أفكار وآراء

سوق بَهلا.. رؤية تطويرية جذرية

بَهلا.. مدينة عريقة، انتظمت حضارياً ـ بحسب المعطيات الآثارية ـ في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكان نظامها السياسي «مدينة الدولة»؛ الذي انتشر في تلك الحقبة بالمنطقة. وتأتي بَهلا بعد كدم؛ في النشأة والحجم، وظلت محافظة على توهجها الحضاري حتى اليوم.

لقد قامت بَهلا في العهد الإسلامي بأدوار كبيرة ومؤثرة على المستوى العماني، وبلغ تأثيرها المحيطين العربي والإسلامي؛ سواءً مِن الناحية السياسية أم العلمية؛ ولذلك؛ أولاها الحكام؛ أئمةً وسلاطين عنايتهم، فكانت في بعض الأزمنة عاصمة سياسية وحوزة علمية. وفي الجانب الاقتصادي.. لم تقل شأناً؛ فقد كانت سوقاً رائجاً مِن أسواق عمان للحاضرة والبادية، فبَهلا.. هي المدخل الغربي إلى الجوف، وما يليه مِن أرض عمان. ولذلك؛ سمي الباب الرئيس لسورها، والمنفتح على الغرب بـ«باب بادي»؛ لأنَّه مبتدأ دخول قوافل الإبل التجارية التي تحط رحالها في السوق، وقد أدركتُ بعضها.

وتوفيراً لمتطلبات السوق الواسعة؛ اشتمل على أسواق «أقسام» تخصصية، مثل: قسم الصفافير لصناعة الأواني وطلائها، وقسم الماشية، وقسم الأطعمة، وقسم النيلة لغسل الملابس وصبغها، وقسم القصابة، وقسم الصياغة؛ والعرصة للمناداة على البضاعة الواردة يومياً إلى السوق. بالإضافة إلى عموده الفقري، وهو أجنحة الدكاكين التي تبيع احتياجات الناس؛ مِن ملابس وأواني طبخ وأدوات الزراعة والصناعة، والبقوليات والحبوب والأعلاف ونحوها.

والسوق.. لم يقتصر على بيع الحاجات المادية، فقد كان للجانب العلمي حضوره، حيث رصدت تقييدات الكتب بعضاً مِنه؛ مثل: (انتقل هذا الجزء [الجزء 44، من «بيان الشرع» للكندي] بالشراء الصحيح مِن سوق بَهلا بلاريتين فضة وربع شاخة، للكتب التي أوقفها الشيخ الفقيه عمر بن سعيد المعد البَهلوي، ليتعلم مِنها المسلمون مِن قرية بَهلا، غفر الله له ولكافة المسلمين. وكتبه الفقير إلى رحمة ربه القدير حسن بن حاجيه بن جاموه البلوشي البَهلوي بيده).

عملياً.. السوق ليس مستقلاً عن بقية قطاعات المدينة؛ وإنَّما يتكامل معها، فهو مرتبط بالحصن والجامع العتيق، ولذلك بنيت في منطقة واحدة؛ ومرَّ فلجا الميتا والمقيل عليها لتغذيتها، فهذه العناصر مما تشكل البُنية الأساسية لمدينة بَهلا؛ جامعةً بين المقر السياسي والمحكمة القضائية والمعهد العلمي والمؤسسة الاقتصادية. وهي مع المرافق الأخرى كالأوقاف وبيت المال والحارات والمجالس العامة والبساتين، محاطة بالسور الذي حافظ عليها، حتى غدا هو بذاته مؤسسة.

أما بالنسبة لهيكل السوق.. فيتكون مِن بناء مركزي؛ تشكّل الجدر الخلفية لمحلاته حائطاً يغلقه؛ الذي به خمسة أبواب؛ اثنان مِنها: أحدهما على الطرف الشرقي لصف الدكاكين الشمالي، والآخر على طرفه الغربي. أما الثلاثة الباقية.. فكل واحد مِنها يأتي في النهاية الجنوبية لكل سكة مِن السكك التي أوجدتها الدكاكين الممتدة مِن الشمال إلى الجنوب، وهذه الأبواب تُفتح بعد صلاة الفجر وتُغلق قبيل أذان المغرب، ولصلاتي الظهر والعصر. وداخلياً.. يتكون السوق مِن قسمين: الشرقي وهو الأقدم، وبه عرصة المناداة على الخضروات والتمر والحبوب ونحوها، وكان به قسم القصابة؛ بحسب رواية الآباء، ثم تحول إلى خارج السوق مِن جهة الغرب؛ شمال قسم الصفافير. والقسم الغربي؛ به عرصة تتوسطها حلقة مناداة الأغنام في الأيام العادية، التي تدور على سوقمة كبيرة معمِّرة، وأثناء هبطات الأعياد؛ تتحول كل سكك السوق وعرصاته إلى حلقة مناداة للأغنام.

غرب السوق.. تمتد مِن الشمال إلى الجنوب تنانير وتركبات المأكولات كالفندال والهريس والدنجو. وأمَّا تركبات الحلوى فكانت شرق السوق على ضفة «شرجة السوق». وحلقة البقر والجمال.. في «بستان سحيم» شمال السوق، وفي هذا البستان كذلك يخيم الباعة القادمون مِن خارج بَهلا.

هكذا أدركتُ سوق بَهلا، ومنذ طفولتنا أخذ يتغيّر في شكله ومواده التجارية وآلية عمله، ولكن أخذ توهجه في الانطفاء، حتى بلغ حضيضه في العقدين الأولين مِن هذا القرن الميلادي، ثم بدأ يعود لنشاطه بمقاهٍ تجمع بين نكهة الماضي وأناقة الحاضر؛ بعدما رممت الحكومة قسمه الشرقي.

وهنا، أقدِّم مقترحاً لتطوير السوق، في إطار تطويره المستمر الذي بدأ منذ عدة سنوات، فقد رمم القسم الشرقي الأقدم بكونه متهالكاً، وأعيد تشغيله بافتتاح مقاهٍ معاصرة. وأضيفت كذلك خارجه مواقف للسيارات ومحلات.

بيد أنَّ كل ذلك.. إضافات جزئية لم تنطلق مِن رؤية متكاملة، وإنَّما مِن رؤى مفردة تحت ضغط الحاجة. إنَّ ما يحتاج إليه السوق ليعمل بصورة نشطة، ويجذب إليه المشاريع الحيوية والزبائن والسياح، هو رؤية متكاملة جذرية. وأضع هنا بعض المقترحات التي أرجو أنْ تكون ملهمة لواضع هذه الرؤية:

1. إدراك العمق الحضاري لبَهلا، وما قامت به مِن أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ـ تحدثت أعلاه عن بعضها ـ ووضع هذا العمق في صلب الرؤية المبتغاة.

2. الاستفادة مِن الحراك الثقافي النشط للولاية، فهي مِن أنشط الولايات ثقافياً، والآن؛ مركز الندوة الثقافي، والمثقف البَهلوي عموماً، من أعمدة الثقافة العمانية، وأستطيع الزعم بأنَّ البَهلوي يتحرك بدوافع ثقافية في أعماله اليومية؛ أكثر مِن تحركه بدوافع اقتصادية.

3. استثمار البُعد السياحي الواسع لبَهلا، والسوق في قلبها، وهو يتآخى مع الحصن والجامع والفلج والسور، بالإضافة إلى الحرف كالفخار والصياغة والحدادة والشمارة والنساجة، وكلها معطيات سياحية حضارية.

وبَهلا ذاتها.. ضمن قائمة التراث العالمي، وتحتوي مِن المعالم السياحية ما قد تفوق به الولايات الأخرى؛ فإذا نظرنا إليها وسط المدن التاريخية المجاورة: عبري.. معبر القوافل التاريخية، والحمراء.. بعمقها الكدمي ذي المعالم الحضارية النادرة على مستوى الجزيرة العربية، ونزوى.. العاصمة التاريخية؛ سياسياً وعلمياً، ومنح.. المتوَّجة بـ«متحف عمان عبر الزمان»؛ فإنَّ بَهلا مِن أهم مركز السياحة التأريخية، وهي مع سوقها مهيآن ليكونا مِن أهم عناصر الجذب السياحي العالمي.

4. إنَّ المحافظة على العناصر التجارية القديمة ضرورية؛ ولكن لا تعني أنْ نقدمها بطريقة منتهية الصلاحية، فيوجد الآن مِن الأساليب والوسائل الحديثة ما يجعل هذه العناصر جذابةً للغاية، لاسيما باستخدام النُظُم الرقمية والأساليب الحديثة.

5. نتيجة هذه المعطيات.. فسوق بَهلا بحاجة إلى «رؤية تطويرية جذرية»، متجاوزةً الإضافات الجزئية، والتي قد تتمخض عن مشهد مشوَّه. الرؤية التطويرية.. ينبغي أنْ تأخذ في حسبانها كل المعطيات الحضارية والمدنية التي تحتضنها المدينة؛ بما فيها الطريق العام المزمع تأهيله، والذي يخترق المدينة طولاً ماراً بالسور والحصن والجامع والأفلاج والبساتين والسوق والمقابر والحارات والشرجة والوادي. إنَّ رسم لوحة جمالية مِن هذا المشهد الحضاري الذي قلما يضاهيه مشهد آخر، لجدير أنْ يخدم الحركة التجارية في السوق خدمة كبيرة. ولتأسرنا هذه الصورة الجمالية يكفي أنْ نرى فيها الشرجة والوادي يجريان كنهرين طوال العام، بضخ المياه فيهما قرب السوق مِن خلال المشروع التطويري.

6. في وضع الرؤية الشاملة للسوق؛ ينبغي إشراك ممثلين عن القوى الفاعلة في المدينة؛ مِن تجار وأهالٍ ومؤسسات ومثقفين ومؤرخين وذوي الخبرة، بعقد ورش عمل حتى تنضج الرؤية ببرنامج عمل زمني.

7. توحيد إدارة مشروع تطوير السوق، وأنْ تكون لها صلاحيات نافذة، والانتهاء مِن تجزئة مرجعيته بين المؤسسات الحكومية والجهات الأهلية.

8. التحول مِن النظر إلى السوق بأنَّه موقع محدد بمكانه الآن؛ إلى اعتباره مؤسسة ذات أبعاد واسعة. ومكانياً.. أشبهه بالعقد الذي يشكل السوق القديم جوهرته الوسطى؛ ممتداً إلى حصن جبرين جنوباً، وحي السعد شمالاً؛ بحيث يُنشأ معلم حضاري في طرفه؛ يناظر حصن جبرين.

9. تطوير طرق المدينة إلى ممرات سياحية، تربط السوق بالحارات والمساجد ومدارس القرآن والمجالس العامة ومصانع الفخار وتنانير الشواء، التي ينبغي تأهيلها لتكون ذات مردود اقتصادي، دون الخروج عن المعايير التراثية لليونسكو.