أفكار وآراء

تغييب المدنيين عن مفاوضات السلام السودانية

ترجمة: بدر بن خميس الظّفري

تميل معظم المقترحات المطروحة لإنهاء الحرب المدمّرة الجارية في السودان إلى إقصاء المدنيين عن المشهد. ولا يقتصر هذا الإغفال على تجاهل الحديث عن العدالة لضحايا الإبادة والاغتصاب، بل يتجاوز ذلك إلى الامتناع عن إعطاء أولوية حقيقية لحماية المدنيين من الفظائع. فالغالبية الساحقة من هذه المقاربات انصبت على تأمين وقف إطلاق نار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تاركة المدنيين العزّل فريسة مباشرة للأطراف المسلحة. والمبادرة الأميركية الأخيرة ليست استثناءً من ذلك.

غير أن جميع الفظائع الكبرى، من الإبادة التي شهدتها الجنينة في أبريل 2023 إلى الإبادة التي وقعت في الفاشر في أكتوبر الماضي، جرت في ظل غياب القتال بين الطرفين المسلحين، أي في ظروف كان يُفترض أنها أقرب إلى وقف إطلاق النار.

فقد حدثت إبادة الجنينة قبل امتداد الصراع إلى دارفور، حين لزمت وحدات الجيش السوداني، التي كانت أقل تسليحًا، ثكناتها، فيما نفذت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي.

أما ما تلا ذلك في الفاشر، فقد وقع بعد انسحاب الجيش وحلفائه من المدينة. وفي الحالتين، كان وقف إطلاق النار قائمًا بالكامل عندما ارتكبت قوات الدعم السريع أخطر جرائمها. وما كان مطلوبًا آنذاك، قبل أي شيء آخر، هو توفير قوة كافية لحماية المدنيين. وتُظهر تجربة العامين الماضيين بوضوح كيف أن وقف إطلاق النار من دون ضمانات قابلة للتنفيذ لوقف الانتهاكات، لا يؤدي إلا إلى تعريض المدنيين لأبشع صور الاعتداء.

أتذكر، قبل أشهر من مأساة الفاشر، أنني قلت لدبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، خلال نقاش حول الاحتياجات الإنسانية في السودان، إن الحاجة الأكثر إلحاحًا تتمثل في تعزيز قدرة الجيش السوداني على الدفاع عن المراكز الحضرية المهدَّدة، ومنع تكرار ما آلت إليه الفاشر. وفي الخرطوم، أدت الهدنة القصيرة والناقصة في الأسابيع الأولى للحرب إلى احتجاجات من المدنيين، لأنها منحت قوات الدعم السريع وقتًا وموارد إضافية لاستهداف الأحياء السكنية. ومع ذلك، أصرت الهيئات الدولية، من دون تفكير، على المطلب نفسه، متجاهلة النتيجة الواضحة المتمثلة في أن «وقف إطلاق النار» من دون ضمانات لوقف الفظائع لا يعني سوى التواطؤ في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

وقد يكون الاستثناء الوحيد هو «إعلان جدة» في مايو 2023، الذي لم يُنفَّذ قط. فعلى الرغم من أن الاتفاق المؤقت رعته السعودية والولايات المتحدة، فإن «البروتوكول الإنساني» الذي استند إليه جاء من مجموعة أفريقية غير رسمية ترأسها الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي. ومع ذلك، لم يمارس الرعاة، ولا الاتحاد الأفريقي، ولا أي جهة إقليمية أو دولية أخرى، ضغطًا حقيقيًا لتطبيقه.

أما خطة السلام الأخيرة التي طرحها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، فقد بدت وكأنها تحاول إحراز تقدم في الحد من الفظائع ضد المدنيين. غير أن الخطة اتسمت بسذاجة واضحة في افتراضها أن قوات الدعم السريع ستنصاع وتختفي بمجرد صدور الأوامر.

وقد قُدّمت الخطة في خطاب مفاجئ أمام مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر 2025، وبدا أنها غير مكتملة الإعداد، من دون مشاورات داخلية كافية، ولا تنسيق مع الشركاء الإقليميين أو الدوليين. ولم يُبلَّغ الرأي العام السوداني بالمبادرة إلا عندما صعد إدريس إلى منصة الأمم المتحدة.

تضمنت الخطة وقفًا لإطلاق النار تحت رقابة الأمم المتحدة وجهات إقليمية، يتبعه انسحاب الميليشيا من المدن التي تسيطر عليها ونزع سلاحها، إلى جانب الدعوة إلى حوار مدني، ثم فترة انتقالية، فانتخابات تعيد البلاد إلى الحكم المدني الديمقراطي.

غير أن المرحلة الأهم هي وقف إطلاق نار مُراقَب يضمن سلامة المدنيين ويكفل تدفق المساعدات الإنسانية. ويواجه هذا الشرط ثلاثة عوائق رئيسية: العرقلة المتعمدة لطرق الإغاثة من قبل قوات الدعم السريع، كما تجلّى بأوضح صورة في الحصار الوحشي للفاشر لما يقرب من عامين؛ واستهداف قوافل الإغاثة والمنشآت والعاملين فيها، من خلال النهب والقصف والقتل والاختطاف؛ ثم - وهو الأخطر - تواطؤ أطراف دولية، بما في ذلك منظمات إنسانية، عبر الصمت، وتجاهل الانتهاكات، والإحجام عن توجيه إدانات واضحة. وبدلًا من ذلك، تستمر الميليشيا في تلقي المكافآت السياسية مع مواصلتها سلسلة متراكمة من الفظائع.

وفي الوقت نفسه، تصر أطراف دولية مؤثرة على إشراك قوات الدعم السريع في المفاوضات، بدلًا من الضغط عليها أولًا لوقف الجرائم بوصف ذلك شرطًا للمشاركة. ومثال ذلك زيارة قام بها وفد أممي إلى الفاشر أواخر الشهر الماضي، بعد شهرين من اقتحام المدينة، بزعم «تقييم» احتياجاتها الإنسانية.

جاءت الزيارة بعد أن تقلص عدد سكان المدينة، البالغ 1.5 مليون نسمة، إلى الربع بفعل الحصار الطويل، ثم تعرّضوا لاحقًا لتدمير شبه كامل. ووصف الفريق المدينة بأنها «مسرح جريمة»، مشيرًا إلى أنه لم يُسمح له إلا برؤية عدد قليل من المدنيين الذين بدوا في حالة نفسية بالغة السوء، ويعانون نقصًا حادًا في الغذاء. ولم تكن لدى الفريق أي معلومات عن مصير بقية السكان، سوى الإشارة إلى أن كثيرين منهم قد يكونون رهن الاعتقال.

وتظهر خيوط إضافية في تقرير صدر في ديسمبر عن «مختبر الأبحاث الإنسانية» بجامعة ييل، وهو وحدة بحثية توثّق الانتهاكات باستخدام وسائل تقنية وتحليلية، وثّق محاولات قوات الدعم السريع إزالة أكوام الجثث الناتجة عن مجازرها المروّعة خلال الشهرين اللذين سيطرت فيهما على المدينة العزلاء.

ومع ذلك، لم يطرح الفريق الإنساني الأممي أسئلة جوهرية - ربما لأنه لم يكن قادرًا على ذلك. فقد عاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار لدعم الجهود الإنسانية، فيما أطلقت «يونيسف» نداءً لجمع التبرعات. ولم يلتفت أحد إلى حقيقة بديهية، وهي أنّ الأشباح لا تأكل، فضلًا عن أن تقاتل.

من هذا المنظور، تبدو خطة وقف إطلاق النار التي طرحها رئيس الوزراء السوداني غير واقعية، لأنها تدعو فعليًا الميليشيا إلى الاستسلام في وقت لا تزال تحتفظ فيه بقدر من القوة. ولا بد من كبح هذه الميليشيا وإخراجها في نهاية المطاف من المشهد، لكن ذلك يتطلب وجودًا دوليًا يمنع تدفق السلاح إليها، إلى جانب دعم عالمي وإقليمي قوي للحكومة، لتعزيز قدرتها على ردع الهجمات المستقبلية على المدن، وإضعاف الميليشيا بما يكفي لحماية المدنيين. وفي الوقت نفسه، يدعو رئيس الوزراء إلى إشراف أممي على وقف إطلاق النار، بينما يرفض وجود قوات أممية لتحقيق ذلك.

كما أخفقت المبادرة في تحديد مركزية هدف حماية المدنيين ووقف الانتهاكات بوضوح، رغم أن هذا هو المقصد الحقيقي من الدعوة إلى كبح الميليشيا وإضعافها.

وبناءً على ذلك، فإن الحل الواقعي على المدى القصير يتمثل في تشكيل تحالف دولي وإقليمي قوي لمواجهة الميليشيا وإجبارها على الانسحاب من كامل شمال دارفور، وكذلك من المدن الرئيسية في جنوب دارفور وأي مناطق أخرى تسيطر عليها في البلاد.

وينبغي أن يترافق ذلك مع رقابة أممية مكثفة في مناطق وجود قوات الدعم السريع، لحماية المدنيين وتأمين إطلاق سراح المحتجزين لديها. كما يجب أن تدعم هذه الإجراءات قدرات ردع كافية بيد الحكومة، مع إسناد دولي قوي.

أما المراحل اللاحقة، مثل الحوار المدني، فيمكن أن تسير بالتوازي، لكن على أساس مشترك واضح، في مقدمته الإدانة الصريحة للفظائع السابقة والمستمرة، والالتزام الجماعي بحماية المدنيين، والمساءلة الفعالة للجناة.

فلا يمكن إحراز أي تقدم من دون المرور بهذه المرحلة وإزاحة المسؤولين الرئيسيين عن الجرائم. وبالمثل، لا يمكن أن تشمل المفاوضات أطرافًا ترفض إدانة جرائم الميليشيا بشكل لا لبس فيه، أو الامتثال لأولوية حماية المدنيين.

ومن ثم، يجب أن ينصب تركيز أي مبادرة على حماية المدنيين والمدن والحياة المدنية، وتمكين عودة النازحين إلى منازلهم، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات والأسواق، وتأمينها من تهديدات جديدة. عندها فقط يمكن أن تعود الحياة المدنية إلى طبيعتها، ويتشكل تكتل مدني قادر على الحوار.

ومع نزوح ما يقرب من نصف سكان السودان، فإن تحقيق السلام وردع أي اعتداءات جديدة ضد المدنيين يجب أن يكونا في صدارة الأولويات.