معجم ألفاظ بادية القدس
الأربعاء / 24 / رجب / 1447 هـ - 19:08 - الأربعاء 14 يناير 2026 19:08
صدر العام الماضي عن مكتبة 'كل شيء' في حيفا كتاب 'معجم ألفاظ بادية القدس'، في 342 صفحة من القطع الكبير، من تأليف محمد موسى عويسات، ليقدّم إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية عبر أول محاولة معجمية تُعنى بتوثيق مفردات المجتمع الفلسطيني البدوي.
أرى أن الاحتفال بهذا الإصدار ضروري في مناخ ثقافة فلسطينية تستبعد غالبا مقاربة حياة البادية الفلسطينية وثقافتها، وأتمنى هنا على وزارة الثقافة الفلسطينية واتحاد الكتّاب، ووزارة التربية والتعليم الاهتمام بهذا الإصدار الذي يصب في نهر ثقافة المقاومة، وتعميمه على المدارس الفلسطينية، ليعرف طلابنا أن البدوي الفلسطيني ليس فقط خياما وجمالا ومنسفا وغنما، هو ثقافة عيش وتراث شهامة وفروسية وانتماء للقضية والأرض ونمط حياة فلسطيني وصمود في الأرض وقتال في سبيلها.
ثمة تجمعات كثيرة للبدو في فلسطين، منها الخان الحمر وهو من أشهر التجمعات، ويقع على الطريق المحاذي للشارع المؤدي للبحر الميت، وتجمع عرب الجهالين- جبل البابا، شرق القدس، قرب الطريق الرابط بين القدس والعيزرية وأبو ديس، ووادي أبو هندي جنوب شرق القدس، وتجمع أبو نوار شرق القدس-أريحا، ووادي الجمال شرق القدس وتجمعات أبو ديس والعيزرية، وتجمعات شمال القدس- بير نبالا وتل العدسة. ينتمي المؤلف إلى بدو عرب السواحرة وهو تجمع بدوي تحول على مر السنين إلى قرية السواحرة الغربية (جبل المكبر) والسواحرة الشرقية.
عن سياق دوافع تأليف هذا الكتاب يقول المؤلف: كانت فكرة توثيق ألفاظ بادية القدس وليدة اهتمامي بتراث البادية منذ صغري، وشعوري بأهمّيّة توثيق كلّ ما يتعلّق بهذه البادية، وأخص بالذكر المكون الرئيسي لهذه البادية وهم عرب السواحرة، وذلك أنّني عشت فيها ما يقارب عقدين ونصف، وبالتحديد من عام ١٩٦٥ ميلادي إلى عام ١٩٩٠ العام الذي فارقت فيه هذه البادية نهائيّا، وهي سنوات كنا نجمع فيها بين حياة القرية وحياة بيت الشعر في تلك البلاد، ولكنّ حياة البادية كانت الغالبة علينا.
من أين تنبع أهمية هذا الإصدار؟ بالتأكيد من توثيق ثقافة البدوي ونمط حياته التي توارثها على مر القرون، لا يُخفي الاحتلال طمعه بأراضي البدو الفلسطينيين، والأخبار متعاقبة هذه الأيام عن ملاحقة البدو وحصارهم ومصادرة أراضيهم والتضييق على مراعيهم، وتحويلها إلى محميات طبيعية أو أراض عسكرية، والهدف المعلن هو تهجير البدو من مساحاتهم، عبر التنكيل بهم وتخويفهم بالقتل والسجن.
حول هذا القمع الاحتلالي لحياة وممتلكات وأراضي البدو يقول لنا الكاتب: (ولمّا رأيت تحول الناس وبخاصة عرب السواحرة من هذه الحياة البدويّة الرعويّة إلى الحياة المدنيّة، وهجر البادية هجرا تامّا، لأسباب كثيرة أهمّها سيطرة المحتلّ على هذه الأرض، والتي ابتدأت بجعله بعض المناطق منها مناطق عسكرية مغلقة مثل البقيعة، ثم صادر الكثير منها في غرب المنطار، ثم بدأ بالاستيطان فيها من مثل مستوطنة (كيدار) التي هي امتداد لمستوطنة (معاليه ادوميم)، ثمّ جاء الاستيطان الرّعوي، الذي يحاول فيه المستوطنون تقليد حياتنا البدوية الرعوية فيها، وكأنّهم أهلها الحقيقيون، وجدت أنه من الواجب توثيق كلّ شيء في تلك البادية لحفظ ذاكرة حياة امتدت لقرون عديدة تعلّقت بالمكان تعلّقا لا ينفصم).
يعيش مؤلفنا المخلص هاجس ورعب انقراض لهجات وكلمات البدوي الفلسطيني في خضم هجوم المدنية الحديثة بكل فيضانها التكنولوجي واكتساحها المعرفي الاستهلاكي، وطمع المستعمر الصهيوني الذي يحلم بأرض خالية من سكانها جميعا بدوًا وغير بدو فيقول: وجدت ألفاظا كثيرة جدّا تتعلّق ببيت الشّعر وبالبادية وأسماء المكان بعضها قد انقرض وبعضها في طريقه للانقراض، والأمثلة كثيرة منها على سبيل المثال: شادحة البيت فهذه قد انقرضت، وكذلك كلمة رغث، وكلمة جَلَد، والفعل سجَّت الغنم، وغيرها، ووجدت كذلك أنّ هناك من يحاول أن يتحلّل أو ينفكّ من هذه اللهجة وبعض ألفاظها باعتبار أنها غريبة على العربيّة أو لا تناسب التحوّل في نمط الحياة، سواء في الدلالة أو الظاهرة الصوتية، والحقّ أنّ لها في هذين الجانبين جذورا عميقة في عربيتنا الفصيحة.
المؤلف في سطور:
محمد موسى العويسات من مواليد حيّ الشّيخ سعد في جبل المكبر عام ١٩٦٥، تلقى تعليمه الابتدائيّ والإعداديّ في مدارس جبل المكبر، والمرحلة الثّانويّة في مدرسة الرشيديّة في القدس، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربيّة في جامعة بيت لحم، ودرجة الماجستير في الأدب العربيّ في جامعة القدس (أبو ديس)، عمل معلّما في مدارس تربية القدس (دار الأيتام سابقا) ما يقارب خمسة وعشرين عاما، كاتب وباحث لغويّ له عدد من المؤلفات: أسرار التكرار في سورة البقرة (بيان القرآن)، وكتاب في مواجهة تهويد المكان وعبرنة اللغة، وكتاب الأمثال في خماسيّة مدن الملح لعبدالرحمن منيف، ولطائف في الصّرف والنّحو والبيان، وآخرها معجم ألفاظ بادية القدس، وله عدد من الكتب المخطوطة التي لم تنشر بعد، له مشاركات أدبيّة ونقديّة في صحف محلّيّة وعربيّة، وهو عضو في اللجنة التنسيقيّة لمنبر أدباء بلاد الشّام (فرع فلسطين).