الندوب الصامتة
الأربعاء / 24 / رجب / 1447 هـ - 19:41 - الأربعاء 14 يناير 2026 19:41
وهنا يتجلى سؤال الصدق، هل نفعل ما نفعله لنكون أفضل من غيرنا؟ بمعنى آخر، لنرى أنفسنا فوق الآخرين وأفضل منهم؟ أم لنخرج أفضل ما فينا كبشر ونحقق أسمى ما يصبو إليه الإنسان في هذه الحياة؟ لذلك تغدو بعض الأسئلة من قبيل المفاضلة بين الشعر وبين الطب، أو المفاضلة بين أن يجيد شخص ما قول جملة صحيحة لغويا، وبين أهمية تغيير حياة إنسان، أو انتشاله من مستنقع سيئ.
هذه الرؤية الحدية للأشياء والحياة ككل، لا تنبع إلا من شخصية تعاني اضطرابات نفسية حقيقية تستدعي العلاج. فكل معارف البشرية، وكل علومها، وكل أدواتها؛ جاءت لخدمة الإنسان والارتقاء به. أما من يراها وسيلة للتكبر، فهو لا يكشف إلا النقص الذي يعاني منه، ويؤكد وجود الاضطراب النفسي فيه.
أقول ذلك بأسى الناظر إلى الثقافة بوصفها حقلا للطب البشري العقلي والسلوكي. فالمثقف هو الذي يسخِّر ملكاته وإمكاناته لخدمة مجتمعه وجيله بتبيان النواقص، ووضع مبضعه في الموضع اللازم لاجتثاث المرض والعفن الذي يصيب الجسد الجمعي لمجتمع ما في حقبة زمنية ما. فهو لا يرى المرض بوصفه منقصة تستدعي السخرية من المصاب به، وفرصة للتعامل معه بفوقية الصحيح السليم؛ بل يرى إمكانية علاجه، ويسعى لتقديم ذلك العلاج بشتى الوسائل. وهنا تغدو الثقافة لا امتيازا أو وظيفة أو مكانة، بل مسؤولية تشبه مسؤولية الطبيب، وقد تفوقها أهمية. فكل المجتمع -بمن فيهم الطبيب- نتاج مباشر لثقافة ذلك المجتمع.
أجدني مكرها على قول هذه الكلمات لما يمكن أن تجلبه علي من عداوة ثقافية محتملة، لكن الإنسان -في رأيي- أهم من الثقافة في ذاتها. والفلج الذي يغذي آلاف الأشجار التي تعود بالنفع على ألوف من البشر، أهم من الكتاب الذي يرى مؤلفه أنه خدم البشرية بفذلكاته اللغوية، وتعبيراته اللغوية البارعة، أو صوته الثقافي والشعري المختلف.
وما يجعل الحديث عنها ذا أهمية أن بعض الأصوات الثقافية تتحدث عنها من مبدأ الحق المطلق والمعرفة الكلية بالأشياء، وفي الحقيقة هي نظرة خاطئة يحيط بها الخطأ من شتى الجهات. ومما يبهج، أن الشريحة الأكبر من الشباب والذين يشاهدون كرة القدم ويبتهجون بها؛ علموا بتجارب عالمية للاعبين في أفضل الأندية العالمية. ففي برشلونة الإسباني -على سبيل المثال- تغيرت مسيرة لاعبَين تغيرا هائلا لأحدهما، وتغيرا ستظهر نتائجه قريبا للآخر. فاللاعب البرازيلي رافينيا كان قاب قوسين من الخروج من النادي الإسباني بوصفه لاعبا سيئا، ثم انقلبت حاله وتغيرت حتى أصبح النجم الأبرز في الفريق.
وقد قرأت مرة حوارا لصحفي معه، سأله عن سبب التغيير وما حدث له، فأجابه بأنه نتيجة مباشرة لجلسات العلاج النفسي التي غيّرته من الداخل، فتغير الخارج -الأداء- تبعا لذلك. واللاعب الآخر هو الأوروغواياني أراوخو، الذي تعرض لانتكاسة نفسية عنيفة خرج بسببها في إجازة من الفريق في فترة ذات أهمية بالغة رياضيا.
وحادثة أراوخو تعيد تشكيل السؤال الحقيقي عن ماهية الصحة النفسية؛ فكثير من الناس يربطونها بامتلاك المال، ولكن من أفضل حالا من لاعب يلعب في أحد أكبر الأندية العالمية، ويمتلك الملايين، ويمتلك الشهرة وكل ما يحلم به الشاب في مقتبل حياته؟ قد تبدو بعض الكلمات سهلة يسيرة على السمع، لكن أثرها عميق وجوهري، وحالتا رافينيا وأراوخو المتناقضتان دليل على ذلك، فكيف إن كانت الكلمات صادرة عن شخص يمتلك صوتا يستطيع به تغيير العقول والأفكار كالمثقف الفاعل؟ أعتقد أنه تساؤل مشروع في مرحلة حرجة من الزمن والجغرافيا التي نعيش فيها، فإذا ما تبقت لنا عدة سنوات قبل اندلاع حرب عالمية أخرى، أو قبل الضربات المحيطة بجغرافيتنا والتي سنتأثر بها لا محالة؛ فإن المواجهة السليمة للقادم تكمن في الصغائر قبل الكبائر.