رأي عُمان

لماذا تحتاج الدولة إلى الثقافة؟

 

لا يخلو حديث «الأولوية للاقتصاد» من وجاهة، فالدول تحتاج وظائف، وتحتاج استثمارات، وتحتاج أن تُقنع الناس بأن الغد أقل قسوة من الأمس. لكن لا ينبغي أن يترجم الاقتراب من الاقتصاد ابتعادا عن الثقافة.. فالعلاقة بينهما ليست صفرية. والثقافة بكل تجلياتها يمكن أن تكون غاية لأن منها يمكن أن نستمد معنى الحياة، لكن الاقتصاد هو وسيلة الوصول إلى تلك الغاية. عمليا فإن بناء الدولة لا يمكن أن يسير في اتجاه واحد، فبقدر أهمية بناء الموانئ والمطارات تكون أهمية بناء المكتبات والمجمعات الثقافية ودور الفنون والمسارح.

والثقافة التي نعنيها في كل ما سبق ليست اللقب الذي يصاحب من يقرأ الشعر ويرتاد المسارح. الثقافة هي ذلك النظام الخفي الذي يُنظم معنى الحياة داخل المجتمع، وقيمه ولغته وذائقته وصورته عن الكرامة والعدل.

تبني الثقافة عقل الإنسان وتنقي وجدانه وتضبط توازنه. وإذا كان الاقتصاد يعلّمنا كيف ننتج ونوزع ونراكم؛ فإن الثقافة تذكّرنا لماذا نفعل ذلك أصلا، ولأي صورة ومعنى من الحياة نسعى.

وفي سلطنة عُمان يمكن أن ننطلق من الفهم العميق لفلسفة البناء الحضاري التي ينتهجها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- لنبني في محافظاتنا هذا التوازن بين المسار الاقتصادي والمسار الثقافي. ولا تلغي أولوية الاقتصاد أهمية الثقافة، إنما تؤكدها إذا ما اتفقنا على أن الاقتصاد هو الوسيلة.

بناء المكتبات ومبادرات القراءة في مختلف المحافظات أمر في غاية الأهمية في المرحلة القادمة. والقراءة ضرورة قصوى لأنها تعيد بناء علاقة العقل بالزمن، وتُعيد للغة وزنها، وللتجربة عمقها. ولا نحتاج الموسيقى لأنها تسعدنا فقط، ولكن لأنها تُعيد تشكيل الإحساس وتهذب الطباع. ومن المهم أن لا يتم التعامل مع مفردات الثقافة باعتبارها «فعاليات»، هي في حقيقتها طرق لمعرفة النفس، وأن ترى العالم في مرآتها قبل أن تعود لتقيس ذاتك على ضوء ما رأيت. وغياب مفردات الثقافة أو تغليب المنطق الاقتصادي عليه يحول المجتمع إلى مجتمع غني بالمحتوى ولكنه فقير في نظرته لمعنى ما حوله.

في هذا السياق، يبدو مهما أن تُفهم تأكيدات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم عن موضوع القيم والمبادئ والبناء الحضاري بوصفها جزءا أصيلا من هندسة الدولة التي توازن بين جميع المسارات. الفكرة ليست «ثقافة مقابل اقتصاد» فهذه معادلة لا تستقيم في شكلها الحالي أو في عكسها بتقديم الاقتصاد. الفكرة العميقة الواضحة في قمة هرم الدولة أن الاقتصاد بلا روح يصنع في المجتمع الهشاشة والضعف. لا يتحقق هذا التوازن بالنوايا الحسنة ولكن بصناعته صناعة دقيقة وعميقة. في المدرسة وفي مؤسسات المجتمع وفي المؤسسات الإعلامية. على أن يمتد الأمر من الناشئة والشباب إلى بقية مراحل المجتمع، ويؤمن الجميع أهمية أن يتم الإنفاق على الثقافة ومؤسساتها بشكل متوازن مع بقية مؤسسات الدولة.

غياب الثقافة والعمق من أي مجتمع أمر في غاية الخطورة، يصبح المجتمع بلا سردية وطنية مشتركة، وبلا بوصلة واضحة حتى مع توفر الأدوات، وبفراغ وخواء كبير حتى مع الضجيج الدائم. وعند أول اختبار حقيقي ـ أزمة أو شائعات أو صدمة سياسية ـ تنكشف الهشاشة وتظهر اللغة الضعيفة والوعي المضطرب والقابلية للاستقطاب والتضليل.

لكن الثقافة تحصن المجتمع من كل ذلك، وتصنع إنسانا أكثر صلابة، وذاكرة تمنعنا من الوقوع في الأخطاء نفسها، وخيالا يمنحنا القدرة على تصور حلول غير مكررة، وحسا أخلاقيا يجعل القوة أقل قسوة. ونربح مجتمعا يختلف دون إقصاء. الثقافة هي التي تجعل من الدولة حضارة.