بريد القراء

من قسوة الأقدار تولد النجاحات

 

يبدو أن ثمة ترابطا وطيدا ما بين قسوة الحياة وقصص النجاح؛ فكلما كانت الحياة أشد قسوة أصبح لدى الإنسان رغبة صادقة نحو تغير مسار حياته؛' فمن بطن المعاناة تصنع النجاحات' هكذا كانت الإنسانية تنظر إلى المستقبل بعين المتفائل رغم المحن العسيرة التي تخوضها في معركة البقاء والاستمرار.
في وقت الأزمات كانت نظرة الناس إلى الأشياء تبدو بعيدة المنال، لكن 'لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة'. فمها كانت الرؤيا تبدو ضبابية في الأفق البعيد أو مجرد علامات مائية يصعب تحديد ماهيتها أو إبعادها عن الأجسام الصلبة التي تحيط بها فثمة ضوء يخرج من نهاية الأنفاق المظلمة.
يقول 'آل باتشينو:'في هذه الحياة ستتعلم كل شيء وحدك إلا القسوة؛ سيقوم شخص آخر بتعليمها لك'. ربما تكون الظروف هي التي تعلم البشر كيف يصعدون سلالم العودة إلى الحياة.
بعض الشعوب كانت في الزمن الغابر تعيش أجواء تشوبها الوهن، وتنبعث من ثنايا أرضها -التي يحتلها الفقر والعوز والجهل - رائحة الموت التي تعبئ كل ساحات الأماكن فيها. أما جدران الوجع والحرمان والاستغلال فتظهر جليا في نمط الحياة التي اعتاد الناس على رؤيتها كل صباح.
قد لا يصدق البعض منا كيف كانت المعاناة سببا في خروج الناس من العزلة والانكسار، ولكن ما أن يمعن النظر في تاريخ الشعوب يكتشف كيف كانت 'المعاناة' هي المحرك الأساسي في كسر أففال زنازين السجون، ولكن لم تكن تلك الحرية المتفردة مجرد شيئا يسيرا، بل كان لها ثمن باهظ؛ فكم سقيت أراضيهم بدماء الأبطال! وكم ذرفت دموع الثكلى حزنا وألما على فراق أحبتها!
إذن الحرية ليست شعارا أو حلما يطارد النائمين في كهوف الظلام، بل قرار صعب يخرج من أدمغة المناضلين من أجل الحرية.
قيل ذات مرة: 'الحياة ليست سهلة أو تحت طواعية الإنسان في كل حين، بل هي مزيج من القسوة واللين معا؛ فأيام الدنيا تمر أحيانا لينة سهلة، وأحيانا أخرى تقسو وتقهر أفئدة الواقفين على رصيفها، فمن جرب قسوتها عليه أن يحس بقسوتها على الآخرين من قبله وبعده'.
في ذروة احتقان البشر كان المستحيل هو المارد الذي يخيف الناس؛ فكيف يمكن لأمة أن تعيش يوما تحت وطأة الألم، أو انعدام تام لسبل الحياة السعيدة. لذا كان النهوض ليس اختيارا، بل واجبا وطنيا لدفع الفقر والضياع والحرمان جانبا.
من المفارقات العجيبة أن بعض الشعوب استطاعت أن تتخلص من محنها، وأن تتغير نحو الأفضل. هذا ليس جزافا أو ضربا من الخيال أو لعبة الحظ. حدث الفارق ما بين الحياتين بسبب إرادة الشعوب نضال الأبطال. لن نسمي دولا بعينها انتفضت من العدم إلى الوجود، ولكن يمكننا أن نشير إلى أن هذه الشعوب استحملت الكثير من الشدائد والمحن وقاست العناء والمشقة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.
كما أن هناك شخصيات لعبت دورا رائدا في عمليات التغير نحو الأفضل، وسجلت أسماءها في قائمة المؤثرين فمثلا في مجال 'السياسة' لا يزال التاريخ يذكرهم حتى يومنا هذا؛ لأنهم غيروا مجرى التاريخ في بلادهم نحو الأفضل، ومن بين رواد السياسة العظماء 'المهاتما غاندي، ونلسون مانديلا، وأبراهام لينكولن '، وغيرهم من الشخصيات التي ينظر إليها العالم على أنهم أبطال حقيقيون استطاعوا حفر أسمائهم في سجلات التاريخ.
يقول ألبرت أينشتاين: 'الحياةُ ليسَت عادِلة، فلتُعَّوِد نَفسِك على ذلك. في المدرسة يعَّلِمونك الدَرس ثم يختَبِرونك، أمَا الحياة فتختَبرك ثم تُعَلِمك الدرس قد تَقصُر الحياة وقد تطول، فَكُل شيء مَرهون بالطريقةِ التي نحياها بها. اصرَخ لتعلَم أنك ما زلتَ حيّا وحيّا، وأنّ الحياة على هذه الأرض ممكنة'.
إذن حرية الأوطان تكتبها الشعوب بأيديها، وما نراه اليوم من نزاع تعلو فيه أصوات الانفجارات والقنابل، ونشاهد دموع الثكالى ما هو ألا وجع تأن منه الإنسانية، لكن مع كل ذلك الشقاء. الحياة تمضي، والأقدار تتبدل نحو الأفضل.