أعمدة

أضواء مسرح «محسن العلي» المشتعلة

ذات يوم من عام 1992 طلبني الأستاذ سعد البزّاز لمكتبه، وكان يشغل موقع رئيس تحرير جريدة (الجمهوريّة) البغداديّة، وسألني «هل شاهدت مسرحيّة (أطراف المدينة)؟ أجبته بسرعة: لا، سألني: لماذا؟ قلت: لستُ من محبّي مشاهدة العروض التجاريّة، هكذا كنّا نسمّي عروض المسرح الشعبي الجماهيري، نحن المغرمين بعروض المسرح الجاد التي لا نشاهدها إلّا في المهرجانات!

فابتسم وقال: لكنّ المسرح ليس فقط رسائل توعوية وواجهة تثقيفية فهو متعة وجمال، ومثل هذه العروض مطلوبة» ثم صمت، وقال «وعموما معي دعوة خاصة لمشاهدة العرض، ولن أتمكن من تلبيتها، ما رأيك أن تذهب بدلا مني وتشاهد العرض خصوصا أنها من إخراج فنان أقدّره، وأثق بأعماله، وسأخبره بمجيئك»، ويعني المخرج محسن العلي الذي غادر عالمنا الأسبوع الماضي عن 73 عاما، فأخذت التذكرة، وقلت: لا بأس من التجربة، ولن أخسر شيئا.

حين وصلت المسرح وجدت الحركة نشيطة عند بوابة الدخول وزحمة عند شبّاك التذاكر، رغم أن الحجوزات تتمّ قبل حوالي عشرة أيام أو أكثر، وهذا المشهد نادرا ما نراه، في قاعات عروض المسرح الجاد الذي هو مسرح موجّه للنخب المثقفة.

كان كلّ شيء غير مألوف بالنسبة لي، عوائل، وأطفال متحمّسون لمشاهدة العرض، عندما وصلت البوابة، وقبل أن أعرض تذكرتي، على العامل المسؤول، وجدت أحد الشباب، بانتظاري فرحّب بي وقال: «أهلا الأستاذ محسن ينتظرك»، وسار، وسرت إلى جواره حتى بلغنا الكواليس، وكانت حركة الممثلين أنشط من التي شاهدتها في البوابة، وكان الراحل محسن العلي يتوسّطهم ويعطي توجيهاته، وحين شاهدني ترك المهمة لمساعديه، واتّجه ناحيتي وأخذني بالأحضان، وكانت ابتسامته العريضة لا تفارق وجهه، وبعد كلمات الترحيب أخذ يحدّثني عن التحدّيات التي يواجهها مسرحه (مسرح النجاح)، والعروض التي يقدّمها بهدف تمتين العلاقة بين الناس والمسرح عن طريق تقديم عروض بطابع كوميدي فرجوي واعتماده على المجاميع، والإنتاجية الضخمة والاستعانة بفرقة تعزف عزفا حيا للجمهور، لضمان استمرار العرض، وكان صائبا بكلامه فهذا العرض استمر (4) سنوات دون انقطاع، وهذا ينطبق على أعماله الأخرى، وفي حوار تلفزيوني قال «لم يمرّ يوم من عام ١٩٨١ إلى عام ٢٠٠٣ ليس لي به عرض مسرحي أو عرضان، وقد يصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة عروض»، وقد أكّد هذه المعلومة الفنان كافي لازم الذي عمل معه في الإدارة المسرحية بقوله «ثلاثة وعشرون عاما لم يُطفأ بروجكتر عند مسرح محسن العلي» وذلك لأسباب يجملها بقوله إن «تطور الفكر الإنتاجي لدى محسن العلي تزامن مع الخزين المعرفي لديه في العملية الفنية كما أنه يتميز بقدرته على معرفة أنفاس الجمهور، وماذا يريد؟ بطريقة تتناغم مع الحالة السياسية والاجتماعية وانعكاساتها على الجمهور، يقدم الجمال الفني إلى جانب الفكاهة الجماهيرية التي لا تخلو من المرارة بخط متوازٍ مع رصانة النص من حيث البناء الدرامي»

وكان النصّ من تأليف الكاتب عبد الأمير شمخي، ومن تمثيل: بهجت الجبوري، وسعدية الزيدي، وليلى محمد وجاسم شرف وكنعان علي وآخرين.

ولم يتوقّف عند المسرح الجماهيري، فقد شاهدنا له الكثير من العروض الجادة التي نالت جوائز في مشاركاتها بالمهرجانات الدولية مثل: (العودة) و(دزدمونة) للشاعر يوسف الصائغ، و(جيفارا) لمعين بسيسو، و(فلسطينيات) لعلي عقله عرسان، و(الليلة الثانية بعد الألف) لجمال أبو حمدان، و(الجنة تفتح أبوابها متأخرة)، و(اكتبْ باسم ربك) للكاتب فلاح شاكر التي لكثرة ما كُتب عنها طلب الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين مشاهدتها، ليس على خشبة المسرح الوطني، بل أن يأتي فريق العمل إلى مكان جرى تحديده ليشاهد عرضا خاصّا مع العديد من الوزراء والمسؤولين، وقد حدّثني عن تفاصيل ومفارقات جرت عند تقديمه ذلك العرض الخاص.

وحين اقترب موعد بدء عرض (أطراف المدينة) غادرت الكواليس وأخذت مكاني بين الحضور، فشاهدت فرجة مسرحية تحمل أبعادا جماليّة وفكريّة تتسرّب عبر كوميديا هادفة، ورأيت شخصيّة مخرج استفاد من تجارب الروّاد وخطّ طريقه الخاص، وكتبتُ ذلك في مقال نشرتُه في جريدة (الجمهورية) كان عربون صداقة امتدّت طويلا، وكان آخر لقاء جمعني به في زيارتي الأخيرة لبغداد قبل ثلاثة أشهر، التي تزامنت مع إقامة مهرجان بغداد المسرحي، وقد رأيته فَقَدَ الكثير من وزنه بسبب معاناته مع المرض، لكنه رغم ذلك، لم يفقد حيويّته، فقد سهرنا، أكثر من مرّة، وكانت ذاكرته نشيطة، فعاد بنا إلى سنوات بعيدة خلت، عن انتقاله من الموصل ودراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد وعمّان والقاهرة، ودبي، والشارقة، والفجيرة، وعجمان.

وخلال لقاءاتنا كان الشباب يحيّونه ويلتقطون معه الصور التذكارية، فهو من الوجوه المعروفة في الشارع العراقي، فقد وصل إلى الجمهور الواسع في العراق والخليج عندما مثّل في مطلع الثمانينيات دور (إبراهيم) في مسلسل (النسر وعيون المدينة) للمخرج المصري إبراهيم عبد الجليل، فنال شهرة واسعة، وعزّز هذا النجاح بمشاركات أخرى عديدة نال عدّة جوائز وتكريمات.

وبعد هذه الرحلة الثريّة ودّعنا الفنّان محسن العلي، تاركا بصمة مميّزة على مسرحه الذي ستظلّ أضواؤه مشتعلة.