"الشعراء الصعاليك": ذكريات كتاب
السبت / 20 / رجب / 1447 هـ - 15:15 - السبت 10 يناير 2026 15:15
(1)
ورثتُ تقدير هذا الكتاب وقراءته بوعي متيقظ وإدراك لقيمته العلمية (رغم مرور ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن عن إنجازه كأطروحة علمية) من أستاذي الراحل الدكتور جابر عصفور.
التحقت بالجامعة (كلية الآداب؛ قسم اللغة العربية وآدابها) في الموسم الدراسي 1997/ 1998.
في مارس من عام 1998 ولم أكن قضيت سوى فصل دراسي واحد وفي بداية الفصل الدراسي الثاني، قرأت إعلانا عن المحاضرة التذكارية السنوية على شرف المغفور
له عبد العزيز الأهواني يلقيها جابر عصفور بالقاعة المجاورة لقسم اللغة
العربية، وتحمل اسم الأهواني.
وبدون تردد هيأت نفسي لحضور هذه المحاضرة والاستماع إلى جابر عصفور داخل أروقة كلية الآداب للمرة الأولى. كان موضوع المحاضرة تجليّات المنهج التاريخي كما طبقه يوسف خليف في كتابه المرجعي 'الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي'.
لم أكن أعرف الدكتور يوسف خليف، ولم أقرأ له شيئا، وإن عرفت أن ابنته الدكتورة مي خليف هي التي درست لنا نصوصا من الشعر الجاهلي في الفصل الدراسي الأول.
وعلى مدى ساعتين أو يزيد استمعت فيها إلى جابر عصفور بانبهار، كأنه يوحى إليه أو يقرأ من كتاب مفتوح رغم أنه جلس بهدوء على المنصة وأخذ نفسا عميقا ثم بدأ في الحديث الباهر المتدفق دون أن يتلعثم أو يرتبك أو يقطع السياق المتصل للمحاضرة، وأخذ يلقي بمهابة واقتدار محاضرته عن يوسف خليف أستاذ الأدب العربي
القديم تلميذ أحمد أمين وشوقي ضيف، وأحد أعلام قسم اللغة العربية وآدابها في النصف الأخير من القرن العشرين.
ثم عرج بعد ذلك على كتابه الأشهر 'الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي' الذي طبقت شهرته الآفاق وطبع عشرات الطبعات وأصبح المرجع الأول في بابه منذ ظهوره
في كتاب أذيع على الناس وحتى وقت الناس هذا!.
استمعت إلى هذه المحاضر في مارس من عام 1998، أي إنه في مارس الذي يحل بعد شهرين من الآن يكون قد مضى قرابة الثلاثين عامًا على استماعي 'لايف' لها، ومازلت أتذكر نبرات جابر عصفور الهادئة القوية الواثقة، وأتذكر قدرته في إثارة
فضول طالبٍ طموح ما زال بالفرقة الأولى بالكلية كي يتعرف على علَم من أعلامها الكبار أولًا، ثم يقوده بهدوء وأناة إلى التعرف على كتابه الأهم ثانيا، ومن ثم البدء في قراءة إنتاجه العلمي كله وكتبه المنشورة، ثالثا، ولو لم يكن من قيمة كبرى وأهمية لا تقدر بمال أو ثمن لمثل هذه المحاضرات التذكارية الخصبة الغنية
لكفى بها قيمة وغاية وضرورة!
(2)
هذا هو الدرس الذي استوعبته آنذاك وظل راسخا بداخلي حتى اللحظة، تواصل الأجيال الحقيقي، البحث عن القيمة مهما مر من الأعوام، إدراك معنى البحث والتأسيس العلمي والمعرفي، ثم التوفر على قراءة ما لم تكن قراته من قبل وتضيف إلى حصيلة خبراتك خبرات جديدة ستكتشف -في يوم من الأيام- أنها قارة وراسخة ومترسبة المعاني والدلالات بعد عقود وعقود..
أما الدرس الثاني والأهم والخطير الذي لم أنسه حتى الآن فقد ذكره المرحوم جابر عصفور بعبارة واضحة وصريحة؛ حينما قال في معرض حديثه عن تلمذته العلمية على يد يوسف خليف: '... وشيئًا فشيئًا، خصوصًا بعد سنوات، أدركتُ مغزى ما فعله الدكتور يوسف خليف، فقد كان يعلمني ويعلم زملائي من الطلاب، معنى البحث العلمي وحقيقته، وأنه لا شيء مقدس أو نهائي في هذا البحث. وفي الوقت نفسه كان يعلمني معنى أن أكون طالبًا في قسم اللغة العربية الذي أنتسبُ فيه إلى طه حسين، وأخيرًا كان درسًا في منهجية الأساتذة الذين لا تكتمل لهم هذه الصِّفة إلا بتعليم طلابهم معنى الاختلاف الذي هو مصدر الثراء في العلم والتقدم فيه في الوقت نفسه. فلا
علم ينمو أو يتقدم إلا بالاختلاف، وأن يضيف فيه اللاحق إلى السابق، والأداة
الأولى في ذلك كله هي روح المُساءلة التي لا تتقبل الحقائق والمعلومات في يُسر وتصديق أو تسليم، وإنما بعقلٍ يقظ لا يصدق ما يُلقي إليه إلا بعد أن يضعه موضع المساءلة.
وأشهد أن يوسف خليف من يومها لم يعلمني وحدي معنى المساءلة، وإنما علم جيلي كله هذا المعنى الذي استوعبناه ووضعناه في شغاف عقولنا، وجعلناه دستورًا لنا في تقبُّل الأشياء أو رفضها. وأشهد أن ما فعله الدكتور يوسف خليف معي لم يكن
شيئًا فريدًا أو استثناءً غير متكررٍ، فقد كانت تلك هي القاعدة التي تعلمناها
منه، وكأنه وأساتذته كانوا بذلك يعلموننا ما تعلَّموه من أُستاذهم طه حسين.
فقد كانت تقاليد البحث العلمي الجاد لا تزال حية تملأ الأسماع، وتشغل القلوب في قسم اللغة العربية الذي دخلتُه عام 1961 طالبًا يبحث عن نفسه، وعن معنى العلم، وعن معنى الحياة في الوقت نفسه'.
(3)
أتذكر ذلك كله بحنين واشتياق وتلهف، وتختلج الذاكرة كما يختلج القلب حينما
يستشعر طيف المحبوبة، وأنا على وشك استقبال النسخة الأولى من الطبعة الجديدة من هذا الكتاب القيم المرجعي الذي نسعد في دار المعارف بإعداد طبعة جديدة منه بعد سنوات وسنوات وسنوات، من ظهور طبعته الأولى في ستينيات القرن الماضي.
الكتاب هو 'الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي' لأستاذ الأدب العربي القديم الدكتور يوسف خليف (1922-1995) أحد أبناء الرعيل الثاني من خريجي الجامعة
المصرية، وصاحب الدراسات المعتبرة في تاريخ الأدب العربي والشعر العربي منذ عمله الأول عن الشعراء الصعاليك، وحتى آخر بحث ألقاه؛ بعنوان 'نحو منهج جديد
لدراسة تاريخ الشعر العربي'، وهو آخر ما كتبه، وألقاه محاضرًا في حفل مؤسسة الملك فيصل العالمية بالقاهرة يوم 22 يناير من عام 1995، وهو اليوم ذاته الذي رحل فيه عن عالمنا.
كان المرحوم يوسف خليف أستاذا متميزا ومختلفا عن أساتذة الأدب القديم جملة وتفصيلا، كان تتعدد المناهج عنده بصورة انسيابية ودون تنافر ولا اضطراب؛ لأنه 'يؤمن بضرورة تداخل وتكامل المناهج التي يقتضيها كل بحث أدبي'. ولأنه رحب
الفكر لا يتقيد بقيود منهج واحد، ولا يلزم نفسه بما يعوقه عن شاعريته في تناول البحث الأدبي، استخدم المنهج الفلسفي في كتابه 'مناهج البحث الأدبي'، و'المنهج
التاريخي' في كتابه الأضخم والأكبر ضمن أعماله جميعا 'حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة'، وطبق المنهج التاريخي الاجتماعي في دراسته الرائعة عن 'الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي'، والمنهج النفسي في دراساته عن 'بشار بن برد'، وعن مطالع الكافوريات في شعر المتنبي.. إلخ..
ويفسر أحد تلاميذه هذا 'التعدد المنهجي' هو التعدد الذي يؤكد الوحدة، فمهما اختلفت المداخل حول نظرية يوسف خليف الأدبية، فإنها تكاد تتفق على أنَّ النتاج
العلمي الذي قدمه، تنظيرًا للأدب العربي، وتحليلًا وتأصيلا وتقييما، وشرحا ونقدا وتقويما، هو نتاج إبداعي على تعدده وتباين موضوعاته، إذ كانت كتبه
ومقالاته، بل ومحاضراته التي أداها بنغمة إيقاعية عذبة، إبداعا، فكان في
دراسته ونقده وتنظيره للتراث الأدبي العربي يقدم نصوصا إبداعية تمثل إبداعا على إبداع.
(4)
أما لماذا يبقى كتابه 'الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي' وحده من بين أعماله المهمة المتميزة جميعا يحظى بهذا الحضور وهذه المقروئية ولا يغيب عن ساحة النشر الثقافي (الأكاديمي منه والعام والمتخصص وغير المتخصص على السواء)،
فهذا ما سنحاول أن نجيب عليه ونوضحه في حلقاتٍ تالية من (مرفأ قراءة)..