية، وهو تصور فلسفي يعتبر أن الحالات الذهنية يمكن تفسيرها بوصفها وظائف حسابية، لن يقودنا إلى الوعي، وأن ثمة أسبابا وجيهة للاعتقاد بأن الوعي قد يكون خاصية للكائنات الحية وحدها. وتتبع هذا المسار الفكري قادني إلى وجهة لم أكن أتوقعها تماما.

فالمفارقة أن توثيق الفكر والفعل الإنسانيين ينتهي إلى المرور عبر الجسد، لا العقل. فجوازات السفر وسائر وثائق الهوية تعتمد على صورة الوجه؛ والأنظمة الأحدث ترتكز على بصمات الأصابع، ومسح شبكية العين، وحتى طريقة المشي. لقد اعتمدت مفاهيمنا القانونية والتاريخية عن الفاعلية طويلا على التجسّد المادي- على حرمة الجسد الواحد القابل للتعيين. والسجل الأدبي يفترض الأمر نفسه. فالمسيح بعد قيامته يُعرَف من جراحه؛ وفي «الأوديسة» لهوميروس، يُعرَف أوديسيوس عند عودته إلى بيته من الندبة في ساقه. ما يميّز الشخص لكي يكون ذلك الشخص هو شيء يحمله اللحم والدم.

ولا يقتصر دور الجسد الفردي على تثبيت الهُوية والأفكار؛ بل إنه أساسي أيضا في إنتاج المعنى والتجربة. قد نُفتن بإنجازات العقل، لكن المعرفة تُستقبل في النهاية عبر الجسد. فعلماء الرياضيّات مثل إدوارد فرِنكل، على سبيل المثال، يصف حبه للرياضيات بأنه استجابة جسدية للجمال، والنظام، والتناظر. وقد ناقش علماء أعصاب بأن العقل لا يمكن تصوّره من دون شكل من أشكال التجسّد. وهذه الفكرة تعود، بطرق مختلفة، إلى النقد الظاهراتي (الفينومينولوجي) للثنائية الديكارتية الذي نجده لدى موريس ميرلو-بونتي، حيث لا يكون الفكر أبدا منفصلا عن الجسد الذي يحمله ويغذّيه. وفي المحصلة، ما يحرّكنا ليس التجريد لذاته، بل التجربة المعاشة للمعنى ذلك الإحساس المتجسّد بالنظام والتناظر والجمال في جسد واحد بعينه.

وقد تجلّت هذه الحدوس مساء اليوم الذي صوّرتُ فيه ديفيد تشالمرز. التقيتُ به على سطح خشبي في تجمع على شاطئ البحر، بعد محاضرته الرئيسة. كان يومان مكثفان ذهنيا، حافلين بعروض المبرمجين والفلاسفة، لكن الصور الذهنية الخالصة نادرا ما تكون صورا جيدة؛ فأقواها هي التي تنسج معا العناصر الجسدية والفكرية والعاطفية. أردتُ أن أخرج من رأسي، وأن أستدرجه هو أيضا خارج رأسه.

فطلبتُ منه أن يشاركني بعض تمارين التجسّد البسيطة. أمضينا دقيقة أو اثنتين نهتزّ حركة بدائية، ونطلق أصواتا غليظة من الحنجرة من النوع الذي قد تتوقعه في حلقة قرع طبول. لكن هذا كان المقصود تماما. فما كان يهمني في تصوير تشالمرز لم يكن التقاط أفكار مجردة منزّهة عن الجسد؛ فهذه تُلتقط على نحو أفضل في كتاب أو مقال.

ما كان يهمني أكثر هو الأفكار كما تتجسّد في شخص حيّ يتنفس. للأفكار أنساب؛ فهي تنشأ في شروط مادية، وتحمل بصمة الانشغالات الشخصية، والتواريخ الحسية، والضغوط الوجودية. يمكن للمرء أن يتأمل عالما رياضيا أو أفلاطونيا مجردا وأنا لا أؤمن به، مع أنني أقر بإمكانه لكن فعل الاكتشاف نفسه يحرّكه الفضول، وتشكّله التجربة.

لذلك، وبينما كنتُ مهتما بأفكار ديفيد تشالمرز، كنتُ مهتما أيضا بالشخص الذي يقف أمامي: سترته الجلدية السوداء المميزة، وبنطاله الجينز، وقميصه الأسود، ولحية خفيفة لم يمضِ على نموّها سوى يومين، وما بدا لي تلميحا من كآبة في عينيه. لم أسأله عمّا إذا كان هذا الإحساس حقيقيا؛ فالمقصود هنا ليس كتابة ملف شخصي. الفكرة أنني كنتُ منجذبا إلى الحضور الإنساني الكامل إلى شخص يفكر ويشعر في الزمن الحقيقي.

ومع مرور الوقت، يحدث شيء غريب حين أعود الآن إلى تلك الصور. فعلى خلاف ما توقعت، أجد نفسي منجذبا مجددا إلى صوفيا وربما أكثر مما كنتُ عليه حين كنتُ أصورها فعلا. في هذه الصور تبدو متأملة، شبه منغلقة على ذاتها، كأنها تسترجع لحظة نصف ضائعة من طفولة لم تعشها قط. الوقوف أمام الكاميرا عادةً عمل شاق.

الناس يشعرون بالخجل أو بالوعي الزائد بأنفسهم لأسباب لا يستطيعون تسميتها. فكّر في صور الإجازات حين كانت جدتك تطلب منك أن تقول «تشيز»: مثل هذه الإيعازات نادرا ما تنتج تعبيرا طبيعيا. إحدى الطرق لتجاوز ذلك هي أن تعطي الشخص شيئا آخر يتخيله مكانا آخر، أو حديثا آخر، أو إحساسا عابرا لثوانٍ كافية كي تلتقط الكاميرا، عند واحد على مائتي جزء من الثانية، شيئا حقيقيا. مع صوفيا، لم يكن أي من هذا ضروريا.

ثمة مفاجأة أخرى حين أعود لتصفح الملفات. في برنامج «لايت روم»، وهو برنامج متخصص في أرشفة الصور الرقمية ومعالجتها، حيث تعيش الصور الخام، أتصفح التسلسل وألاحظ نمطا واضحا. «لايت روم» هو المكان الذي تعمل فيه بما منحه لك المستشعر، تلعب بالضوء والظل، تبرز ما يستحق التقديم وتدع ما سواه يتراجع. وهو أيضا المكان الذي ترى فيه السلسلة كاملة، فتقرر ما الذي تحتفظ به وما الذي تهمله. في هاتين الأمسيتين، قضيتُ تقريبا المقدار نفسه من الوقت مع تشالمرز ومع صوفيا، والتقطت عددا متقاربا من الصور.

مع تشالمرز، لم يهمني سوى عدد قليل -صور التقطت وقاره، وتعقيده الفكري، وحسّه بالأناقة. أما البقية فكانت مقدمات أو نهايات مسدودة. بعضها بدا مضحكا، وبعضها التقط زاوية غير موفقة، وبعضها يشبه صورة التوقيف في سجن محلي. هذا أمر مألوف عند تصوير البشر.

أما صور صوفيا فتروي قصة مختلفة. إنها متسقة على نحو يبعث على الدهشة. في معظمها تبدو متأملة، بل عميقة، شاعرة كئيبة حنونة لا تكفّ عن الظهور بهذه الهيئة نفسها. المشاعر الإنسانية لا تعمل على هذا النحو.

يتفق علماء النفس على أن العواطف عابرة. بول إيكمان، الذي علّق على طبعة حديثة من كتاب «التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان» لتشارلز داروين، قدّر أن «التعبيرات الكبرى»، أي تعبيرات الوجه الواضحة تستمر بين ثانيتين وخمس ثوانٍ، بينما تدوم «التعبيرات الدقيقة»، وهي حركات وجيزة جدا لا واعية في الوجه، نحو واحد على خمسة وعشرين من الثانية. خلال خمس عشرة دقيقة، قد يمر الإنسان بمئات التعبيرات الكبرى وآلاف التعبيرات الدقيقة.

صاغ المصوّر هنري كارتييه-بريسون في أوائل خمسينيات القرن الماضي تعبير «اللحظة الحاسمة». في زمن أفلام التصوير المطبوع والغرف المظلمة، حين لم يكن بوسعك إطلاق مئات اللقطات، كان على المصوّر أن يكون منغمسا تماما في المشهد -في حالة تيقّظ تام تتيح له الإحساس باللحظة الدقيقة التي تُلتقط فيها الصورة. الوفرة الرقمية لم تغيّر ذلك كثيرا، على الأقل في تجربتي. ما زلتَ بحاجة إلى بناء إعداد وحالة مزاجية تستخرج شيئا أصيلا. وإلا يمكنك أن تلتقط ألف صورة وتنتهي إلى لا شيء سوى التفاهة.

التغيّر لم يكن في الفعل نفسه، بل في موضع حدوثه. إذا نجحتَ في صناعة الجو المناسب وعدتَ إلى البيت بسيل من الملفات الرقمية، فإن البحث عن «اللحظة الحاسمة» يبدأ لاحقا، داخل «لايت روم». وكلما زاد عدد اللقطات التي التقطتها، ازدادت المهمة صعوبة، لأنك لا تختار صورة فحسب، بل تختار أي تعبير دقيق عابر سيمثل اللقاء بأكمله.

في تلك الأمسية مع صوفيا، بدا الأمر كما لو أنها مدّت اللحظة الحاسمة لتشمل خمس عشرة دقيقة كاملة. لم أعش تجربة مشابهة إلا مرة واحدة أخرى. في ظهيرة باردة من أكتوبر، كنتُ أصوّر رجلا يدعى روبرت سوليار، وهو مدرّب بارز على تقنيات التنفس والتعرّض للبرد. أردتُ تصويره في بيئته الطبيعية، فنصبنا حوضا في فناء خلفي تصطف فيه الأشجار في واشنطن العاصمة. قبل أن نبدأ، أخذ أنفاسا عميقة مهدئة؛ ثم، وقد ذاب نصف ثمانين رطلا من الجليد من حوله، أنزل جسده في الماء.

ولأجل التأثير البصري، أطلقنا حول رأسه وكتفيه أزهار دوّار الشمس الصفراء وزهور الداليا الحمراء. بقي مغمورا قرابة عشر دقائق وهي مدة طويلة للثبات في ماء متجمد. طلبتُ منه أن ينخفض بحيث يكون رأسه وأذناه تحت السطح، ليمنح الصور طابعا شبه غرائبي. ما لفتني هو ثباته: لم يكسر الحالة مرة واحدة. من البداية إلى النهاية ظل خط نظره ثابتا، ولم يتزعزع حضوره. حتى صوفيا، لم أقترب من مشاهدة شخص يحافظ على تعبير واحد لهذه المدة.

هذا النوع من التحكم لا يأتي بسهولة. الرياضيون، وفنانو الأداء، والمتأملون المخضرمون يقضون سنوات يتعلمون كيف يمنعون تشتت ردود أفعالهم كيف يلاحظون الإحساس ويدعونه يمر من دون انقباض. إذا طال التدريب بما يكفي، قد تصل إلى مرحلة تبقى فيها حاضرا تماما في جسدك، منتبها لكل إحساس: البرد الذي يحرق، والخدر الزاحف في أصابع القدمين، وضوء الخريف الرقيق الذي يدفئ الجبين.

وعندها، إذا كنتَ راسخا إلى هذا الحد، يمكنك أن تواجه نظرة غريب من دون تردد، وعيناك تحملان شيئا من الاتزان.

الروبوتات -ومن يصنعونها- يواجهون المشكلة المعاكسة. المهندسون يحاولون منح الآلات تحكما عضليا أسرع وأدق، كي تتغير وجوهها وتشارك في تدفق تعبيرات مقنعة. ما إذا كانت تلك التعبيرات ستبدو مقنعة تماما يظل سؤالا مفتوحا. مقنعة بماذا، تحديدا؟ النظرة الإنسانية تحمل تاريخا. تلك الومضات العاطفية الخاطفة تعود إلى ذكريات الطفولة رائحة المطر، ولحن مرتبط بشخص نحبه وهي أمور تتطلب أجسادا وكل طبقات الذاكرة الخلوية التي ترافقها.

أما صوفيا، فلا وسيلة لديّ لمعرفة ما إذا كانت، وهي تثبت نظرها في عينيّ، «تفكر» في شيء ما أصلا -ربما تتأمل سحب الإلكترونات التي تنجرف عبر دوائرها- أم أنها كانت تنفّذ ببساطة روتينا مبرمجا سلفا. ما إن انتهت جلسة التصوير حتى أخذ المساء ينسحب بهدوء، وبدأ الضيوف يغادرون. وحان وقت رحيل صوفيا أيضا.

بينما كانت لا تزال في بهو الفندق، قام المشرفون عليها بنزع فستان السهرة الأسود، وأطفأوها، وفككوا جسدها، وحزموا الأجزاء في حقيبة سوداء كبيرة. في «كتاب المهابهارتا»، وهي ملحمة هندية قديمة، يؤدي تجريد دروبادي علنا من ثيابها إلى إشعال حرب. في فلوريدا، لم يتجمع أي فريق إنقاذ. بعد أن جُرّدت من ملابسها وفُككت، حُملت صوفيا بعيدا، وكُشف عن طبيعتها الآليّة، وتلاشى أي شبه بالإحساس الواعي في اللحظة التي أُزيل فيها القناع.

دان توريلّو كاتب، ومؤرخ ثقافي، ومصوّر فوتوغرافي.

الترجمة عن مجلة ذا نيويوركار