ثقافة

أطلال «وادي الحَجَر» تتكلَّم!

 

تظهر أطلال «وادي الحَجَر» بولاية إزكي، أشبه بذاكرة انمحت منها الحياة، وخيالات لبيوت حجرية قديمة، يتوسَّطها برج طويل كقرن متحجِّر لكائنات ما قبل التاريخ، ومسجد أعيد ترميمه بالجَص، انسدل على جدرانه المتشققة كثوبٍ أنيق، فظهر أشبه بمصحف ذهبي زاهي الحروف، مدينة شاهدة على ماض بعيد، بجدرانها وأعمدتها المبنية من حجارة مستوية، وكأنها مُسِحَت بآلة دقيقة شَذَّبت أطرافها، فبدت كبيت شعري موزون، فلا يَشذُّ صلف في موضعه عن آخر، ولا يبدو على جدرانها تقوُّس أو انحناء، والرُّفوف في الحُجُرات على هيئة كُوَى تتساوى أضلاعها، والأقواس تبدو وكأنها قوالب، رُصِّعت مع بعضها بدقة عالية، تفضي إلى تاريخ مجهول الزمان.
يحاذي وادي الحجر قرية «زكيت» بولاية إزكي، ويقع بين ذراعين حنونين، للشارع المُعبَّد بأشواق الناس وهم يسعون إلى مبتغاهم، ذراع يمتد من «إزكي» الزاكية إلى «نزوى» الزاهية، وآخر يصل إلى قرية «زكيت» المجاورة لوادي الحَجَر، عند تلك الكثبان الورسيَّة تظهر أطلال المدينة، حجارة تتكلم بلغة الصمت، لكنها صاخبة بإيحاءاتها، وكنت كلما سلكت الشارع من أي الاتجاهين، تظهر لي أطلالها كعُيون تمتدُّ بين الماء والسَّماء، وفي كل مرة أشعر بها تشرئبُّ أمامي بقممها الناتئة، وكأنها تدعوني للزيارة، وعام بعد عام أحسست بها تتوارى خلف واحة من الأشجار البريَّة، فرأيت أن أبحث عنها من خلف تلك الأحراش، وسلكت طريقًا ترابيًا يصلني بتلك الأكداس من الحجارة الحزينة، وجدتها مدينة عفا عليها الزَّمان وطواها النسيان، ورحت أصيخ السَّمع إلى الأنين المنبعث من بين الركام، فشعرت بهسيس قادم من القرون البعيدة، أو بكاء محزون داخل تلك الحُجُرات، وكأنَّ النسائم تحمل إليَّ صدى أصوات الناس الذين عاشوا هنا، قبل أن يَغُطُّوا في سبات أبَدِيٍ عميق.
وحتمًا سيق الحجر قديمًا على ظهور الدَّواب، من مواقع قريبة أو بعيدة، إلى هذه الرَّبوة التي بنيت فيها البيوت، وكأنها تحمل تحفًا من عصور قديمة، وفيما كنت كغريب تائه في مدينة مجهولة، أو كمن ينقِّب عن لُقية مدفونة، تهادت أمامي ساقية يتيمة لفلج ظلَّ طريقه، ولم يبق منه ما يروي الأعشاب الجافة فيها، فقد نضب الماء وبقيت الساقية شريانًا توقَّف نبضه، وروح القرية معلقة في حواصيل الطيور، الحائمة حول الأشجار، وقد تلوذ إلى أفيائها، ثم تختبئ داخل أعشاشها، طيور اليمام والبلابل وعصافير الدُّوري، والشقاريق والهداهد الباحثة عن عرش بلقيس المنكوب، وكأنه متكوِّم بأعمدته ورخامه بين الحجارة المتداعية.
دخلت المسجد المرمم، فبدى لي كشيخ طال عليه الأمَدُ، ونسِيَته الحياة في مكانه، ومحراب المسجد ساكن في هدوء، بلا جباه تتعفَّرُ بزعفران الأرض، وصحنه المنشرح بلا مصلين يرتلون القرآن كدويِّ النحل، وتأملت الكتابة المعكوسة، المحفورة في إحدى نوافذه، حاولت أن أتبين معناها فلم أهتد إلى جملة واضحة وكأنها تميمة، وتقدمت إلى ساريتيه المتربِّعتين بخشوع في صحنه كهيكلين من نور، وفي أعلاهما يمتد ذراعان يحملان السقف بحنان، شعرت بهما ملاكان يقفان أمام المحراب، يؤديان صلاة أبدية غير مختومة بالتحيات، ووقفت خلفهما وكأني وراء فارسين من القرون الماضية، أناخا رحالهما في المسجد.
بعد حين رحت باتجاه البُرْج، الممتد إلى أفق السماء، يشكِّل مع ظله عقربي ساعة، ورأيته أشبه بمنارة منفصلة عن المسجد، أو نخلة اعتادت أن تشرب من ماء الفجر، فبقيَتْ قممها تلعَقُ النَّدى، كان باب البرج مفتوحًا، ومرحِّبًا بالضيف القادم، يممت باتجاهه على حَذر، وسرَّحت نظري في أركانه الداخلية المستديرة، كان البرج من الداخل متَّسعًا بما يكفي للاحتماء، ومنيعًا لكل من يحاول المساس بهيبته، لكنه اليوم أشبه بتمثال صامد، يحمل في ملامحه ضنك الحياة ووجع الأيام.
ومن جديد رحت أمعِن في المدينة بتفاصيلها الغامضة، فبدت لي أشبه بمنفى مهجور، كضوء رمادي حزين تلاشى في بياض النهار، أو حلم متقطِّع طافَ على النائمين ذات ليلة لم يسطع فيها القمر، تُرى هل كان الناس يعيشون حياتهم هنا كما نحن اليوم، وهل كانت هذه البيوت الصغيرة تتسع لأحلامهم الكبيرة، أم أن مساحة البيوت تضاءلت بتقادم السنين، والجدران قصرت بعدما انهارت الأسقف؟ أسئلة تسللت إلى وجداني، لا أبحث فيها عن إجابة، إنما أفتح بها مندوس الذكريات، وأفتش في «روازن» الخيال، الخالية من كل شيء، إلا من تراب عالق كالدِّهان في جبين الحِسان.
والحديث عن مثل هذه الأمكنة، فقد اهتديت ذات مرة بالصدفة إلى مسجد قديم، مبني بحجارة مستوية في منطقة «الواسط» الأثرية بنزوى، بدت لي جدرانه مصقولة الحواف، كحروف متراصَّة في مصحف قديم، دون أي استخدام لطينة «الجص»، وظهر لي المسجد الصغير بين التلال كورقة مفقودة من مخطوط قديم، ومثل هذه المعالم مألوفة في حارات إزكي القديمة كحارة إمطي، والقرى التي شُيِّدت في الجبال، كقرية «غول» الأثرية بولاية الحمراء بحصنها العريق، وفي سواقي الأفلاج كساقية فلج «الخَطْمَيْن» ببركة الموز، الممتدة كجسر معلَّق بين الضواحي، وكما في بناء المدافن الشبيهة بالقِباب، كمدافن «وادي العين» بين بهلا وعبري، تتناثر فيها اللبنات الحجرية، كذكرى قديمة لأرواح من عاشوا في المكان، وما تزال أطيافهم تتهاوى كالفَرَاش في حقل مزهر.
لكني لم أبرح المكان، ولم أغادر المدينة المهجورة في وادي الحَجَر، قبل أن تلامس يدي شيئًا يصلني بذلك الزمان البعيد، أسهمت بنظري فيما وطَأَتْه قدماي بخِفة، كانت شذرة فخّار صغيرة، قاع مستدير لآنية فخارية، كانت يوما آنية استخدمها أهل المكان، حملتُها برفق وشغف وشوق، ورحت أقبّل هذه التحفة الصَّغيرة، ثم ظهرت لي مثلها أخرى، قيعان هلالية الشكل لأوانٍ فخارية، وكأنها تدعوني أن أحملها برفق، فقد أثلجَها النوم على أديم الأرض البارد، مثلما أحرقتها أشعة الشمس في النهارات القائظة، شُقَف تكتنز بذكريات وأرواح ومفاجآت، لعلها كانت قارورة عطر لعروس جميلة، ولعل تلك كانت حافظة للسّمن والعسل والحليب، لأم تستيقظ مع أذان الفجر، ولعل تلك حافظة للبيسات والقروش، لأب أنفق حياته في تأمين العيش لأسرته، لعل تلك الشقفة من «جَحْلة» حملت الماء أيامًا وليالي فأرْوَت الناس.
رحت أجمعها وكأني عثرت على كنز دفين لا يكترث به أحد، لكنها تعني لي الشيء الكثير، فأنا مولع بجمع ما يروق لي منها، وبعضها أفرشه على طاولتي، وكأنها رسائل من الزمن البعيد، لأحبة لا أعرفهم ولم ألتق بهم، هذه اللقى المتناثرة بمثابة رسائل فخارية، ضاعت من روازن البيوت وانسلت من أوتادها، قبل أن تحطمها يد الزمان إلى قطع صغيرة غير متجاورة، كل قطعة بمثابة رسالة من إنسان ذلك الزمان، أو صفحة من مخطوط قديم، مشحونة بلغة الحب والأشواق، كل قطعة منها سبيكة من دينار فخاري ثمين، له قيمته النفيسة في سوق العاشق للآثار، وتورِث بهجة في نفس من يقرأ تلك الإيحاءات الناضحة من مساماتها، لغة لا تدوِّنها الكتب، إنما تهمس بخِفَّة وخِفيَة لمن ينصت لها بأذني قلبه، ولا أحد يسمع الهمس، إلا من يجيد الإنصات لذلك الحوار الخفي عن الأنظار.
بعد لحظات من التأمل والسباحة بالأفكار، رأيت أن أبقيها في مكانها، فهي جزء من ذاكرة المدينة، ومما تبقى من الرَّاحلين بلا عودة إلى العالم الآخر، الفارِّين إلى نعيم فردوسي خالد، وهي هنا بمثابة أفواه تفصح عن تاريخ المكان المنسي، وتروي حكاية الزمان الآفل، والحياة الناعمة كالمطر، التي سادت في وادي الحجر، قبل أن تصبح نسيًا منسيا.
ولكن أين هم أهل الدار المهجورة، أين شيوخها وأطفالها، وأين طفلاتها اللائي علَّمن الطيور فن التغريد؟ لا شك أنهم الآن تِبْرٌ في التراب، وفيما كنت بين ظلال الأطلال، أمشي حائرًا كمن يلاحق روحًا هائمة، حتى تناهت أمام ناظريَّ مقبرة كبيرة، تظهر منها شواهد حادَّة كالسِّهام، وحجارة ثقيلة كالفراق، وكأنَّ أهل القرية يدعونني إلى زيارتهم: نحن هنا فأقدِم واقترب، وبحُزن حارق لوَّحت لهم: «سلامٌ على دار قوم مؤمنين»، سلام على الرَّاقدين في اللحود، النائمين الآمنين، سلام عليكم أجمعين.