عُمان الاقتصادي

سوق النفط حالة من التوازن المصطنع

 

علياء السعيدية -

لم يعد سوق الطاقة العالمي يُدار وفق معادلة العرض والطلب التقليدية وحدها، بل أصبح نتاج تفاعل معقّد بين لاعبين كبار يتقنون تكرار نفس الاستراتيجيات القديمة ولاعب صيني حريف وصبور. فكل برميل نفط اليوم يحمل داخله قصة تتجاوز مكان استخراجه، لتعكس شبكة من القيود والعقوبات والتحالفات، وسلوكيات التخزين والتوقيت، التي تعيد تعريف معنى «الاستقرار» في السوق.

في هذا السياق، تبرز فنزويلا بوصفها حالة كاشفة لا استثنائية؛ دولة تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنها عاجزة عن تحويل هذه الثروة إلى قوة اقتصادية أو سياسية مستقلة. فالعقوبات، وتآكل البنية التحتية، وانحسار قنوات التسويق، جعلت النفط الفنزويلي حاضرا في السوق وغائبا عن السيادة، يتحرك ضمن مسارات ضيقة لا تتحكم بها الدولة المنتِجة.

يتقاطع هذا الواقع مع تحولات أوسع في المشهد الطاقي العالمي، حيث تلعب القوى الكبرى أدوارا غير متكافئة: الولايات المتحدة تضغط وتُنظّم، روسيا تؤمّن وتُسهّل، والصين تراقب وتخزّن. وفي الخلفية، يضيف صعود الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضغطا جديدا على منظومة الطاقة، بينما تعيد المشاريع الخضراء ترتيب أولوياتها تحت وطأة الواقع المالي والتشغيلي.

من هنا، لا يمكن قراءة نفط فنزويلا، أو استقرار السوق في 2026، أو حتى مستقبل التحول الطاقي، كملفات منفصلة، بل كأجزاء من نظام واحد يعيد تشكيل نفسه تحت وطأة القيود، ويكشف أن الاستقرار الحالي ليس حالة طبيعية، بل نتيجة إدارة دقيقة لهشاشة متراكمة.

تُعد آبار النفط في فنزويلا من الأغنى عالميا، إذ تتركز في حزام أورينوكو وتحتوي على نفط ثقيل جدا بكميات هائلة. ورغم هذه الوفرة، لم تتحول الثروة النفطية إلى قوة اقتصادية مستقرة، بسبب تدهور البنية التحتية وسوء الإدارة والعقوبات الدولية. منذ عام 2017، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على قطاع النفط الفنزويلي، ما أدى إلى شلل كبير في تشغيل الآبار وتراجع الإنتاج إلى مستويات تاريخية منخفضة، رغم أن المشكلة لم تكن في وجود النفط بل في القدرة على تسويقه وتمويل تشغيله.

الهجوم الأمريكي على قطاع النفط الفنزويلي لم يكن عسكريا، بل اقتصاديا–سياسيا، استهدف بالأساس شركة النفط الوطنية PDVSA، عبر تقييد قدرتها على التصدير، والتحصيل المالي، والحصول على التقنيات والخدمات. هذا النوع من الضغط حوّل النفط من أداة سيادية إلى عبء، حيث أصبح الإنتاج ممكنا فقط ضمن هوامش ضيقة وبقنوات غير مباشرة، وغالبا بخصومات كبيرة، ما أضعف قدرة الدولة على الاستفادة من موردها الأساسي.

في هذا السياق، برز دور شركة Chevron كاستثناء لافت، بعد أن منحتها واشنطن ترخيصا خاصا يسمح لها بإعادة تشغيل بعض الآبار بالشراكة مع PDVSA. غير أن هذا الدور بقي محدودا ومشروطا، إذ يُستخدم النفط المنتج أساسا لسداد ديون سابقة ولا يدخل بحرية إلى خزينة الدولة الفنزويلية. بذلك أصبحت شيفرون أداة تنظيم داخل نظام العقوبات، لا بوابة تحرر للقطاع النفطي، ما يعكس نموذجا يُسمح فيه بالإنتاج دون سيادة حقيقية على القرار أو العائد.

رغم أن شركة Chevron تعمل ضمن إطار قانوني أمريكي، وهي شركة أمريكية في الأساس، ولا تبيع نفطها إلا عبر مسار واحد يتمثل في خليج المكسيك باتجاه الولايات المتحدة، وذلك لأن مصافي النفط هناك هي الوحيدة القادرة على معالجة النفط الفنزويلي شديد الثقل، وقد صُمِّمت في الأصل خصيصا لهذا النوع من النفط؛ فإن ذلك لا يعني عدم وجود مسارات أخرى، أو استحالة ظهورها. هو ما حدث بالفعل عندما فُتحت مساحة موازية استغلتها شركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA لتصريف كميات إضافية من النفط عبر قنوات غير رسمية. ففي ظل القيود الصارمة المفروضة على التحصيل المالي والتصدير، لجأت PDVSA إلى وسطاء وشركات شحن غير مُعلنة لبيع النفط الفنزويلي فيما يُعرف بـ«الأسواق الرمادية»، ولا سيما باتجاه آسيا، وعلى رأسها الصين.

ماذا يحدث فعلا لسوق الطاقة جراء بيع النفط الفنزويلي بهذا الشكل؟

أولا: تشوّهت صورة الطلب العالمي على النفط. فالكميات التي خرجت من فنزويلا عبر الأسواق الرمادية، خصوصا إلى آسيا، ظهرت في البيانات كطلب صيني أو آسيوي مرتفع، بينما هي في الواقع طلب تخزيني أو التفافي وليس استهلاكا حقيقيا. هذا خلق فجوة بين الأرقام الرسمية للطلب وبين الواقع الفعلي، وساهم في حالة «الضبابية» التي تتحدث عنها تقارير السوق؛ حيث بدا أن السوق متماسك رغم ضعف النمو الحقيقي.

ثانيا: خسرت فنزويلا القيمة الكاملة لنفطها. فبيع الخام بخصومات كبيرة، ومروره عبر وسطاء وشركات شحن غير معلنة، يعني أن الدولة لم تستفد إلا بجزء محدود من العائدات. النفط استمر في التدفق، لكن السيادة المالية لم تعد معه؛ إذ لم تتحول الإيرادات إلى استثمار أو إعادة تأهيل للبنية التحتية، بل إلى سيولة قصيرة الأجل تُستخدم للبقاء، لا للتعافي.

ثالثا: استفاد النظام النفطي القائم دون أن يتغير. الولايات المتحدة أبقت السيطرة عبر الترخيص المحدود لـ Chevron، والصين استفادت من نفط رخيص، بينما بقيت فنزويلا خارج السوق الرسمي الكامل. أي أن الأسواق الرمادية لم تكسر العقوبات، بل التفّت حولها دون أن تنهيها، ما أدى إلى إطالة عمر الأزمة بدل حلّها، وتحويل النفط من أداة سيادية إلى أداة توازن مؤقت في سوق عالمي هش.

في قلب هذا المشهد المعقّد، أصبح نفط فنزويلا جزءا من معادلة توازن غير معلنة. فقد استوعبت الصين جزءا مهما من الخام الفنزويلي، مستخدمة إياه لتعزيز مخزونها النفطي الاحتياطي وامتصاص فائض المعروض العالمي عند انخفاض الأسعار، بما يساهم في تهدئة تقلبات السوق بدل دفعها نحو الارتفاع الحاد. هذا التدفق ما كان ليحدث لولا الدور اللوجستي الذي لعبته روسيا، عبر توفير شبكات شحن وتأمين بديلة وخبرة في الالتفاف على القيود الغربية، دون أن تكون سوقا نهائية للنفط نفسه. في المقابل، مارست الولايات المتحدة ضغطها من خلال نظام عقوبات وبهذا، تحوّل النفط الفنزويلي من مورد وطني إلى أداة توازن داخل نظام دولي دقيق، تُستخدم فيه البراميل لضبط السوق لا لتحرير الدولة المنتِجة. وأود التنوية أن الصين ليست الدولة الوحيد التي أشترت النفط الفنزويلي ولكنها الأعلى نسبيا. فقد قامت استراتيجية الصين في سوق النفط على مبدأ بسيط لكنه بالغ الفعالية: تحييد المخاطر بدل الرهان على سيناريو واحد.

وقد يكون ما حدث أشبه بـ«فتح النار» إعلاميا على فنزويلا، لإبراز نيكولاس مادورو – رئيس فنزويلا – في وسائل الإعلام الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي ليبدوا لي بأنه في رحلة سياحية مؤقتة، لأسباب إعلامية وسياسية بالدرجة الأولى. ففنزويلا، رغم القيود المفروضة عليها والحرب الاقتصادية التي تتعرض لها، ليست السبب الجوهري فيما يجري. بل إن التدخل الصيني هو العامل الأساسي خلف الغضب الأمريكي. والدليل على ذلك أن هذه الفترة التي تظهر فيها الولايات المتحدة بعرض سياسي يكاد يكون مسرحيا، تشهد في المقابل تحركات موازية في آسيا، تمثلت في تصاعد التحالف الأمريكي مع كلّ من كوريا الجنوبية واليابان في مواجهة الصين، وعلى مقربة من الأراضي التايوانية. فقد نفذت كوريا الجنوبية استعراضا عسكريا بالستيا في بحر اليابان، في رسالة ردع موجّهة إلى الصين. ويبدو المشهد هنا ساخرا إلى حدٍّ ما؛ فتايوان تتلقى دعما عسكريا أمريكيا منذ عام 2018، وتتقاطع هذه التواريخ مع التصعيد الإعلامي والسياسي المرتبط بالملف الفنزويلي. والحقيقة أن أزمة فنزويلا تعود أساسا إلى ضعفها الداخلي، وأن التدخل الخارجي ليس إلا نتيجة لهذا الضعف، بينما تُستخدم القضية الفنزويلية كورقة ضمن صراع أوسع، حيث تمثل تايوان الورقة الأمريكية الأهم في مواجهة الصين. فالولايات المتحدة تمتلك الموارد والقوة العسكرية، واليابان تمتلك التكنولوجيا والقاعدة الصناعية، وقد بدأت طوكيو مؤخرا بمراجعة سياساتها الدفاعية التقليدية، بما في ذلك القيود المرتبطة بعدم امتلاك السلاح النووي. أما كوريا الجنوبية، فتمتلك قدرات عسكرية وقوة بشرية. في المقابل، تمتلك تايوان «السبب» والموقع الجغرافي الحاسم.

قراءات أوبك لأسواق الطاقة لعام 2026

تشير قراءات أوبك لعام 2026 إلى أن سوق النفط يتجه نحو نمو خفيف ومستقر في الطلب، بنحو يقارب 1.3–1.5 مليون برميل يوميا، مع بقاء الزخم الأساسي في الدول غير الصناعية، وعلى رأسها آسيا. في المقابل، ترى أوبك أن جانب المعروض سيظل قابلا للزيادة، سواء من خارج المنظمة أو من بعض الأعضاء المقيدين سياسيا، ما يجعل السوق متوازنا ظاهريا لكنه هش فعليا. لذلك تركز أوبك في قراءاتها على إدارة المعروض بحذر، لأن أي زيادة غير منضبطة قد تدفع السوق إلى فائض يضغط على الأسعار، في وقت لم يعد فيه الطلب قويا بما يكفي لامتصاص الصدمات الكبيرة.

وترتبط هذه القراءة مباشرة بما يحدث في الواقع، خصوصا مع نفط فنزويلا، واستراتيجية التخزين التي تتبعها الصين، والضغط المنهجي الذي تمارسه الولايات المتحدة عبر العقوبات والترخيص المحدود. فالتدفقات الرمادية والتخزين الصيني يخلقان طلبا «مخفيا» يدعم السوق دون أن يعكس استهلاكا حقيقيا، وهو ما يفسر لماذا يبدو السوق مستقرا رغم كل الاضطرابات. من هذا المنظور، لا تقرأ أوبك الأرقام فقط، بل تقرأ سلوك اللاعبين، وتفهم أن استقرار 2026 ليس نتيجة توازن طبيعي، بل نتيجة إدارة سياسية واقتصادية دقيقة لسوق لم يعد يعمل بحرية كاملة.

مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي: مستهلك متنامٍ للطاقة

أدى التوسع السريع لشركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى قفزة نوعية في الطلب على الكهرباء، ليس بسبب عدد المستخدمين فقط، بل بسبب طبيعة التقنية نفسها. فعمليات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها تعتمد على مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، تعمل على مدار الساعة وتتطلب تبريدا مستمرا واستقرارا كهربائيا عاليا. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى مرحلة الاستخدام التجاري الواسع، أصبح استهلاك الكهرباء عنصرا أساسيا في تكلفة هذه الشركات، ما جعل الطاقة عاملا محددا لمواقع الاستثمار والتوسع.

هذا التحول خلق ضغطا جديدا على شبكات الكهرباء في عدة دول، خصوصا في المناطق التي تستضيف مراكز بيانات ضخمة، حيث بدأ الطلب الصناعي الرقمي ينافس الطلب التقليدي من المصانع والمدن. ونتيجة لذلك، اتجهت شركات الذكاء الاصطناعي والبيانات إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع مزودي الكهرباء، والاستثمار في مصادر طاقة مخصصة، بما في ذلك النفط والغاز بشكل مستعجل، لضمان الاستقرار وتقليل المخاطر. وبهذا، لم تعد الكهرباء مجرد مدخل تشغيلي، بل تحولت إلى عنصر استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين قطاع التكنولوجيا وأسواق الطاقة، ويجعل نمو الطلب الكهربائي أكثر ارتباطا بالاقتصاد الرقمي من أي وقت مضى.

مسار أكثر براجماتية في 2026

رغم الزخم الكبير الذي رافق المشاريع الخضراء في السنوات الماضية، بدأت هذه الاستثمارات تواجه واقعًا أكثر تعقيدا مع تغيّر الظروف الاقتصادية والطاقية. فارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ النمو العالمي، وزيادة تكاليف المواد وسلاسل التوريد، جعل العديد من مشاريع الطاقة المتجددة أقل جاذبية على المدى القصير، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على التمويل الرخيص والدعم الحكومي. ومع ازدياد الطلب الفوري على الكهرباء بسبب مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، عادت بعض الشركات إلى إعطاء الأولوية لمصادر طاقة أكثر استقرارا وسرعة في التنفيذ، حتى وإن كانت أقل «خُضرة».

في هذا السياق، لجأت بعض الشركات الكبرى إلى الانسحاب الجزئي أو تقليص حجم استثماراتها الخضراء وقد شاهدنا أمثله على هذه الانسحابات محليا وعالميا وهذه التراجع ليس رفضا للتحول الطاقي، بل إعادة ترتيب للأولويات. فالعديد من هذه الشركات اكتشفت أن الانتقال الأخضر لا يسير بخط مستقيم، وأن الفجوة بين الأهداف المناخية والواقع التشغيلي أكبر مما كان متوقعا. وبدل التخلي الكامل عن المشاريع الخضراء، اتجهت إلى تأجيلها، أو دمجها مع مصادر طاقة تقليدية، أو التركيز على مشاريع ذات عائد أسرع ومخاطر أقل. بذلك، لم يتوقف التحول الأخضر، لكنه دخل مرحلة أكثر براغماتية وأقل اندفاعا، تعكس ضغوط السوق أكثر مما تعكس تراجعًا في القناعة طويلة الأمد.

وختاما، يُظهر المشهد الحالي أن النفط لم يفقد أهميته، لكنه فقد بساطته. فالتدفقات التي تحافظ على استقرار السوق ليست دائما انعكاسا لطلب حقيقي، بل كثيرا ما تكون نتيجة تخزين استراتيجي، أو تجارة رمادية، أو قرارات سياسية تُدار خارج منطق السوق الحر. وفي هذا الإطار، يصبح نفط فنزويلا مثالا على كيف يمكن لمورد سيادي أن يتحول إلى أداة توازن تخدم النظام الدولي أكثر مما تخدم الدولة المنتِجة.

تكشف التجربة الفنزويلية أيضا أن العقوبات لا تُخرج النفط من السوق، بل تُغيّر مساره وقيمته ومن يتحكم به. فالنفط يستمر في التدفق، لكن العائد والسيادة يتبددان، بينما تستفيد أطراف قادرة على إدارة المخاطر والتوقيت، وفي مقدمتها الصين، التي صممت استراتيجيتها بحيث تربح سواء بقي النفط مُقيّدا أو تحرر لاحقا.

في المقابل، تواجه المشاريع الخضراء والاقتصاد الرقمي اختبارا واقعيا؛ حيث يتزايد الطلب على الكهرباء بسرعة تفوق قدرة التحول الطاقي على الاستجابة الفورية. هذا التوتر بين الطموح المناخي والحاجة التشغيلية لا يعني تراجع التحول الأخضر، بل دخوله مرحلة أكثر حذرا وبراجماتية، تُعيد فيها الأسواق ترتيب أولوياتها تحت ضغط الاستقرار والكلفة.

في المحصلة، لا يعكس استقرار سوق النفط المتوقع في 2026 توازنا طبيعيا، بل توازنا مُدارا بدقة بين قوى كبرى، ومصالح متقاطعة، وقيود غير معلنة. وهو استقرار قابل للاستمرار ما دامت هذه الإدارة قائمة، لكنه يظل هشا؛ لأن أي اختلال في أحد أطرافه قد يعيد طرح السؤال الجوهري من جديد: من يملك سوق الطاقة فعلا؟

علياء بنت سعيد السعيدية متخصصة في علوم هندسة الطاقة والمعلوماتية