إدارة ترامب.. خسارة المصداقية ونسف القانون
الثلاثاء / 23 / رجب / 1447 هـ - 22:41 - الثلاثاء 13 يناير 2026 22:41
منذ دخوله البيت الأبيض في العشرين من يناير من العام الماضي والرجل دخل في إشكالات كبيرة، ليس فقط على صعيد القضايا الخارجية، ولكن على صعيد الداخل الأمريكي.
الرئيس ترامب ليست له علاقة بالقواعد السياسية، ولا بالقانون الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول، وأصبح يتصرف وكأنه في غابة ليس لها أطر وقواعد قانونية.
لقد ارتكب الرئيس الأمريكي ترامب مخالفة صارخة عندما انتهك حرمة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، وقام بخطف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته إلى نيويورك في سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الدولية. كما أن الحرب التجارية التي فرضها ترامب على عدد كبير من دول العالم لا تنم عن فكر سياسي حصيف.
وإذا كان الرئيس ترامب يتحدث عن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الدول الأخري لها مصالح؛ وعلى ضوء ذلك، فإن التاريخ الأمريكي سوف يوثق بعد سنوات ـ ومن خلال تقييم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ـ بأن ترامب هو واحد من أسوأ الرؤساء بالنظر إلى جملة من السلوكيات التي أقدم عليها وهو يستعد لإنهاء السنة الأولى في البيت الأبيض.
إن اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته بقرار من الرئيس الأمريكي ترامب يعد مخالفة صريحة للقانون الدولي، وحتى القانون الأمريكي، حيث إن الكونجرس وهو السلطة التشريعية لم يكن على علم بقرار ترامب المتهور، علاوة على أن سلوك ترامب قد يكون سابقة في العلاقات الدولية.
صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أقدمت على اختطاف نوريجا رئيس بنما، ولكن الظروف كانت مختلفة، ومع ذلك استهجنت الكثير من الدول مبدأ خطف رؤساء دول.
لقد انتخب الرئيس الأمريكي ترامب بناء على أجندة يهودية صهيونية، من خلال الداعمين من الصهاينة ومن جماعات الضغط؛ وفي تصوري هو ينفذ الأجندة بشكل دقيق سواء فيما يخص الوضع في قطاع غزة والقضية الفلسطينية، أو من خلال حروبه التجارية على دول العالم، وأيضا تنفيذ استراتيجية الشرق الأوسط الجديد التي تقوم على هيمنة الكيان الإسرائيلي على المنطقة.
هذا يفسر إلى حد كبير مواقفه المنحازة مع حكومة نتنياهو المتطرفة، وتشجيعه الدول العربية على التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، كما أن أجندته الاستراتيجية تتمثل في التخلص من المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن؛ بحيث ينفذ المشروع بشكل مريح.
وتظل إيران هي العقبة الكبرى أمام دخول المنطقة إلى نادي الشرق الأوسط الجديد، حيث الهيمنة الإسرائيلية على مقدرات المنطقة وأجيالها، من خلال المشروعات الاقتصادية ومن خلال إدخال مفاهيم سلبية تتناقض مع الهوية العربية والإسلامية، وأيضا نشر الكثير من القيم الدخيلة على الأوطان والشعوب.
ومن هنا، يمكن تفسير المشروع الصهيوني العالمي الذي يركز على الهيمنة الاقتصادية وسلب إرادة الشعوب والحكومات. وهذا التحليل ليس نظريًا أو مبالغًا فيه؛ بل إن هناك دراسات وبحوثًا وخططًا منشورة، وهناك برامج من خلال الوكلاءـ مما يجعل سلوك الرئيس الأمريكي ترامب ينسجم مع التوجهات التي وصل من خلالها إلى البيت الأبيض. إن شعبية الرئيس ترامب هي في أدنى مستوياتها، من خلال قياس الرأي العام، وهو مشتبك مع عدد من النواب في الكونجرس، ومع عدد من حكام الولايات، وأيضا مع حاكم البنك الفيدرالي والعديد من المؤسسات الأمريكية.
هناك كثيرون في أوروبا، وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، يتساءلون: هل يحتمل العالم سياسات ترامب لثلاث سنوات أخرى من وجوده في البيت الأبيض؟
ولا شك أن هذا التساؤل موجود في مشاعر وقلوب الملايين حول العالم التي قد تتضرر اقتصاديات أوطانهم بسبب الحرب التجارية على الدول النامية بشكل خاص، والتي كان آخرها تفكير ترامب بفرض رسوم تجارية على كل دولة تتعامل مع إيران، علاوة على التحريض على المظاهرات، وان الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتدخل لحماية المدنيين، وهي حقيقة واهية، حيث إن الهدف الاستراتيجي الأمريكي هو إسقاط النظام الحالي في إيران، حيث كما تمت الإشارة إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي العقبة الكبرى نحو الإعلان عن الشرق الأوسط الجديد، وتنفيذ الأجندة بكل تفاصيلها، كما تحدث نتنياهو عن خريطة إسرائيل الكبرى.
إن سلوك الرئيس ترامب تجاه فنزويلا صدم العالم، وأصاب القانون الدولي في مقتل. وأدانت الكثير من دول العالم سلوك الرئيس الأمريكي الذي أصبحت مصداقيته محل شك كبير، كما أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من عشرات المنظمات الدولية يعطي مؤشرًا بأن الرئيس الأمريكي لا يهتم بالقضايا الإنسانية والتعاون الدولي، ولكنه يركز على الحصول على الأموال بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، وهو أمر يشبه شريعة الغاب التي صورتها أفلام هوليوود الكلاسيكية حول مرحلة الصراع بين الرجل الأبيض وسكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر، الذين تمت إبادة الملايين منهم، في عملية تعد وصمة عار في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث.
وفي تصوري إن الرئيس الأمريكي ترامب ليس مهتمًا حتى بوجود الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يكون المقعد الدائم لأمريكا في مجلس الأمن هو الحافز على استخدام حق النقض الفيتو ضد القضية الفلسطينية ولصالح الكيان الإسرائيلي، وأيضا ضد روسيا والصين.
من هنا، فإن العالم شرقه وغربه أمام حالة سياسية في غاية الغرابة واللامعقول، في ظل ممارسات سياسية وتجارية أذهلت الداخل الأمريكي، وأيضا النظام الدولي، الذي قام علي قواعد منظمة للسلوك السياسي للدول والعلاقات الدولية.
الرئيس الأمريكي ترامب لم يكتف باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، ومحاكمتهما في محكمة جنوب نيويورك، ولكنه تحدث عن رغبته في السيطرة على جزيزة جرينلاند التابعة للدنمارك، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي؛ وهذا إن حدث سوف يشهد العالم حالة دراماتيكية، كما هو الحال مع اختطاف الرئيس الفنزويلي، وسوف ينتظر العالم موقف دول الاتحاد الأوروبي عندما يتم الاعتداء على جزء من سيادته الوطنية. ولعل المفارقة هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي يجمعهم حلف الناتو العسكري، وهنا سوف تحدث إشكالية كبيرة، وقد ينسحب ترامب من الحلف الذي ينتقد أداءه، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحمي أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعليها أن تدفع نسبة مالية أكبر من ناتجها المحلي الإجمالي. على الصعيد العربي، فإن الكل متفق بأن العلاقات مع واشنطن هي مع دولة لها قواعد سلوك محددة، وتاريخ طويل من التعاون، وأنه من الصعب اختزال ذلك التاريخ مع رئيس أمامه ثلاث سنوات حتى يغادر السلطة غير مأسوف عليه، حتى من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أضر بمصالح المهاجرين الذين يمثلون جزءا من قوة الولايات المتحدة الأمريكية الصناعية والتكنولوجية، القائمة على جهود الملايين من المهاجرين من كل قارات العالم، وليس على العرق الأبيض فقط.
من هنا، فإن أمام العالم ثلاث سنوات صعبة، قد تشهد حروبًا إقليمية، وربما أبعد من ذلك كما أن الاقتصاد العالمي سوف يواجه مشكلات الحرب التجارية، وأسعار النفط سوف تعاني إذا استولت الولايات المتحدة الأمريكية على نفط فنزويلا، وأمام هذه الحقيقة الصادمة فإن العالم بشكل عام سوف يعاني، وعليه أن يتكيف مع الرئيس الأمريكي والاكتفاء بأقل الأضرار من إدارته التي تضر بمصالح أصدقائها قبل أعدائها.