العرب والعالم

شهادات من جحيم المعاناة : أسرى غزة في قبضة التعذيب المنهجي والإهمال المتعمّد

 

في ظهيرة مثقلة بالغبار والحزن، كان يوسف بركات يقف عند عتبة الذاكرة، لا عند بوابة مقر الصليب الأحمر فقط. رجل من حيّ التوام غربي مدينة غزة، يحمل في عينيه صورتين لا تفارقانه، صورتَي ابنيه اللذين غابا منذ الرابع والعشرين من نوفمبر 2023، وبقيا مغيبين بين الحياة والموت، بلا اعتراف، وبلا خبر يقين. لم يكن يوسف يبحث عن تعاطف عابر، بل عن حقيقةٍ واحدة تضع حدًا لانتظارٍ طال عامين وشهرين، انتظارٍ وصفه بأنه «أقسى من الفقد نفسه».


أسرى أم أموات؟
يروي يوسف بركات شهادته لـ«عُمان» بصوت متماسك ظاهريًا، لكنه يتصدع عند كل كلمة. يقول إن معلومات وصلت العائلة من داخل السجون الإسرائيلية، عبر أسرى محررين، تؤكد أن ابنيه كانا معتقلين، وأنهم شاهدوهم بأعينهم. «أريناهم الصور، وتأكدوا»، يكرر يوسف عبارته، كمن يحاول تثبيت حقيقة في وجه إنكارٍ رسميٍ متواصل. غير أن الاحتلال، وفق روايته، يرفض حتى الآن الاعتراف بأنهما أسيران، بينما تكتفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقول: «لا توجد لدينا معلومات».


في شهادة يوسف، يتحول الغياب إلى جرحٍ مفتوح. لا جثمان ليودّعه، ولا أسير ليزوره، ولا ورقة رسمية تؤكد المصير. فقط صمت ثقيل، يتقاطع مع شعورٍ عميق بالخذلان. «صار لنا سنتين وشهرين ما سمعنا أخبار رسمية من أي مؤسسة»، يقولها وهو يحدّق في الفراغ، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي خرج فيها ابناه ولم يعودا.
قصة يوسف ليست حالة فردية، بل مرآة لآلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش بين احتمالات الموت البطيء والإخفاء القسري. عائلات تتنقل بين الأخبار المتناقضة، وشهادات الأسرى المحررين، وصمت المؤسسات الدولية، في وقتٍ تتصاعد فيه الانتهاكات بحق الحركة الأسيرة، بالتوازي مع حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.


وقفة تضامن
أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غربي مدينة غزة، احتجّ عشرات الفلسطينيين، اليوم الاثنين، تضامنًا مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتنديدًا بما يتعرضون له من سياسات قتل بطيء، تشمل الإهمال الطبي المتعمد، والتجويع، والعزل الانفرادي، والتنكيل المستمر. الوقفة، التي جاءت تحت عنوان «أنقذوا أسرانا من الموت»، لم تكن مجرد تجمع احتجاجي، بل صرخة جماعية في وجه صمتٍ دولي طال أمده.


شارك في الوقفة وجهاء ومخاتير وممثلون عن عائلات الأسرى، إلى جانب متضامنين رفعوا صور أبنائهم المعتقلين، وبينها صور لعدد كبير من الكوادر الطبية الذين اعتُقلوا أثناء تأديتهم واجبهم الإنساني داخل المستشفيات. ارتفعت الهتافات في المكان، تحمل مزيجًا من الغضب والأمل، وتستدعي ذاكرة النضال الطويلة للحركة الأسيرة الفلسطينية.
ردد المتظاهرون هتافاتٍ تقول: «ودي للأسرى السلام... يا أحرار يا أبطال... أنتم شعلة النضال»، و«يا بن غفير اسمع اسمع، والأسير راح يرجع»، و«يا أسرانا في المجدون، سور السجن لا بد يهون»، وصولًا إلى شعارات تختصر معادلة الصمود: «مية وملح وكرامة»، و«يا شهيد ويا أسير، صواريخنا راح تطير». في تلك اللحظات، بدا المكان كأنه منصة اتهام مفتوحة للمجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية.


قتل بطيء
المشاركون في الوقفة حمّلوا المجتمع الدولي مسؤولية الصمت إزاء ما يتعرض له الأسرى من انتهاكات ممنهجة، مؤكدين أن ما يجري داخل السجون الإسرائيلية يرقى إلى مستوى الإعدام البطيء. وأشاروا إلى أن تصاعد الجرائم بحق الأسرى، في ظل الحرب على غزة، يستوجب تحركًا شعبيًا وإعلاميًا ضاغطًا، لإعادة وضع قضية الأسرى في صدارة الاهتمام الدولي.
في هذا السياق، تحدث فارس عفانة، مسؤول الخدمات الطبية في شمال قطاع غزة، مؤكدًا أن الوقفة جاءت «لنذكر العالم بأبطالنا المعتقلين من أطباء وممرضين ومسعفين، الذين تم اعتقالهم أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني من داخل المستشفيات».


وأضاف لـ«عُمان» أن هؤلاء «لا يجوز أن يُنسوا»، لأنهم «يعانون الأمرّين من التعذيب والقتل البطيء والحرمان والجوع داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي».
وسلط عفانة الضوء على أسماء بعينها، معتبرًا أن ذكرها واجب أخلاقي وإنساني. تحدث عن الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، المعتقل منذ ديسمبر 2024، وعن الدكتور عدنان البرش، رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، والدكتور إياد الرنتيسي، مشيرًا إلى أن الأخيرين «قُتلا فعليًا تحت التعذيب». كلمات عفانة جاءت محملة باتهامٍ مباشر، وبمناشدة للعالم كي يتحرك قبل فوات الأوان.


شهادات الأسر
من بين الحاضرين، وقف حاتم العجرمي، أسير محرر، يستعيد ذاكرة الاعتقال من موقع التجربة الشخصية. قال إن هذه الوقفة «جاءت تضامنًا مع المعتقلين والأسرى بشكل عام، ومع معتقلي الكوادر الطبية بشكل خاص»، مؤكدًا لـ«عُمان» أن ما يجري داخل السجون «وضع مزري جدًا، ومعاملة سيئة جدًا، وظروف اعتقال صعبة للغاية».
العجرمي، الذي أُفرج عنه في إحدى الصفقات، وصف حجم المعاناة التي يعيشها الأسرى بأنها «لا تُحتمل»، مشيرًا إلى التعذيب، والإهمال، وسوء المعاملة، وانعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة. ووجّه رسالة مباشرة من أمام مقر الصليب الأحمر إلى الهيئات الدولية، دعا فيها إلى «الإسراع والضغط على قوات الاحتلال لفك أسر جميع الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال».


صمت دولي
أما محمد الغول، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فاعتبر أن قضية الأسرى هي «القضية الأكثر إلحاحًا ومسؤولية في هذه الفترة، وفي كل فترة، إلى أن يعودوا إلى بيوتهم».
وأكد لـ«عُمان» أن الأسرى يتعرضون «لأبشع أنواع التعذيب والانتهاكات الجسيمة، بغطاء أمني وسياسي من قبل حكومة التطرف الإسرائيلي، حكومة نتنياهو وبن غفير».
الغول دعا إلى تدخل عاجل لإنقاذ حياة الأسرى، وتحسين الواقع الاعتقالي داخل السجون، مشددًا على أن الأسرى يعانون من الحرمان من الغذاء ووسائل التدفئة، ويتعرضون يوميًا للتنكيل والاعتداءات الجسدية والنفسية. كما طالب بتدخل قانوني ودولي، وحراك شعبي على المستويين الداخلي والخارجي، لكسر دائرة الصمت المفروضة على هذه القضية.


معاناة العائلات
في زاوية أخرى من الوقفة، تحدثت مها حسونة، زوجة الأسير المحرر أبو محمد حسونة، بصوتٍ يختلط فيه الغضب بالألم. قالت إن مشاركتها جاءت «للمطالبة بحقوق الأسرى المحرومين منها داخل سجون الاحتلال»، وللمطالبة بأن تتحمل المؤسسات والهيئات الحقوقية مسؤولياتها تجاههم.


وسلطت حسونة الضوء على معاناة الأهالي، لا سيما في ملف الزيارات، مؤكدة أن العائلات «بحاجة للاطمئنان على أبنائها». وتوقفت عند ملف المفقودين، الذين يتعرضون للإخفاء القسري، مشيرة خلال حديثها لـ«عُمان» إلى أن الأسرى يعانون، خصوصًا في فصل الشتاء، من الحرمان من الملابس الدافئة، وانتشار الأمراض، وعلى رأسها مرض «السكابيوس» (الجرب)، دون تقديم العلاج اللازم لهم. ووجهت رسالة مباشرة إلى الصليب الأحمر، طالبت فيها بتوفير زيارات للأسرى، ومتابعة أوضاعهم الصحية والإنسانية.