أفكار وآراء

جرينلاند محض بداية.. أوروبا هي هدف ترامب

ترجمة: أحمد شافعي -

كان الغرض الأصلي من منظمة معاهدة شمال الأطلنطي -أي حلف شمال الأطلنطي (الناتو) وفقا لسكرتيره العام المؤسس لورد هاستنجز إزماي- هو «إبعاد الروس، وتقريب الأمريكان، وكبت الألمان». وعلى مدى خمسة وسبعين عاما منذ إنشاء الحلف يظل إبعاد الروس هو هدفه الأساسي. لكن بفضل تهديدات الرئيس ترامب العدوانية المستمرة بالاستيلاء على جرينلاند من دولة الدنمارك الزميلة في عضوية الناتو؛ فإن جدارة إبقاء أمريكا في الحلف ستبدو عما قريب في مثل وجاهة القول باحتمال عودة ألمانيا إلى السيطرة العسكرية على أوروبا.

بدأت حملة الرئيس ترامب لغزو جرينلاند خلال الفترة الانتقالية فيما بعد انتخابات عام 2024 حين رفض استبعاد استعمال القوة العسكرية، ثم أعلن لاحقا أن أمريكا سوف تنالها «بطريقة أو بأخرى». وفي فبراير الماضي قال نائبه جيه دي فانس: إن احتمال حصول الولايات المتحدة على الجزيرة ذات الحكم الذاتي «وارد»، واتهم الدنمارك بأنها «ليست حليفًا جيدًا»؛ بسبب تقصيرها في حمايتها.

في الشهر التالي، وفي زيارة إلى موقع عسكري أمريكي في جرينلاند برفقة زوجته اجترأ نائب الرئيس فانس على مهاجمة الدنمارك وهو على أرضها قائلا إنها لا تبذل ما يكفي «لتأمين قواتنا، بل ولتأمين شعب جرينلاند في رأيي» من روسيا والصين.

وحدث مرتين في العام الماضي أن استدعت الحكومة الأمريكية دبلوماسيين أمريكيين بشأن تقارير بأن الولايات المتحدة تتجسس على أراضيها وتقوم بحملة نفوذ مستتر فيها.

وفي الشهر الماضي زاد الرئيس ترامب هجومه بتعيينه جيف لاندري حاكم ولاية لويزيالا مبعوثا خاصا لـ«قيادة مهمة» الحصول على جرينلاند. يتحدث الرئيس ترامب بمزيد من الجرأة عن خطط توسعية معلنا قوله: «إننا بحاجة إلى جرينلاند لدواعي الأمن الوطني». ومضى مستشاره الصلب ستيفن ميلر إلى أبعد من ذلك إذ تساءل: «بأي حق تزعم الدنمارك سيطرتها على جرينلاند»؟ ثم زعم أنه «يجب أن تكون جرينلاند بوضوح جزءا من الولايات المتحدة». وفي محاولة لتهدئة توتر الحلفاء الأوروبيين قال وزير الخارجية ماركو روبيو: إن الرئيس ترامب لا يرجو أكثر من شراء الجزيرة من الدنمارك. من شأن أي محاولة للاستحواذ على جرينلاند -سواء بالقوة أو باحتمال الإكراه الاقتصادي المستبعد كثيرا- أن تقوض أهم تحالف عسكري في العالم. ففي يوم الثلاثاء انضم قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وإيطاليا إلى الدنمارك في إصدار بيان مشترك يؤكد أهمية «السيادة، وسلامة الأراضي، وحرمة الحدود»، أي المبادئ التي يستند إليها الناتو في دفاعه عن أوكرانيا أمام العدوان الروسي.

غير أن مسعى الرئيس ترامب العبثي لغزو جرينلاند يتسق مع عداوته بصفة عامة لأوروبا. وفي نظر الرئيس ترامب والمقربين منه أن القارة العجوز هي الصورة الكاريكاتورية التي يتصورها اليمين، أي أنها خليط من دول عديمة الجذور، تنحدر ولا أمل في ردها عن انحدارها، وتحب الحدود المفتوحة، وتمقت حرية التعبير، ويمنعها البخل الشديد من تحمل تكاليف الدفاع عن نفسها. ومنذ حملة عام 2016 حينما كان يطيب له أن يلوح مرارًا بالانسحاب من الناتو إلى حين الحرب التجارية التي شنها على الاتحاد الأوروبي لدى عودته إلى السلطة في العام الماضي؛ يتعامل الرئيس ترامب وكبار أعضاء إدارته مع أوروبا وكأنها طفلة متمردة لا أسرة مؤلفة من حلفاء ديمقراطيين مرتبطين مع الولايات المتحدة ارتباطا وثيقا من خلال قيم الليبرالية المشتركة والمصالح الاستراتيجية والإرث الثقافي. ومن المؤكد أن انتقاد الإدارة الأمريكية لأوروبا ليس منعدم الأساس؛ لأن عقودًا من الهجرة المطلقة من القيود الواردة من بلاد غير غريبة قد حطمت التماسك الثقافي، وعززت أحزاب اليمين. كما أن القيود المفروضة على حرية التعبير بذريعة منع «خطاب الكراهية» تقوض المزاعم الأوروبية بالديمقراطية والحرية.

وفي حين أن الرئيس ترامب يهدد بالخروج من الناتو ما لم يزد أعضاؤه من ميزانياتهم الدفاعية قد تبدو فظة فقد لعبت ولا شك دورًا في تحقيق النتيجة المرجوة.

وليس لأي من هذه المخاوف المشروعة من تراخي أوروبا أي علاقة بتعامل الإدارة الأمريكية العدواني مع دولة حليفة في الناتو. وفي حين يصر الرئيس ترامب على أن الولايات المتحدة «بحاجة» إلى جرينلاد لأغراض الأمن الوطني فإن لدى واشنطن بالفعل قدرة هائلة وشبه حصرية على الوجود في الجزيرة من خلال اتفاقية الدفاع الأمريكية الدنماركية لعام 1951 وقد أوضحت الحكومة الدنماركية الحالية انفتاحها على زيادة التعاون الأمني.

خلال الأسبوع الأول من ولاية الرئيس ترامب أعلنت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن عن خطة بملياري دولار لـ«تحسين قدرات الرقابة، وحماية السيادة» في مناطق شمال الأطلنطي والمناطق القطبية. فتذمر ترامب قائلا: «ها هي زلاجة أخرى تقودها الكلاب». وقال ميكيل رونج أولسن الباحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية في كوبنهاجن لصحيفة نيويورك تايمز أخيرا إنه «يصعب عليّ كثيرا أن أتصور أن الولايات المتحدة لا تستطيع الحصول على كل ما تريده» في مفاوضات مع الدنمارك «فقط لو أنها طلبته بلطف».

لا يكاد يخلو أي من سيناريوهات نهاية العالم التي تتصور نهاية الناتو من تصور فشل الناتو في رد هجمة روسية، ولكننا الآن فقط بتنا نتعامل بجدية مع احتمال قيام عضو في الناتو بالهجوم على عضو آخر فيه.

يصيب نائب الرئيس فانس في قوله: إن الدنمارك ليست «بالحليف الجيد»؛ ذلك أنها حليف عظيم؛ فقياسا إلى حجم اقتصادها تكون الدنمارك أسخى متبرع للدفاع العسكري في أوكرانيا. وفي حرب أفغانستان التي خيضت لدعم الولايات المتحدة بعد تعرضها للهجوم الحادي عشر من سبتمبر عانت الدنمارك من خسائر في الأرواح قياسا إلى عدد سكانها تفوق أي حليف آخر في الناتو باستثناء الولايات المتحدة. كما كانت من أعضاء الناتو القليلين، والدولة الإسكندنافية الوحيدة التي انضمت إلى الولايات المتحدة في أول غزوها للعراق. لا يقتصر أمر الدنمارك على أنها تتجاوز ثقلها عسكريا؛ فهي أيضا تتخذ مواقف متعاطفة مع ما جعلته إدارة ترامب في صدارة سياستها تجاه أوروبا. ففي خطاب قاس في قمة ميونخ للأمن العام الماضي أعلن نائب الرئيس فانس أن «الخطر الذي يثير قلقي أكثر مما عداه فيما يتعلق بأوروبا ليس روسيا، بل الخطر الداخلي أي: تراجع أوروبا عن بعض أهم قيمها الأساسية» مشيرا إلى المواقف الرخوة من الهجرة وتقييد حرية التعبير باعتبارهما مثالين بارزين. وقد اتسمت الدنمارك أكثر من أي بلد آخر ببعد النظر والشجاعة في كلا الأمرين. ففي عام 2006 بعد أن نشرت صحيفة دنماركية سلسلة رسوم كاريكاتورية تصور النبي محمدا «عليه الصلاة والسلام» أشعل حشد غاضب النار في سفارة الدنمارك بدمشق، واستهدفت أعمال عنف البعثات الدبلوماسية الدنماركية في بيروت وطهران وإسلام أباد. وبرغم الضغط الدولي الهائل للتراجع أمام الأصوليين المسلمين دافع رئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوج راسموسن عن حرية الصحافة مؤكدا أن «الحكومة الدنماركية والأمة الدنماركية لا يمكن أن يتحملا مسؤولية ما نشر في إعلام مستقل».

ومثلما قال ديفيد ليونهارت في مقالة له في نيويورك تايمز العام الماضي فإن جمع الدنمارك بين الهجرة المقيدة وإجراءات الدمج الصارمة ـ بدعم واسع النطاق من الناخبين الدنماركيين ـ أدى إلى تراجع الدعم لليمين المتطرف، وقد يثبت أن هذا نموذج قادر على أن ينقذ الديمقراطية الاجتماعية الغربية (وهي شديدة الاختلاف عن الاشتراكية؛ فمعهد فراسر ومعهد كاتو الليبرتاريان يصنفان الدنمارك في المركز الثاني عالميا في مؤشرهما لحرية الإنسانية، وينبغي أن يكون ذلك نقطة تحسب للدنمارك في حدود ما يعني إدارة ترامب). وقد دعت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن -وهي ديمقراطية اجتماعية- في خطبة لها العام الماضي إلى «إعادة التسلح الروحية» داعية كنيسة الدنمارك الممولة من الدولة إلى زيادة دورها في المجتمع.

في مناقشة لرونالد ريجان بشأن معاهدات قناة بنما سنة 1978 تساءل السياسي المحافظ البارز ويليام إف باكلي جونيور عما لو أن الأمريكيين يرون «عدم جدوى الممارسات الاستعراضية التي تليق بالطاووس أكثر من الأسد لتأكيد رجولتنا الوطنية». كان باكلي يرى في استمرار سيطرة الولايات المتحدة على الممر المائي مثالًا صارخًا لهذه الشوفينية المتعصبة، وسأل إن كان الأمريكيون «يؤمنون بسيادة الدول الصغيرة التي يحق لنا استعمال مواردها الطبيعية حيثما لزم ذلك ومتى لزم دون إساءة استعمالها»؟ وبالحديث عن حليف آخر قرر الرئيس ترامب معاداته دونما داع تصبح كلمات باكلي التنبؤية عن بنما شديدة التناقض مع رؤية العالم التي يتبناها المكتب البيضاوي اليوم.

تحظى الولايات المتحدة والدنمارك منذ عام 1901 بإحدى أطول العلاقات الدبلوماسية المستمرة دونما انقطاع في العالم. ومع أن الأمر قد يبدو بسيطًا وعابرًا في الشؤون الدولية فإن تنمر أمريكا على هذا «البلد الصغير» الجميل والحليف الوفي يبعث رسالة مزعجة إلى العالم. فلو أن بلدا يرتبط بالولايات المتحدة ارتباطًا وثيقًا ويلقى منها هذا التعامل فما الجدوى لأي بلد من أن يكون صديقًا للولايات المتحدة؟

جيمس كيرتشيك من كتاب الرأي المشاركين في نيويورك تايمز ومؤلف كتاب «نهاية أوروبا: طغاة وديماجوجيون وعصر مظلم قادم».

خدمة نيويورك تا يمز