هل بلغ الدَّين العام نقطة التحول؟
الثلاثاء / 23 / رجب / 1447 هـ - 11:00 - الثلاثاء 13 يناير 2026 11:00
جون بلندر / ترجمة - بدر بن خميس الظفري -
هل أصبح الدَّين العام في الدول المتقدمة خارج نطاق السيطرة عمليًّا؟ هذا السؤال وجيه، ولا ينطوي على مبالغة؛ فالأرقام الحديثة للدَّيْن تُظهر بوضوح مدى ابتعادنا عن النموذج التقليدي للمالية العامة، الذي كان يقوم على تراكم الديون زمن الحروب ثم سدادها في فترات السلم.
لنبدأ بالولايات المتحدة؛ فقد انخفضت نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في أكبر اقتصاد في العالم من 106 في المائة عام 1946 إلى 21.6 في المائة في عامي 1990-1991، لكنها عادت لترتفع إلى قرابة 100 في المائة، بفعل عوامل من بينها الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19. الحقيقة المقلقة أن الولايات المتحدة، شأنها شأن غيرها، تواجه نموًا اقتصاديًّا أضعف مقارنة بعقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع ارتفاع أسعار الفائدة واتساع عجز الموازنات. ويقدّر مكتب الميزانية في الكونجرس أن نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي قد ترتفع إلى مستوى غير قابل للاستدامة يبلغ 156 في المائة بحلول عام 2055، بما قد يقوّض دور سندات الخزانة الأمريكية بوصفها الركيزة الأساسية للنظام المالي العالمي.
وفي أوروبا، يتوقع صندوق النقد الدولي تضاعف متوسط الدين العام للدول خلال الـ15 عامًا المقبلة في حال غياب تغييرات في السياسات، الأمر الذي سيقود إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتباطؤ النمو، وزيادة الهشاشة المالية. وجميع هذه الاتجاهات تعني تحميل الأجيال القادمة عبئًا لا يُحتمل.
توجد، بطبيعة الحال، وسائل تقليدية لخفض نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي. تحقيق فائض أولي في الموازنة قبل احتساب فوائد الدين يظل أداة أساسية. كما يسهم النمو الاقتصادي في زيادة الإيرادات الضريبية وتقليص الإنفاق الدوري. والحفاظ على أسعار فائدة حقيقية أدنى من معدل النمو يُعد آلية قوية لتقليص الدين. كذلك تقوم عدة ظواهر مثل الخفض غير المعلن للدين عبر التضخم، إلى جانب القمع المالي الذي تُجبِر فيه الحكومات المستثمرين على شراء سنداتها بأسعار أدنى من السوق، بدور مؤثر.
تجربة المملكة المتحدة بعد الحرب تقدم مثالًا دالًّا على تفاعل هذه العوامل. فقد تراجعت نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي من أكثر من 250 في المائة عام 1946 إلى نحو 42 في المائة بعد ثلاثة عقود. وفي دراسة محورية، يبيّن باري آيخنغرين وروي إستيفيس أن بريطانيا حققت خلال معظم فترة ضبط الدين بين 1946 و1955 فوائض أولية كبيرة ومتواصلة، رغم التوسع الواسع لدولة الرفاه في ظل حكومة حزب العمال. غير أن العامل الأكبر في خفض الدين كان التضخم، الذي أسهم بأكثر من 80 في المائة من عملية تقليص الدين خلال تلك الفترة. وبعد عام 1955، تولّى الانضباط المالي والنمو الاقتصادي الدور الأبرز، وهو أمر لافت بالنظر إلى سجل بريطانيا الاقتصادي آنذاك، إذ تراجع أثر تضخم أسعار المستهلكين، الذي بلغ ذروته عند 24 في المائة عام 1975، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة.
سياسات خفض الدين بهذا الحجم اتسمت بصراع توزيعي حول الدخل، يدور على سؤال من يتحمّل الكلفة: أصحاب الريع، أو العمال، أو رواد الأعمال عبر ضرائب مرتفعة. غير أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ تتداخل هذه الفئات، خاصة أن فئة أصحاب الريع اليوم تضم ملايين المنتسبين إلى أنظمة التقاعد.
هذا الصراع يتفاقم في الوقت الراهن بفعل ضغوط متزايدة لتوسيع الإنفاق العام لمواجهة شيخوخة السكان، وما يترتب عليها من تكاليف مرتفعة للمعاشات والرعاية الصحية وغيرها. ويُضاف إلى ذلك عبء التوترات الجيوسياسية وتكاليف التكيف مع تغيّر المناخ.
هل يمكن أن ينقذنا تسارع النمو الناجم عن قفزة إنتاجية تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ في دراسة حديثة لمعهد أبحاث دويتشه بنك، يأخذ ماثيو لوزيتي وزملاؤه متوسط تقديرات عدد من كبار الاقتصاديين، ويخلصون إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية بنحو 0.5 إلى 0.7 في المائة سنويا. غير أنهم يرون أن هذا الأثر سيؤدي على الأرجح إلى إبطاء الارتفاع التدريجي للدَّين أكثر مما يقود إلى انعكاس حاد في مساره، وبالتالي لا يمثل حلا سحريا.
في عالم بات فيه النمو معتمدا على الدَّين بصورة متزايدة، تولّد الاستقطابات السياسية والشعبوية مطالب متعارضة بمزيد من الإنفاق وأقل من الضرائب. في الوقت نفسه، أسهمت البنوك المركزية في تعقيد المشهد عبر ميلها إلى توفير شبكات أمان للأسواق عند الهبوط، مع عجزها عن كبح موجات التفاؤل المفرط. كما أن التزامها باستهداف التضخم جعل من الصعب استخدام التضخم لتخفيف عبء الدين؛ لأن أثره لا يتحقق إلا إذا جاء غير متوقع، وإلا فإن ارتفاع أسعار الفائدة يعادله ويُفرغه من مضمونه. وبذلك يصبح هذا المسار معتمدا على أخطاء جسيمة من البنوك المركزية، أو على تمويل مباشر للدين العام بقرار سياسي.
أما القمع المالي، فيواجه بدوره صعوبات في عالم مالي أكثر تطورا؛ حيث تبدو ضوابط الصرف اللازمة لدعمه قابلة للاختراق على الأرجح. وعليه، يتضح أن الانضباط القاسي الذي تفرضه أسواق السندات، أكثر من الإرادة السياسية، هو العامل الحاسم في ضبط الدين. وهذا المسار يشير، مع مرور الوقت، إلى أزمات مالية واضطرابات سياسية.
يرى الاقتصادي السويدي أندرس أوسلوند أن الوضع الراهن يستحضر أجواء عام 1929. وحتى لو بدا هذا التوصيف متشددا، يصعب تجاهل الخلاصة الأساسية، وهي أن نهاية هذا المسار لا تبدو مبشرة.
جون بلندر كاتب وصحفي اقتصادي بريطاني بارز، يعمل كاتبًا ومحللًا في صحيفة فايننشال تايمز. اشتهر بكتاباته المتخصصة في الشؤون المالية والاقتصادية العالمية، ولا سيما قضايا الدَّين العام، والأسواق المالية، والسياسات النقدية، والاستقرار المالي.
الترجمة عن صحيفة فايننشال تايمز