أفكار وآراء

التحولات الكبرى والرهان على الصحافة العُمانية

على خلاف غيري من كُتّاب المقالات الذين احتفلوا في كتاباتهم هذا الأسبوع بالذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم- حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم، عبر إبراز ما تحقق من منجزات وطنية ملموسة خلال السنوات الست الماضية، أو استحضار رمزية المناسبة ودلالاتها السياسية والتاريخية، رأيت أن أتناول في هذا المقال هذه المناسبة الوطنية المجيدة من زاوية مختلفة، تتصل بدور الصحافة العُمانية ومسؤوليتها في مرحلة تاريخية تتزامن فيها التحولات الوطنية مع تحولات إقليمية ودولية.

تتيح المناسبات الوطنية الكبرى مساحة للنقاش حول أدوار المؤسسات الوطنية ومسارات تشكّلها وموقعها داخل بنية الدولة، وهو ما يجعل التوقف عند دور الصحافة وما يقع على عاتقها من مسؤوليات في هذه المرحلة أمرًا طبيعيًا.

فقد تشكّلت المؤسسة الإعلامية في سلطنة عُمان، منذ بدايات عهد النهضة، كجزء أصيل من النظام السياسي والاجتماعي، وأسهمت في تنظيم المجال العام، وبناء الثقة، ومواكبة التحولات المتعاقبة ضمن إطار من الاتزان والاستمرارية.

في التجربة العُمانية، احتل الإعلام موقعًا واضحًا داخل البنية الوظيفية للدولة الحديثة، بوصفه أحد المكونات التي تؤدي أدوارًا شديدة الأهمية في الحياة العامة، وتسهم في صياغة الأولويات وتوجيه النقاشات وترسيخ الاستقرار. وبهذا المعنى، أدّت الصحافة وظائفها الأساسية، ودعمت خطط التنمية، ورافقت تحولات المجتمع وأسهمت في إنتاج سردية وطنية جامعة. من هنا، تبرز أهمية النظر في دور الصحافة اليوم، باعتبارها مؤسسة مركزية يُنتظر منها مواصلة أداء دورها المهني في ظل تحولات رقمية متسارعة، مع الحفاظ على موقعها داخل بنية الدولة والمجال العام.

لقد لعبت الصحافة العُمانية، في تقديري، عبر مسارها الممتد لنحو خمسة وخمسين عامًا، دورًا مهنيًا مسؤولًا يوازن بين حق الجمهور في المعرفة والانفتاح الإعلامي وبين الالتزام الوطني. هذا الدور بات اليوم أمام اختبار حقيقي، نتيجة التحولات العالمية العميقة التي تعيد تشكيل مهنة الصحافة ذاتها، وتفرض ضغوطًا غير مسبوقة على وظائف الصحافة وأدوارها التقليدية.

في هذا السياق، يكتسب تقرير «اتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، الصادر أول أمس، الاثنين، عن معهد رويترز لدراسة الصحافة وجامعة أكسفورد، أهمية خاصة، بوصفه أحد أكثر التقارير تأثيرًا عالميًا في فهم تحولات الصحافة ودورها في المجال العام. يعالج التقرير مستقبل الصحافة من زاوية دورها ووظيفتها العامة في بيئة اتصالية سريعة التحول، دون الاكتفاء بمتابعة التطورات التقنية.

تكشف الخلاصات الأهم في تقرير معهد رويترز أن التحدي الجديد الذي يواجه الصحافة عالميًا يرتبط بمكانتها ووظيفتها داخل الفضاء العام، وبطبيعة الدور المجتمعي الذي تؤديه في بيئة اتصالية سريعة التحول. ويشير التقرير إلى تراجع ملموس في مستويات الثقة بالصحافة، حتى داخل الصحف نفسها، في الوقت الذي تواصل فيه بعض المؤسسات قدرتها على البقاء اقتصاديًا. ويعكس هذا الوضع فجوة آخذة في الاتساع بين متطلبات الاستدامة المالية للصحافة وحدود القبول المجتمعي لها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصحافة ودورها العام في المرحلة المقبلة.

يحذر التقرير من تراجع دور الصحافة كمصدر موثوق للأخبار، في ظل تحوّل محركات البحث إلى منصات للإجابة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. إذ تقوم المنصات بعرض المعلومات بشكل مختصر ومعزولة عن سياقها، ويكشف فراغًا تركته الصحافة حين تخلّت، جزئيًا وطواعية، عن دورها التفسيري لصالح تحقيق السبق الصحفي والانتشار. في المقابل، يؤكد التقرير أن الصحافة القادرة على الصمود هي التي تعيد الاستثمار في التحقيقات الاستقصائية الأصلية، والتحليل العميق، وبناء علاقة ثقة مباشرة مع الجمهور، حتى وإن كان ذلك على حساب الانتشار وحجم الوصول.

عند الحديث عن واقع الصحافة العُمانية، يتضح أن بعض التحديات التي تواجهها الصحافة في دول أخرى، ربما تمثل فرصا حقيقية للصحافة العمانية؟ هذه الصحافة، بحكم تاريخها وتطورها وخصوصية دورها الوطني، تبدو أقل ارتباطا بمنطق السوق والصراعات الإعلامية الرقمية على الموارد، وبالتالي فإنها أكثر قابلية للحفاظ على نموذجها في الصحافة المسؤولة التي تهتم بتفسير الواقع ودعم الاستقرار. ويجب أن يُقرن الوعي بهذه الخصوصية بوعي مماثل بتحولات صناعة الصحافة، والأخذ بالجديد منها، الذي لا يتعارض مع النهج الوطني، ويحافظ على دور الصحافة في المجال العام.

من المهم أن ننتبه إلى ما ذكره التقرير عن تحول محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تلخيص الأخبار والمعلومات ثم إعادة توزيعها دون الرجوع إلى مصادرها الصحفية الأصلية.

هذه الممارسة الجديدة من شأنها أن تؤدي على المدي القصير إلى مزيد من التراجع في دور المؤسسات الصحفية، وعلى المدى الطويل إلى ضياع جوهر العمل الصحفي المتمثل في التحليل والتفسير.

ويواكب هذا التحول صعود كبير لصناع المحتوى والمؤثرين، الذين أصبحوا ينافسون المؤسسات الصحفية على جذب انتباه الجمهور وإثارة اهتمامه، وتقديم الأخبار. ويبيّن تقرير معهد رويترز أن قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة من الشباب، أصبحت أكثر استخداما لمنصات المؤثرين كمصادر أكثر جاذبية من المنصات الصحفية والإعلامية. ويثير انتشار هذه الظاهرة تساؤلات مشروعة حول المعايير المهنية التي يلتزم بها هؤلاء المؤثرين، ومدى إمكانية مساءلتهم عما ينشرونه، ومدى التزامهم بالصالح العام. ومن المؤكد أن المحتوى الفردي، مهما بلغ انتشاره، لا يمكن أن يؤدي وظائف الصحافة في الإعلام والتثقيف والتنشئة والرقابة والتفسير وحماية المجال العام. هذه التفرقة بين ما يقدمه المؤثرون وبين ما تقدمه الصحافة يجب أن يتم ترسيخها لدى الجمهور والصحفيين، خاصة في السياق العُماني، إذ يُنتظر من الصحافة أن تؤدى وظائف وأدوارا يعجز عنها هؤلاء الأفراد مهما بلغ حجم متابعيهم.

إن تقرير معهد رويترز يؤكد لنا أن تعزيز دور الصحافة واستمرار تأثيرها في المجتمع يتطلب، إلى جانب مواكبة التحولات الرقمية، الالتزام بالأدوار الوطنية الموكلة إليها، وأهمها دعم خطط التنمية، وتحقيق ترابط المجتمع، إلى جانب استمرار أدوارها الإعلامية والتوعوية والرقابية. وعلى هذا فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الصحافة يتمثل، من وجهة نظري، في الحفاظ على استمرار دورها كطرف فاعل في المجال العام التقليدي والرقمي، وتحقيق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الاستقرار والأمن الوطني، خاصة وأن التجارب العالمية، كما يقول تقرير معهد رويترز، تؤكد أن الصحافة القادرة على الصمود والاستمرار في المستقبل هي التي تدرك حدود دورها ومسؤوليتها.

من خلال متابعة طويلة للصحافة العالمية وتحولاتها، أستطيع أن أؤكد أن الصحافة الوطنية القادرة على الاستمرار، في ظل كل هذا الزخم الإعلامي، هي التي تستطيع أن توازن بين المهنية وبين الانتماء للوطن، وبين الانفتاح على العالم وبين السيادة الوطنية، دون أن ترهن نفسها لمنطق ومتطلبات عصر المنصات الرقمية.

والصحافة التي تتراجع عن دورها التفسيري والرقابي، تحت أي ذريعة، لا تخسر جمهورها فقط، بل تُضعف أحد أعمدة الاستقرار الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

وعلى هذا تبدو الصحافة العمانية مرشحة أكثر من غيرها لأن تبقى ركيزة للاستقرار، وشريكًا واعيًا في حماية المجال العام، والحفاظ على رصيدها من الثقة العامة والمتراكم على مدى سنوات، ودعم تماسك الدولة والمجتمع.