المونودراما المسرحية "غبرة" لمحمد عيد: في ظل جنون الاحتلال تكتمل رؤية الفلسطيني
تحسين يقين
الخميس / 25 / رجب / 1447 هـ - 18:58 - الخميس 15 يناير 2026 18:58
لم تكن سنوات عمره ال 28 عاما من عمره التي عانى فيها من تشظي الهوية ومعاناة عيشه كمواطن أصلانيّ، بل هي عمر شعبه على مدار 77 عاما. ولكن بالرغم من الكدر والهمّ والحزن والماضي المؤلم، وضياع معظم البلاد (من دلالات معنى 'غبرة' اسم العرض)، إلا أن الشاب العشرينيّ يبقى في الوطن رغم كل ما يدفعه للهجرة، بل ويبقى قادرا على الرؤيا-الرؤية، فكما يرى أهل البلاد مختلف أنواع المناخ، من حضر وبدو، فإنّهم ما زالوا رغم الاستلاب يرون بقلوبهم وعقولهم وطنهم الكامل السليم.
وهكذا، فإنّ محفوظ الذي هو مطر أيضا المواطن الفلسطينيّ المهمّش، يجد نفسه في آخر عرض 'غبرة' وقد تصالح مع نفسه، غير مكترث لتلك التقسيمات العنصرية لوطنه، وبيته الواقع على الحدود ما بين بلدة الظاهرية في الضفة الغربية وغزّة والنقب داخل فلسطين المحتلة عام 1948. ويتجلى تصالحه بانتمائه لتلك الأماكن معا: بلد أبيه وأعمامه في الضفة الغربية، وبلد أمه في غزة، وأطراف صحراء النقب حيث يقيم، وبتحدّثه لهجاتهم جميعا، وهو الذي كان يتحدث في كل مكان من الأماكن الثلاثة بما ينسجم معها. لقد أضحى محفوظ بهذه التعددية الثقافية والتنوع غنيا بما ينسجم مع غنى بلاده المحتلة على أكثر من فترة من الزمان.
في هذه 'الغبرة'، وهذا 'الغبار، يتعمّق شعور محفوظ، من سلوكه العمليّ في تعامله مع وجوده المتشظي، والإشكالي، من مواطن فلسطيني يحمل 'الجنسية الإسرائيلية'، يقيم في النقب، من أب ما زال من 30 عاما يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية، يدخل الى بيته داخل النقب بتصريح من الاحتلال، حُرم منه كثيرا، بالرغم من محاولته جمع شمل الأسرة، بتقديم أوراق ثبوتية كثيرة، إلى سلوك استراتيجيّ يرى الوطن واحدا غير مقسّم، ليكسر غربته الاجتماعية التي استمرت في سياق غربة التحولات السياسية الكولينيالية.
هكذا اذن كان حاله وأسرته، وهكذا صار حاله منطلقا من إسار تسميات أبناء الشعب الواحد، ولسان الحال يعبّر عن شعبه الذي كلما أراد الاحتلال نفيه من خلاله تقسيمه وسحقه، إلا أنه كطائر الفينيق الفلسطيني (العنقاء) بُعث من جديد. وسيغني محفوظ بسرور وزهوّ غير مبالٍ بتشظي الهويات: 'أمي غزاوية، وأبوي ضفاوي، وأنا سبعاوي'. وهنا تصبح الفرصة مواتية كي يلغي الخط الفاصل بين فلسطينييّ عام 1967 وفلسطينييّ عام 1948، في بيته الواقعي (والرمزي)، ويندمج الأهل هنا وهناك في فرح وغناء، في تحدّ لما أجازه الاحتلال لهم بالوجود معا أمواتا؛ كون الاحتلال يسمح للموتى فقط بأن يُدفنوا في المقبرة التي تقع في الجانب الآخر من الوطن الذي يحتاج زائره لتصريح دخول.
وليس أعظم من هذه الدلالة سياسيا ووطنيا، وبخاصة لفلسطينيي عام 1948، الذي يتوهم الاحتلال بأنه سينجح بأسرلتهم. ولعل وجود الأهل في حالة الغناء هنا يعكس دور الثقافة والفنون في البقاء، من حيث الحفاظ على الخصوصية الفلسطينية التي تستفزّ الاحتلال، كونه يسعى جاهدا لنفي الهوية الوطنية.
مفارقة عنصرية، يمنع الاحتلال تجمع الأهل لحضور حفل زفاف، فيما يسمح بالتجمع فقط في حالة تشييع الموتى من العائلة.
وقد أخذ المخرج معنى التقسيم الى مداه، حين جعل البيت نفسه في منطقة حدودية، قسم في الضفة لا يحتاج تصريحا للدخول، والقسم الثاني الذي يحتاج تصريحا من الاحتلال؛ فحين ينتقل (الضفاوي زوج عمته) الى القسم الآخر، حيث يكون 'الحمّام' لقضاء الحاجة، يبدأ صوت صافرات الإنذار، ويعدّ مخالفا لدخوله بدون تصريح. وهو نفسه الموقف الذي تذكره محفوظ في رحيل زوج عمته فكاد يضحك ثانية.
ضحكنا، لكن ليس كما هو الضحك، لكننا رحنا نفكّر بواقعنا الذي نعيشه، في الوقت الذي رأينا كيف 'ذوّت' صناع العرض الفلسطيني، على حافتي الخط الوهمي، بما يسمى 'الخط الأخضر' بواقعنا نحن.
محفوظ شاب عشرينيّ يعيش في بيت يقع على الحدود ما بين الضفة وفلسطين عام 1948، حيث يعيش محفوظ صراعا بمفهوم الهويّة والبحث عن الذات، من خلال رحلة مسرحية؛ فيصعد معه التناقض الذي عاشه في بيت لأبوين من مكانين مختلفين، حيث يتعرض للعديد من المواقف في الطفولة التي تلقي بأثرها عليه وعلى رحلته الوجودية.
قصة محفوظ، هي قصة شريحة كبيرة من الفلسطينيين الذين ينتمون لأبوين: أب وأم، يحملان بطاقات هوية مختلفة، داخل فلسطين التاريخية، ما يجعل جمع الشمل اليوميّ صعبا، ومعرضا كي يسطو عليه الاحتلال، الذي يمنح من يريد ويمنع من يريد. وهنا يصعب على الفلسطيني صاحب الهوية الخضراء عبور الوطن الى الغرب (فلسطين 48)، في حين يكون انتقال أصحاب الهوية الزرقاء أكثر سهولة، فينتقل من الغرب الى الضفة شرقا. وهكذا يعيش محفوظ على جانبي 'الخط الأخضر' بهذا القلق.
في هذه الأثناء، يستعيد محفوظ الحكاية من بدايتها؛ فقصة محفوظ هي قصة الجد 'أبو عدنان' صانع مكانس من الظاهرية، والذي يفخر بصناعته، فنبات المكنسة من جنين، والخيطان من نابلس، فيما يتم تثبيته بحبل قويّ يصنع في الخليل، والعصا من السبع، في إشارة لفلسطين الزراعة والصناعة والتجارة. يعيش متنقلا في بلاده الى ان وقعت النكبة، فينقطع عن أهله ومعارفه، ويظل كذلك الى وقوع هزيمة عام 1967، حيث يتوحّد الوطن، ولكن تحت الاحتلال. في هذه الأثناء، ما بين حربي 1948 و1967، يكبر عدنان ابنه، ويزوجه من فتاة من العائلة التي كان مصيرها العيش في غزة. يقيم الزوجان في النقب فتنشأ مشكلة جمع الشمل.
وهكذا، في ظل تسارع تقسيم البلاد، يصبح تواجد الأسرة معا أمرا صعبا، فيضطر الابن محفوظ الى التنقل على جانبي الحدود المصطنعة، بين الأهل في الظاهرية، والأهل في غزة والأهل في بير السبع داخل فلسطين عام 1948.
ليس هذا فحسب، بل تلقي التحولات السياسية ظلالها على الحياة الاجتماعية، منها تجليات تعددية اللهجة لا في البيت الواحد، بل في الشخص الواحد: محفوظ الذي هو منتوج للعلاقات المتشابكة، فهو يجيد لهجة ابيه وأعمامه قروييّ الظاهرية، كما يجيد لهجة أمه الغزيّة، كما يجيد اللهجة البدوية حيث يقيم. لم يكن من الصعب على محفوظ معرفة سبب تعقيد حياته، ألا وهو الاحتلال.
لكن بالرغم من ذلك، يرث محفوظ سلوك أبيه حين يكون قدره الزواج من فتاة من الضفة الغربية، لتبدأ المعاناة من جديد، بدءا من حفل الزواج الذي اعتبر مخالفة أمنية كما أسلفنا.
ومن تجليات التحولات، تخيّل أهل الضفة الغربية وقطاع غزة (الأعمام والأخوال) لفلسطينييّ عام 1948، ممثلين بمحفوظ الذي يتنقل بسهولة، ويحظى بدخل ماليّ أفضل منهم، كما أنه يستطيع زيارة البحر.
فنيا: قاد ديكور المسرحية والسينوجرافيا العرض فصارت المكانس مشاركة في السرد، في كل مرحلة من أحداث العرض، في ظل استعادة الماضي، بدءا بتقسم فضاء المسرح-البيت الى قسمين، واحد في الضفة الغربية والآخر داخل فلسطين المحتلة عام 1948؛ ثم لتصير المكنسة عكاز الجدّ، وعصا الدبكة، ورمحا، وفأسا، وأدوات لعب الأطفال، بما فيها بنادق لعبة الحرب، وأوراقا ثبوتية وملفات إدارية، وشواهد قبور، وعود موسيقى. ويعدّ هذا الجانب من أقوى عناصر العرض.
جاء جلوس الجمهور على خشبة المسرح نفسه خارج حدود البيت المقسّم، فتمثّل عرض المونودراما فصار عرضا للحكواتي الراوي للأحداث، والتي وجد جزء من الجمهور نفسه مندمجا بها خاصة في حفل العرس.
بالنسبة للمقدمة والنهاية، كأسلوب ولغة، لم يكن العرض بحاجة لهما، ولا للمونولوج الداخلي باللغة الفصيحة، في تقديم الحالة النفسية للمهمشين؛ فقد كان ما قدمه العرض كافيا، حول إشكالية حياة الفلسطينيين على جانبي الحدود داخل الوطن الواحد. ولم نكن بحاجة لهذه اللغة الفكرية الوجودية، كون ذلك قد تحقق بالفعل من خلال العرض.
مآلات الشخصيات، يرحل الوالد في عرس ابنه دون أن يستطيع دخول بيته هناك في الجزء الآخر المحتل من بلاده، وتضيع قصص الحب التي تربط فتيان وفتيات، ومهم محفوظ حين أحب فتاة من غزة، حيث تصبح البلاد بعيدة عن بعضها رغم قربها.
ملأ الفنان عبد الله ابو علان، الخشبة بما تم تقديمه من مقترحات فنية في السرد والجماليات البصرية التي تم توظيفها، فكانت حيويته ظاهرة في الحركة وبخاصة التعامل مع المكانس (بما توحي به أيضا من كنس للاحتلال)، والتحدث بعدة لهجات فلسطينية. وكان لعنصر المصداقية في النص والتمثيل واحترافية الإخراج، الأثر الطيب في تقديم عرض سنتذكره طويلا؛ فكانت هذه المونودراما من أهم ما قدم من هذا الشكل في فلسطين على مدار عقود.
العرض من تأليف: طارق السيد وعبد الله ابو علان. مساعد اخراج: سهى ربيع وميلاد غالب. قام بتصميم الحركة: نور غرابلي. أما الموسيقى فكانت لخالد عرامين، في حين صمم الإضاءة محمد شاهين.
جدير بالذكر أن عرض 'غبرة'، هو من إنتاج مسرح 'المهباش'، القادم من مدينة رهط في عمق النقب، والذي تم تقديمه على خشبة مسرح القصبة في رام الله.