ثقافة

الفقد والذاكرة والاغتراب تتقدّم مشهد أمسيتين في "الشعر العربي"

 

ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الثانية والعشرين، شهد قصر الثقافة بالشارقة انطلاق أولى الأمسيات الشعرية، في حضور رسمي وثقافي لافت عكس المكانة التي يحظى بها المهرجان في المشهد الشعري العربي، كأحد أبرز التظاهرات التي تكرّس حضور القصيدة وتفتح فضاءً للحوار الجمالي والفكري بين تجارب شعرية من مشارب متعددة، وجرت الأمسية بحضور عبدالله محمد العويس رئيس دائرة الثقافة بالشارقة، ومحمد القصير مدير إدارة الشؤون الثقافية بالدائرة، والشاعر محمد بن عبدالله البريكي مدير بيت الشعر، إلى جانب جمع غفير من الشعراء والنقاد والمثقفين ومحبي الشعر العربي، وقدّم الأمسية الشاعر خالد اليساري من العراق، مرحّبًا بضيوف المهرجان من مختلف الدول العربية، ومثمّنًا الرؤية الثقافية لمؤسس هذا المشروع الشعري سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وما وفره من دعم متواصل أسهم في ترسيخ بنية ثقافية عربية حاضنة للشعر ومبدعيه.

وشارك في إحياء الأمسية خمسة شعراء يمثلون تنوعًا جغرافيًا وتجريبيًا، هم: عبد الواحد عمران من اليمن، أحمد الفاخري من ليبيا، مبروك السياري من تونس، صلاح الدين الخو من موريتانيا، وحنان فرفور من لبنان.

وافتتح الأمسية الشاعر اليمني عبد الواحد عمران، الذي قدّم نصًا أول تناول فيه تجربة الفقد الإنساني العميق من زاوية الأب المكلوم، مستحضرًا مأساة شخصية تحوّلت في القصيدة إلى خطاب وجداني مفتوح على الحزن والأسئلة الوجودية، فيما جاءت قصيدته الثانية بعنوان 'وجه يكمل نحاته'، حيث اتخذ من مدينة صنعاء موضوعًا شعريًا، مستعيدًا ملامحها بوصفها ذاكرة محفورة في الجسد والوجه، ومكانًا يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي، والحنين بالتشظي.

ثم ألقى الشاعر الليبي أحمد الفاخري قصيدته الأولى بعنوان 'سيرة الخطى الغرقى'، والتي انشغلت بثيمة التيه الإنساني والذاكرة المثقلة بالأسئلة، مقدّمًا سردًا شعريًا يتقاطع فيه التأمل الوجودي مع التجربة الذاتية، قبل أن يتابع بقصيدته الثانية 'يجوبون حزن الليل'، التي تناولت معاناة العاشق العذري، مركّزًا على هشاشة العلاقة بين الضوء والألم، والحب بوصفه اختبارًا داخليًا طويل الأمد.

ومن تونس، قدّم الشاعر مبروك السياري نصه الأول الذي دار حول الحنين والذاكرة والغياب، مستحضرًا العلاقات الإنسانية بوصفها أثرًا مقيمًا في الداخل، فيما جاءت قصيدته الثانية مكرّسة لفكرة الوفاء للأصدقاء والخلان، ومعبّرة عن الحزن النبيل على الفقد، في خطاب شعري يتأرجح بين الذكرى والاعتراف العاطفي الصريح.

أما الشاعر الموريتاني صلاح الدين الخو، فقد شارك بقصيدته الأولى بعنوان 'أبناء الشمس'، التي انشغلت بعلاقة الشاعر باللغة والقافية، وبالشعر بوصفه طاقة داخلية متوترة بين الشغف والخوف، قبل أن يقدّم قصيدته الثانية 'على أهبة الضوء'، التي جاءت في مديح النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مستعرضًا مشاهد من السيرة النبوية في صياغة وجدانية تنطلق من المحبة والتقديس الروحي.

واختُتمت الأمسية بمشاركة الشاعرة اللبنانية حنان فرفور، التي قدّمت مجموعة من النصوص ذات الطابع الوجداني، عبّرت فيها عن ذاتٍ أنثوية مشدودة إلى الشعر بوصفه ملاذًا وفضاءً للبوح، حيث تناولت في نصوصها ثيمات الليل والنجوم والحنين والانتظار، موظفة الرمزية الكونية لإضاءة مشاعر داخلية كثيفة التأثير.

ثاني الأمسيات

وفي ثاني أمسيات مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الثانية والعشرين، استهل القراءات الشاعر جاسم الصحيح من المملكة العربية السعودية، من خلال نص غزلي قدّم فيه صورة أنثوية مشحونة بالحركة والدلالة، حيث حضرت المرأة بوصفها قوة قادرة على زلزلة المكان وإعادة تشكيله، في بناء شعري اعتمد الصورة الكثيفة والانفعال الجمالي، واشتغل على التوتر بين الجسد والطبيعة بوصفهما فضاءين متداخلين في التجربة العاطفية.

ثم قرأ الشاعر محمد ناظم من العراق نصًا انفتح على ثيمة الشوق والحنين، مستندًا إلى لغة ذات بعد تأملي، جعل من الشعر ملاذًا داخليًا يواجه به الشاعر أسئلته الوجودية، حيث بدت القصيدة مساحة للبوح، ولإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والخيال، وبين القول الشعري وما يختزنه من دفء إنساني.

وألقى الشاعر الدكتور محمد دانسوكو من غينيا قصيدته المعنونة 'غريب على هامش العودة'، التي تناول فيها فكرة الاغتراب والحنين إلى الأصل، في خطاب شعري يستدعي مفهوم العودة بوصفه وعدًا مؤجلاً، ومواجهة مفتوحة مع الخرائط الممزقة والمسافات التي يفرضها الفقد والبعد، مقدّمًا تجربة تنتمي إلى سؤال الهوية والانتماء.

وعقب ذلك قرأ الشاعر المصري حسن عامر قصيدة دارت حول العتاب بوصفه مرحلة تسبق النسيان، حيث اشتغل النص على مفارقة التخلّي الواعي عن الذاكرة، ومحاولة تجاوز ما تبقّى من أثر التجربة، في لغة هادئة تتكئ على الاعتراف، وتقدّم العاطفة من زاوية ناضجة لا تنحاز للانفعال بقدر ما تميل إلى التأمل.

ثم شارك الشاعر اللبناني علي دهيني بقصيدته 'ذاكرة الركام'، التي استحضرت مشهد الخراب والدمار بوصفه خلفية وجودية، تتحرك فيها الذات الشاعرة بين الحياة والموت، مستندة إلى صور ليلية كثيفة، وذاكرة مثقلة بثقل الفقد، حيث بدت القصيدة أقرب إلى شهادة شعرية على العبور وسط الأنقاض.

واختتمت ثاني الأمسيات الشاعرة الدكتورة إيمان عبدالهادي من اليمن بقصيدتها 'أشواق المجاز الذبيح'، التي انشغلت باللغة بوصفها أفقًا رمزيًا مفتوحًا، حيث حضرت القصيدة كرحلة في المجاز، تتقاطع فيها الروح مع المعنى، والبحث مع التوق، في خطاب شعري يعتمد الكثافة والاشتغال على الصورة والرمز.