أفكار وآراء

مقتل نيكول غود ومأزق الإمبراطورية الأمريكيّة

ترجمة: بـدر بن خميـس الظّفري

يوم الأربعاء أطلق أحد عناصر هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية -اختصارا «آيس»- النار، فأردى امرأة بيضاء تبلغ من العمر 37 عاما هي رينيه نيكول غود، وهي مواطنة أمريكية وأم لثلاثة أطفال، وذلك خلال مداهمة اتحادية للهجرة في مدينة مينيابوليس.

وفي مقطع مصوّر انتشر عبر الإنترنت تظهر غود جالسة خلف مقود سيارتها الرياضية بينما يقترب منها عناصر «آيس». وكانت قد أوصلت وفق ما أفيد طفلها الأصغر إلى المدرسة للتو، وهي في طريقها إلى المنزل حين دخلت شارعًا كانت «آيس» قد أغلقته في إطار عمليتها.

ويقول شهود: إن العناصر أمطروا غود بأوامر متناقضة؛ فبعضهم طلب منها الخروج من السيارة فيما أمرها آخرون بالتحرك بينما كانوا يطوّقون المركبة. وعندما أُمِرت بالنزول حاولت الفرار. وما أن ضغطت على دواسة الوقود وأدارت المقود، حتى استلّ أحد العناصر مسدسه وأطلق من مسافة قريبة ثلاث رصاصات عبر نافذة جهة السائق.

اندفعت السيارة إلى الأمام، فاصطدمت بعمود إنارة، ثم ارتطمت بسيارة متوقفة على جانب الطريق. وسارع المارّة فورًا نحوها. وحاول رجل عرّف عن نفسه بأنه طبيب الوصول إلى غود، لكن عناصر «آيس» منعوه، وتوفيت في مكان الحادث.

إنّ الأرض التي قُتلت عليها غود بعد انتقالها حديثا مع أسرتها للاستقرار في مينيسوتا لم تكن يوما أرضا محايدة؛ فقد تحولت الولاية إلى بؤرة للاحتجاج على تصرفات الشرطة بعد مقتل جورج فلويد عام 2020، كما أن الجاليات الصومالية فيها ظلت لفترة طويلة هدفا للريبة المتصاعدة في الخطاب السياسي الوطني والسياسات الفيدرالية.

هذه التوترات المتراكمة منذ سنوات ـ والتي تأججت في الأشهر الأخيرة بفعل لغة نزع الإنسانية التي يكررها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحق الصوماليين واصفا إياهم بـ«القمامة»، ومغذّيا مناخا من الهلع المعادي للأجانب، ثم تضخمت عبر فضيحة مصطنعة تتعلق بمراكز رعاية أطفال صومالية جرى ترويجها من شخصيات يمينية على المستوى الوطني ـ أسهمت في تهيئة المسرح لحمى إنفاذ اتحادي في مينيابوليس. وكأنما كان الأمر متوقعا؛ فقد تبع مقتل غود مباشرة ذلك التلاعب بالوقائع الذي بات مألوفاً بعد عمليات قتل الشرطة لأشخاص سود غير مسلحين. فمن ترامب نفسه إلى وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم سعى المسؤولون الحكوميون إلى صرف أنظارنا عما وثّقته اللقطات المصوّرة بوضوح. وقالت نويم للصحفيين: «التزم ضابطنا بما تدرّب عليه، ونفذ تماماً ما تعلمه في مثل هذه الحالة، واتخذ إجراءات للدفاع عن نفسه وعن زملائه من عناصر إنفاذ القانون».

وسارت وسائل الإعلام الأمريكية السائدة على النهج نفسه، فسارع الصحفيون إلى الاستناد إلى «روايات متعددة»، حتى في مواجهة تسجيل مصوّر واضح وشهادات عيان مباشرة. وانصبّ التركيز على زوايا التصوير، وعلى ما إذا كانت لقطات منفردة تعكس القصة كاملة فعلا. ثم جاءت النداءات المألوفة التي تعزو الأمر إلى «ضعف تدريب» عناصر «آيس»، وإلى قرارات تُتخذ في أجزاء من الثانية، في عمل قذر يتمثل في ملاحقة «المهاجرين غير النظاميين» في مناطق ليبرالية تُوصَف تاريخيا بالعداء.

وفي بلد تتداخل فيه الأسطورة الوطنية على نحو وثيق مع سرديات الأبطال الخارقين المُسلّحين ـ بوصفها اختزالا رمزيا لفكرة الاستثنائية الأمريكية والعسكرة واستخدام القوة بوصفه فعلا مبررا ذاتيا ـ تجاوز مشهد عنف الدولة حدود الإفلات من العقاب، ودخل مرحلة قسوة «الموسم المفتوح»، كاريكاتور فاضح للسلطة إلى حدّ أن ممثلا يجسّد شخصية «سوبرمان» في التلفزيون يمكنه التفاخر باستبدال عباءته بشارة «آيس».

وفعلا بعد أيام قليلة فقط من إنزال القوات الأمريكية في كراكاس لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في استعراض للقوة القسرية غير المقيّدة كانت الإمبراطورية الأمريكية وعدوانيتها قد عادتا في شوارع ضواحي مينيسوتا؛ لقضاء عطلة الأعياد في الداخل.

نشأت هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية «آيس» في ظل ما سُمّي بـ«الحرب العالمية على الإرهاب» التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001. وقد أصبحت ركنا أساسيا في بنية القمع والمراقبة والعسكرة التي تشكّلت خلال غزوَي أفغانستان والعراق. وصُمّمت الوكالة تحديدا لملاحقة «تهديدات الأمن القومي» داخل الولايات المتحدة بما يمنح عناصرها سلطة تقديرية واسعة لتحديد من يمكن اعتباره «خطرا على السلامة العامة أو الأمن القومي». ومنذ ذلك الحين باتت تمثل عملية منفلتة تشوب سمعتها روايات مروّعة عن الانتهاكات والإفلات من المساءلة وغياب شبه تام للرقابة.

كما أن ارتباطها الوثيق بشركة «بالانتير»، وهي شركة أمريكية متخصصة في تحليل البيانات والمراقبة عمّق اندماجها في المجمع العسكري ـ الصناعي الأمريكي. وقد وصفت مجلة «سكالاواغ» شراكة «بالانتير» مع «آيس» بأنها «إحدى الروابط العديدة التي تشكّل شبكة الوصلات بين المجمع الصناعي ـ العسكري وأنظمة المراقبة التي تربط بين آيس وجيش الاحتلال الإسرائيلي». وأضافت: إن هذه الروابط تبيّن الصلات الأيديولوجية والعملية بين الجهتين، وهما تعملان على دفع عسكرة العمل الشرطي عبر تسليح تقنيات المراقبة.

وشاركت «آيس» كذلك في عدة برامج تبادل مع الجيش الإسرائيلي، وخلال احتجاجات الطلاب الداعمة لغزة استعانت بأسماء من موقع «كاناري ميشن» لتحديد المتظاهرين واعتقالهم، وهو موقع إلكتروني يُدرج أسماء ناشطين مؤيدين لفلسطين على قوائم سوداء.

قد يبدو مقتل غود في مينيابوليس حادثة مأساوية منفردة، لكن ما نشهده في الواقع هو توسّع وترسيخ جهاز الاحتلال في قلب الدولة؛ فمنذ بدء الولاية الثانية لترامب تورط عناصر الهجرة فيما لا يقل عن اثنتي عشرة حادثة إطلاق نار.

وهذه «الزيادة» ترتبط مباشرة بالسياسات؛ ففي عام 2021 أوضح «مركز حماية المدنيين في النزاعات» كيف تسربت المعدات والتكتيكات العسكرية إلى أجهزة إنفاذ القانون الداخلية. وقال المدير التنفيذي للمركز فيديريكو بوريللو: «إنّ مصطلحات مثل ساحة المعركة، والحرب الحضرية، والتمرد، لا مكان لها في سياسات حكومية لإدارة السلامة العامة خلال الاحتجاجات والتظاهرات؛ فالجمهور ليس جماعة مسلحة معادية».

وليس سرا أن أساليب مكافحة التمرد الأمريكية المستخدمة في أماكن بعيدة مثل: العراق وأفغانستان، وكذلك كما تُمارَس من قبل إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة تستنسخ داخل الولايات المتحدة. وقد تحولت البلاد إلى ما يشبه منطقة حرب؛ حيث تُترك القوانين عمدا غامضة فتغدو مخيفة ومربِكة.

وعلى الرغم من أن قوام «آيس» لا يتجاوز نحو 21 ألف عنصر ـ وهو عدد أقل نسبيا مثلا من جهاز «الغيستابو» (الشرطة السرية في ألمانيا النازية) ـ فإن الوكالة عبر أساليبها العدوانية وحضورها المهدِّد وعدم توقع أفعالها نجحت في صناعة شعور بالهيمنة يفوق حجمها الحقيقي بكثير.

رأينا ملامح من ذلك عام 2020 عندما نشر ترامب الحرس الوطني لقمع احتجاجات «حياة السود مهمة». وتكرر الأمر في يونيو الماضي حين اندلعت احتجاجات في لوس أنجلوس وشيكاغو وواشنطن العاصمة ضد عمليات «آيس»، وكل ذلك تحت شعار «السلامة العامة». وقال ترامب حينها: «سنستعيد عاصمتنا» متعهدا «بالقضاء على الأحياء الفقيرة».

وفي يوليو أفاد موقع «ذا إنترسبت» بأن مراجعة لأكثر من اثنتي عشرة عملية مشتركة في لوس أنجلوس أظهرت أن العناصر استخدموا القوة ليس فقط ضد من «افترضوا أنهم مهاجرون غير نظاميين»، بل أيضا ضد مواطنين أمريكيين احتجوا على تصرفاتهم. وقال المحامي ماثيو بوردن للموقع: «هناك نمط من الرد العنيف والمفرط ضد أشخاص لا يعرقلون عمل إنفاذ القانون ولا يشكلون أي خطر». وحتى مع ثبوت عدم قانونية كثير من هذه الأفعال فإن سيل الانتهاكات جعلها تبدو طبيعية، لتصبح ببساطة «الطريقة التي تسير بها الأمور» في الولايات المتحدة اليوم.

انظر إلى الملخص التنفيذي لدليل «مكافحة التمرّد» الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2009 الذي ينص على أن: «الاستراتيجيات ستتركّز في العادة على السكان قبل العدو، وستسعى إلى تعزيز شرعية الحكومة المعنية مع تقليص نفوذ المتمرّدين». ويعرض الدليل كذلك خمسة مكوّنات لأساليب مكافحة التمرّد من بينها «وظيفة المعلومات» التي يوضح أنها تُدار في إطار تنافس دائم مع العمليات المعلوماتية الخاصة بالمتمرّدين أنفسهم.

هذا هو جوهر حرب المعلومات: استخدام الرسائل الإعلامية والتواصل المنظّم؛ للتأثير في الوعي العام وتوجيه الإدراك، وهو ما يفسّر إلى حد كبير الخطاب المصوغ بعناية وبنبرة هجومية والذي تعتمده الوكالة. فهيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية تقول: إنّ «ضباطا وعناصر منها موجودون في الشوارع كل يوم، ويعطون الأولوية للسلامة العامة عبر تعقّب المهاجرين المجرمين ومخالفي قوانين الهجرة، واعتقالهم وترحيلهم من أحيائنا». وبعبارة أخرى؛ باتت الحكومة الأميركية عبر وكالات مثل «آيس» تتعامل على نحو متزايد مع المدنيين بوصفهم مقاتلين أعداء؛ بحيث تُبرَّر وفاتهم تحت مظلة «الدفاع عن النفس».

إن مكافحة التمرّد -كما طُبّقت عالمياً تحت وطأة الاحتلال العسكري- تقوم على إدارة الحياة المدنية وضبطها؛ فمن حرية التنقّل إلى أبسط أشكال الاعتراض يصبح كل شيء خاضعًا للتدقيق والموافقة.

وللتوضيح؛ فإن الإمبراطورية الأمريكية كانت حاضرة على الدوام.

اسأل أمهات الشبان السود اللواتي يعشن في رعب كلما خرج أبناؤهن للّعب، أو إلى المدرسة، أو للسير في شارع «غير مناسب». واسأل جماعات المصلّين في المساجد الذين عانوا سنوات من المراقبة والمضايقات بعد أحداث 11 سبتمبر. واسأل محمود خليل أو رومية أوزتورك اللذين اختطفتهما «آيس» بسبب نشاطهما المؤيد لفلسطين. بل عد إلى سيلما عام 1965، أو إلى قصف منظمة «موف» في فيلادلفيا عام 1985، أو إلى فيرغسون عام 2014. أو إلى السجناء السياسيين، من «الهولي لاند فايف»، وهم خمسة نشطاء أدينوا في قضية مثيرة للجدل تتعلق بتمويل جمعيات خيرية إسلامية إلى موميا أبو جمال الصحفي والناشط الأسود وعضو حزب «الفهود السود» المسجون في قضية حفلت بالمخالفات.

لطالما استدعت ممارسات «آيس» مقارنات مع «الغيستابو». وقد عزّز إعادة تصنيف الوكالة عام 2020 باعتبارها «جهة أمنية حساسة» هذا الانطباع بأنها منظمة تعمل وفق مجموعة إرشادات غامضة خاصة بها، وعلى مسافة بعيدة من الرقابة العامة. وبهذا المعنى أُنيط بالوكالة فرض الهيمنة وانتزاع الامتثال من الجمهور الأوسع في خدمة رؤية ترامب لأمريكا.

ما جرى لرينيه نيكول غود الأم المحبوبة الشاعرة كان مأساة لا يمكن إنكارها، لكن في زمن يُحتفى فيه بالقوة الغاشمة، ويُترك فيه عنف الدولة بلا مساءلة فمن غير المرجح أن تكون الأخيرة.