أفكار وآراء

ترشيق الجهاز الإداري للدولة بنكهة اقتصادية

الحكومة الرشيقة هي نهج يستخدم عادة في القطاعات العامة؛ الهدف منه التركيز على العمل عن طريق تطبيق الاستراتيجيات الحكومية التي تستطيع التعاطي مع متطلبات المواطنين، وتتكيف مع التحولات الاقتصادية، والأحداث العالمية، والابتعاد عن النهج التقليدي الذي يُوسم بالبيروقراطية.

كما تركز الحكومة الرشيقة على المؤشرات والنتائج وتتميز بقابليها المرنة نحو الاستجابة للتغيير أكثر من النهج الحكومي التقليدي في إدارة شؤون الدولة. وتكون الحكومة رشيقة ليس في إحداث تغيير مستمر في أنظمتها وقوانينها ووحداتها الحكومية ولكن أيضا في أن يكون لذلك التغيير أثر يلمسه المواطنون ويؤثر على مسارات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

منذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم اتخذت الحكومة نهجًا متميزًا في تطبيق مبادئ الحكومة الرشيقة؛ فقلما يتم الإبقاء على الهياكل التنظيمية لفترات طويلة -كما كان سابقا- بل تعمل الحكومة في إحداث تغييرات غالبا كل سنتين، في حال الضرورة وبناء على نتائج التقييم؛ وهذا مشاهد في تغيير وتطوير الهياكل التنظيمية الذي شمل أغلب الوحدات الحكومية خلال الخمس سنوات الماضية.

طبعا هذه الرشاقة في التغيير لم تشمل الهياكل التنظيمية ولكن تشمل التشريعات واللوائح والأنظمة التي هي أساس العمل الحكومي، وطبقا لتصريح أحد مسؤولي وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان فقد أشار إلى الحاجة لاستحداث وتعديل وتطوير ما يقرب من (150) تشريعا خلال زمن الرؤية.

في مقالنا السابق، الذي تحدثنا فيه عن «ملامح التغيير في خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة» أشرنا إلى أن ملامح ذلك التغيير هو التحول من القرار المالي إلى القرار الاقتصادي عند النظر في تنفيذ الخطط التنموية، وبالتالي، من الوهلة الأولى للتشكيلة الوزارية التي من بين أبرز عناوينها الرئيسة إعادة مسمى «نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون اقتصادية».

الذين عايشوا فترة التسعينيات من القرن الماضي، قد يتذكرون وجود منصب حكومي تحت مسمى «نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية» ويتبعه قطاعان، الأول للشؤون المالية والثاني الشؤون الاقتصادية. بيد أن الظهور الإعلامي كان بارزا ومسيطرا عليه هو القطاع المتعلق بالشؤون المالية، مع غياب حضور القطاع الاقتصادي إلا عند التصريحات الرسمية السنوية لتقييم الأداء الاقتصادي.

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أهمية الجوانب المالية في دعم الخزانة العامة، وفي ضعف تركيبة الشركات التي تدعم الحركة الاقتصادية؛ حيث كانت تلك الشركات عبارة عن وكالات لشركات أجنبية أو فروع لها. وبالتالي، كان واضحًا في مقدمة القوانين التي صدرت في تلك الحقبة من الزمن، تلك المتعلقة بالوكالات التجارية.

ولكن لكل مرحلة ظروفها وتداعياتها الاقتصادية، وبالتالي، رؤية القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- للوصول بسلطنة عُمان إلى الريادة والتنافسية على المستويين الإقليمي والدولي تقتضي إيجاد جهاز إداري رشيق يمتلك الكفاءة التنظيمية على قيادة الملف الاقتصادي بحيث يستطيع تشخيص الحلول ويكون لديه القدرة على التدخل السريع لتذليل العقبات التي تعترض النمو الاقتصادي، نظرا لأن الدول أصبح لديها شغف الاستيلاء والاستحواذ على الاقتصادات الضعيفة وهذا مشاهد في شدة وتيرة التنافس الإقليمي والدولي.

ولمواجهة التقلبات الاقتصادية والتأكد من التطبيق السليم للخطط الخمسية -كما أشرنا سابقا- فقد سيطر التوجه الاقتصادي المتمثل في إعادة مسمى «نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية»، رغبة في إيجاد مستوى تنظيمي أعلى بالجهاز الحكومي للدولة متدرج السلطات والصلاحيات، التي من شأنها أن تُسهم في دعم القرار الحكومي وتعطي توجيهات مباشرة، وتتابع تنفيذ الخطط والبرامج الاستراتيجية التي تقوم بها السلطة التنفيذية، وهي وزارة الاقتصاد والوحدات الحكومية المساندة لها.

كما توجد حوكمة لتفعيل المسار الاقتصادي تتمثل في إعادة مسمى «المستشارون والخبراء» الذين يستطيعون تقييم الخطط والبرامج الحكومية ويعطون تغذية راجعة من أجل رفع مستوى الأداء والتنفيذ وتكامل الأدوار بين مستويات اتخاذ القرار الحكومي.

واستكمالا لتطبيق الرشاقة الحكومية ذات النكهة الاقتصادية في تشكيلة مجلس الوزراء فأصبح واضحا ضخ الكفاءات العمانية من القطاع الخاص بمنحهم حقائب وزارية.

تلك الكفاءات عايشت ما يحتاج إليه القطاع الخاص والمواطنون من الحكومة، ولديها تنوع في الخبرات حيث لم تعمل في قطاع معين لسنوات طويلة -كما هو الحال في أغلب الوظائف بالقطاع الحكومي- ولكنها تتنقل من قطاع آخر إلى آخر؛ وبالتالي، رصيدها من المهارات والخبرات الميدانية أكثر، وينتظر منها أن تقضي جل وقتها ليس في دواوين الوزارات التي تشرف عليها، ولكن في أرض الواقع تتابع ما يتم تنفيذه وتعمل على تقييمه وقياسه ومدى مساهمته في الوصول إلى التطلعات الوطنية حسب مؤشرات قياس الأداء السنوية.

ولكي يستطيع الجانب الاقتصادي العمل بالتكامل بين وحدات الجهاز الإداري للدولة بالرشاقة الحكومية شمل الترشيق أيضا «وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان» وذلك بدمجها مع وزارة الاقتصاد للعمل بروح الفريق الواحد؛ حيث إن هناك تشابهًا أكثر مما هو اختلاف في المنطلقات والأهداف في وزارة الاقتصاد ووحدة متابعة تنفيذ الرؤية، الذي أغلبه يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي للبرامج والمشاريع والمبادرات الحكومية وقياس الأداء عن طريق المؤشرات المحلية والخارجية؛ وبالتالي، قد لا يستقيم قيام وحدة رؤية عُمان بممارسة اختصاصات الجودة والتميز الحكومي التي تم نقلها لجهة حكومية أخرى، فهذه أعمال تنفيذية يومية وليست تخطيطية.

وإن كان ترشيق الجهاز الإداري للدولة له فوائد للتحسين والتطوير، فإنه قد ينجم عنه بعض من المخاطر؛ ومنها أن السرعة في إجراء تعديلات هيكلية قد تقضي على استدامة التطوير التي بدأتها الفرق الأولى، وأيضا الرشاقة قد تنجح أو تفشل، وهذا يساهم فيه الحس القيادي للمسؤول الحكومي.

فهناك قيادات تحتاج إلى وقت لمعرفة طبيعة الأعمال والتكيف من المناخ الحكومي الذي غالبا يتصف بالبطء في تقبل التحديث والتجديد. كما أن بعض القيادات التنفيذية قد تأخذ مسارا آخر من الانعزالية أو البحث عن بدائل، في حال لم يكن لها نصيب من الترقي الوظيفي بسبب أن القيادة الجديدة جاءت من خارج المؤسسة الحكومية التي يعملون بها لسنوات. وأهم من ذلك مخاطر عدم الاستقرار أو إغفال الجوانب الاجتماعية في حال وجود خلل في التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وبين تطلعات المواطنين التي تحتاج إلى تحسين لظروفهم المعيشية بشكل مستمر، إذا ما علمنا بأن الميزانيات الحكومية تعاني من الثبات وغير رشيقة ولا تواكب التغيير الذي يحدث في الوحدات الحكومية.

وإن كان هناك من يظن بأن دمج الوزارات الحكومية من شأنه أن يجعل الهرم التنظيمي أكثر اتساعا وبالتالي يؤثر ذلك على سرعة البت في القرارات الحكومية، والاستجابة للمتغيرات الداخلية والخارجية، فإن كل ذلك يمكن حله باستخدام الأدوات الرقمية والحكومة الإلكترونية.

كما أن بعض جوانب الدمج ليست جديدة، ومن ذلك ما حدث من دمج وزارتي التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة واحدة «التعليم»، فهذا نهج تم استخدامه على المستوى الإقليمي منذ سنوات، وأيضا في الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يوجد بها وزارة مخصصة للتعليم العالي، وإنما وزارة اتحادية للتعليم تشرف على التعليم المدرسي والعالي.

كما قامت المملكة العربية السعودية منذ سنوات، بدمج الوزارات المعنية بالتعليم لتكون في وزارة واحدة؛ وبالتالي، الرشاقة الحكومية الجيدة هي التي تستفيد من التجارب الناجحة بتطبيق نماذج تتوافق مع سياساتها الوطنية.

الرشاقة الحكومية المتمثلة في النكهة الاقتصادية التي طغت في تشكيل مجلس الوزراء هدفها التحول نحو تسريع الزخم الاقتصادي ومواصلة النمو نحو التطبيق السليم للأهداف الوطنية المضمنة بالرؤية المستقبلية لسلطنة عُمان، ليشعر المواطن بأن تلك الرؤية وجدت لتلامس آماله وتطلعاته وليس مجرد مؤشرات يتم قياسها، بل تكون واقعية وتعمل على رفع مستوى الرفاه الاجتماعي.

كما أن ترشيق الجهاز الإداري للدولة من أهدافه أيضا، تسريع تنفيذ الخطط الخمسية في ظل التوجه نحو بناء مركز مالي عالمي لسلطنة عمان، وبالتالي، كان لازما أن يكون ترشيق الجهاز الإداري للحكومة يغلب عليه المحور الاقتصادي.