الرياضية

النشاط البدني والرياضة الواعية وأثرها المستدام على صحة الفرد والمجتمع

 

العُمانية - في ظل الانشغالات اليومية وتسارع وتيرة الحياة، تُعد الرياضة أحد أهم العوامل التي تسهم في تحسين سلوك الإنسان وصحته النفسية، حيث تشير الدراسات إلى دورها في إحداث توازن في سيكولوجية جسم الإنسان متى ما مورست بالشكل الصحيح وبما يتناسب مع احتياجات الجسم، ليبقى أثرها مستدامًا لفترة أطول وتكون نتائجها إيجابية وصحية.
وفيما يتعلق بالاختيار الصحيح للتمارين وأدائها على الوجه الأمثل، قال خليل بن خلفان البوسعيدي – رئيس قسم العلاج الطبيعي بدائرة الطب وعلوم الرياضة بوزارة الثقافة والرياضة والشباب –:إن اختصاص العلاج الطبيعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتمارين بمختلف أنواعها، ومن بينها ما يُعرف بالتمارين الواعية، التي يمكن تعريفها بأنها نوع من التمارين يجمع بين الحركة البدنية والانتباه الواعي والتركيز على اللحظة الحالية دون حكم أو تشتت.
وأوضح أنها تركز على الوعي الكامل بالجسم والتنفس والإحساسات الحسية والحركات أثناء الأداء، بدلًا من التمرين الآلي أو التركيز فقط على النتائج مثل بناء العضلات أو حرق السعرات الحرارية، مشيرًا إلى أن من أبرز أمثلتها: المشي الواعي الذي يتمثل في المشي ببطء مع التركيز على خطوات القدمين والتنفس، إضافة إلى تمارين التنفس أثناء رفع الأثقال.
وعن أهمية هذه التمارين، أوضح في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية أن أهميتها تكمن في تحسين الأداء من خلال زيادة التركيز وتقليل التوتر وتحسين التنسيق الحركي، مما يجعل التمارين أكثر فاعلية وأمانًا، ويقلل من خطر الإصابات نتيجة الوعي بالحدود الجسدية.
وأضاف أن لها فوائد نفسية تسهم في تقليل القلق والإجهاد وتحسين المزاج، وتساعد في التعافي من الإصابات عبر تقليل الإحساس بالألم. وأشار إلى أنها تُستخدم على نطاق واسع في برامج التأهيل الرياضي، حيث تساعد في إعادة بناء الثقة بالجسم وتحسين الإحساس بالموقع، وهي مدعومة بدراسات علمية منشورة في مجلات متخصصة في سيكولوجية الرياضة والتمارين البدنية، أثبتت دورها في تحسين التحمل والتركيز والأداء تحت الضغط.
وبيّن أن البحوث العلمية الحديثة أظهرت العديد من النتائج الإيجابية للتمارين الواعية فيما يتعلق بالمفاصل ودورها في حمايتها من التآكل أو الإجهاد المبكر، موضحًا أن ذلك يعود إلى اعتمادها على حركات بطيئة ولطيفة تقلل من الضغط المباشر على المفاصل مقارنة بالتمارين عالية التأثير مثل الجري أو القفز، مما يحد من التآكل السريع للغضروف.
وأضاف أن التمارين الواعية تحسن التوافق المفصلي من خلال التركيز على الوضعية الصحيحة، مما يضمن توزيع القوى بالتساوي على المفصل ويمنع الضغط غير المتوازن الذي يؤدي إلى التآكل المبكر، فضلًا عن تعزيز الإحساس بالجسم وتقليل فرص الإصابات أو الحركات الخاطئة.
وأشار إلى أنها تسهم كذلك في تقوية العضلات الداعمة للمفاصل دون إجهاد زائد، حيث تعمل كممتص صدمات طبيعي يقلل الضغط على الغضروف، مؤكدًا أن هذه التمارين لا تعالج التآكل القائم، لكنها تبطئه وتحمي المفاصل على المدى الطويل، خاصة لدى كبار السن أو المصابين بالتهابات المفاصل، وهو ما أجمعت عليه الدراسات البحثية.
وحول الأداء الخاطئ للتمارين ومدى تأثيره على العضلات والمفاصل على المدى البعيد، أوضح أن من أبرز آثاره زيادة التآكل المبكر والتهاب المفاصل التنكسي، حيث يؤدي الضغط غير المتوازن إلى زيادة الاحتكاك في الغضروف وتدهوره تدريجيًا. وذكر أن الأداء الخاطئ لبعض التمارين، مثل تمرين القرفصاء عند تقدم الركبتين بشكل مبالغ فيه أو انحناء الظهر، يزيد الضغط على مفصل الركبة والعمود الفقري، كما أن التمارين الخاطئة قد تخلق عدم توازن عضلي يؤدي إلى تحميل مفرط على عضلات معينة وإهمال أخرى، مما يسبب ضعفًا عامًا وتعويضات حركية غير صحيحة، مثل تحميل زائد على عضلات أسفل الظهر.
وبناءً على ذلك، أشار إلى أهمية الاستماع لإرشادات الجسم أثناء التمرين، معتبرًا ذلك مبدأً أساسيًا في اللياقة البدنية والتأهيل الرياضي، موضحًا أن التركيز على الإشارات الجسدية مثل الألم أو الإرهاق أو نمط التنفس يساعد في تحديد ما إذا كان يجب الاستمرار أو التعديل أو التوقف. وأكد أن هذا النهج مدعوم علميًا ويُعد جزءًا من التمارين الواعية، وتكمن أهميته في الوقاية من الإصابات من خلال التمييز بين “الألم الجيد” الناتج عن الإجهاد العضلي الطبيعي، و“الألم السيئ” الحاد أو المفصلي الذي قد يشير إلى إصابة محتملة، محذرًا من أن تجاهل هذه الإشارات قد يؤدي إلى إصابات حادة أو مزمنة مثل التمزقات أو الالتهابات.
وأوضح أن الاستماع إلى الجسم يسهم في تحسين الأداء طويل الأمد، حيث يمنح إشارات عن الحاجة إلى الراحة أو التعديل، مما يمنع الإرهاق المزمن ويتيح تعافيًا أفضل، ويعزز التقدم المستدام بدلًا من التراجع. كما يسهم في تحسين الصحة العامة من خلال تقليل التوتر وتحسين جودة النوم والوقاية من متلازمة الإفراط في التدريب، التي تشمل أعراضًا مثل الإرهاق المستمر وانخفاض المناعة والاكتئاب، إضافة إلى دوره في تخصيص التمرين وفق اختلاف الأجسام من حيث العمر أو الحالة الصحية، مما يجعل البرامج التدريبية أكثر فاعلية وأمانًا، خاصة للمبتدئين أو من لديهم إصابات سابقة.
علم النفس الصحي
كما تسهم الرياضة الواعية في تحقيق التوازن النفسي، حيث قال محمد بن رضا اللواتي – اختصاصي نفسي –: إن الأدبيات الحديثة في علم النفس الصحي وعلم الأعصاب تشير إلى أن الرياضة الواعية تُعد من أكثر التدخلات غير الدوائية فاعلية في دعم الصحة النفسية في البيئات عالية الضغط. وأوضح أن كثيرًا من الأفراد يعيشون في حالة تنشيط مزمن للجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق واضطرابات النوم والمزاج، مشيرًا إلى أن ممارسة الرياضة بوعي، من خلال توجيه الانتباه إلى التنفس والتركيز على الأحاسيس الجسدية ووتيرة الحركة، تسهم في تفعيل الجهاز العصبي اللاودي المسؤول عن الاسترخاء والاستشفاء وتنظيم الاستجابات الانفعالية، ما يؤدي إلى خفض إفراز هرمونات التوتر وتعزيز الشعور بالهدوء والاستقرار النفسي.
ومن الناحية العصبية، أوضح اللواتي أن الرياضة الواعية تسهم في تحسين التكامل الوظيفي بين قشرة الفص الجبهي الأمامي المسؤولة عن التنظيم الانفعالي واتخاذ القرار، والجهاز الحوفي المرتبط بالمشاعر والانفعالات، مما يعزز القدرة على الاستجابة الواعية للضغوط بدلًا من التفاعل الاندفاعي، ويزيد من مستوى التنظيم العاطفي والمرونة النفسية على المدى المتوسط والطويل.
وحول ملاحظة فشل بعض الأفراد في الاستمرار بممارسة الرياضة رغم إدراكهم لفوائدها النفسية، أوضح اللواتي أن نماذج علم النفس السلوكي، وبخاصة نظرية تقرير المصير، تشير إلى أن الاستمرارية لا تعتمد على المعرفة أو الإرادة فقط، بل على نوعية الدافعية المرتبطة بالسلوك. وأكد أن الدوافع الخارجية مثل السعي للمظهر المثالي أو المقارنة الاجتماعية أو تجنب الشعور بالذنب تزيد من احتمالية الانقطاع مقارنة بالدوافع الداخلية المرتبطة بجودة الحياة والرعاية الذاتية.
وأضاف أن بعض الأفراد يتعاملون مع الرياضة كوسيلة للضغط أو العقاب الذاتي، خاصة في ظل نظرة سلبية للذات أو الجسد، أو البدء ببرامج عالية الشدة دون استعداد نفسي، مما يؤدي إلى الاحتراق النفسي والجسدي ويعزز نمط البدء ثم التوقف.
وأشار إلى أن الاستمرارية في ممارسة الرياضة تُعد انعكاسًا مباشرًا لجودة العلاقة التي يبنيها الفرد مع ذاته، موضحًا أن ممارسة الرياضة بوتيرة تتناسب مع القدرات البدنية والعاطفية تعزز مفاهيم التعاطف مع الذات والمرونة النفسية بدلًا من القسوة والضغط.
وأضاف أن الاستدامة تساعد الفرد على تطوير شعور مستقر بالكفاءة الذاتية من خلال إنجازات صغيرة ومتكررة، تسهم في تقليل النقد الذاتي وبناء ثقة أكثر واقعية واستقرارًا. ومن منظور علاجي، تتحول الرياضة المستدامة من سلوك أدائي إلى ممارسة داعمة للصحة النفسية تعزز تكامل هوية الإنسان بين الجسد والمشاعر والقيم الشخصية.
وأكد اللواتي أن الرياضة ليست مجرد نشاط لتحسين المظهر الخارجي، بل تُعد عادة تدخل ضمن إطار الوقاية النفسية والتدخلات العلاجية المساندة، مشيرًا إلى أن الممارسة الواعية والمستدامة للنشاط البدني ترتبط بتحسين التنظيم الانفعالي وخفض أعراض القلق والاكتئاب الخفيف إلى المتوسط وتعزيز جودة الحياة النفسية. ودعا إلى إعادة تشكيل النظرة المجتمعية للرياضة من ثقافة الأداء والمثالية إلى ثقافة الاستمرارية والوعي الذاتي، مؤكدًا أن الرياضة الأكثر فاعلية نفسيًا ليست الأشد أو الأسرع نتائج، بل تلك التي تُمارس بوعي ورحمة واستمرارية ضمن علاقة صحية مع الذات والجسد.
زيادة اللياقة والنشاط
ومن جانبه، قال مؤيد بن حمد العبري – مدرب رياضي –: إن الممارسة الصحيحة للرياضة تعني أداء التمارين بما يتناسب مع مستوى الشخص، مع الالتزام بالتكنيك السليم، مؤكدًا أن الهدف من الرياضة هو تحسين الصحة وزيادة اللياقة والنشاط، وليس تعريض الجسم للإجهاد أو الإصابة.
وأوضح أن من الأخطاء الشائعة البدء بمجهود عالٍ منذ اليوم الأول، وإهمال الإحماء، وتقليد تمارين غير مناسبة من وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم أخذ فترات راحة كافية، ما يؤدي إلى التعب السريع وعدم بناء عادة رياضية مستدامة، وقد يتسبب في الإصابات ويجعل الشخص يتوقف عن ممارسة الرياضة مبكرًا.
وحول تأثير اختيار التمارين غير المناسبة على صحة العضلات والمفاصل، أوضح العبري أن ذلك قد يسبب ضغطًا زائدًا على المفاصل والأوتار، مما يزيد من خطر الالتهابات والإصابات المزمنة، مؤكدًا أن التمرين الصحيح يجب أن يخدم الجسم لا أن يضرّه.
وأضاف أن اختيار التمرين يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسة هي: الهدف من ممارسة الرياضة، والقدرة البدنية الحالية، ونمط الحياة اليومي، مشيرًا إلى أن أفضل رياضة هي التي يستطيع الشخص الاستمرار عليها دون ضغط نفسي أو جسدي، وبما يتناسب مع أهدافه ونمط حياته.
كما أوضح العبري إمكانية دمج الرياضة في الروتين اليومي حتى تصبح عادة لا تشكل عبئًا، وذلك من خلال البدء بجرعات بسيطة تتراوح بين 20 و30 دقيقة يوميًا، واختيار أوقات مرنة، وربط الرياضة بعادة يومية ثابتة. وأكد أن الرياضة عندما تصبح جزءًا من الروتين اليومي تتحول من عبء إلى أسلوب حياة، مستشهدًا بمفهوم الأثر التراكمي للأفعال البسيطة، حيث تؤدي الممارسات الصغيرة مع مرور الوقت إلى نتائج ملموسة ومستدامة.