أعمدة

مادورو.. حالة استثنائية أم منهجية مكررة؟

تتغير المعطيات والوقائع على الأرض بمرور السنين، وتتقلب المسألة من كونها مشهدا عابرا وغير مقصود، إلى أن صارت منهجية وفعلا راسخا مكررا. فتتغير الوجوه والقطعة الجغرافية، لكن الأفعال والآثار واحدة لا متغيرة. فوجئ العالم السبت الماضي بتلك الطريقة التي تم بها اختطاف نيكولاس مادورو من قصره الرئاسي، وهي لطمة على وجه العالم الحر أجمع. إن منطق القوة والغاب الذي لم تعد أمريكا تخفيه خلف «نشر الحرية»، و«حماية الديمقراطية»، و«حق الشعوب في تحقيق مصيرها»؛ لم يعد رائجا ولم تعد الحاجة إليه ملحة أو منطقية، فبعد عقود من ترسيخ مبدأ السلامة الشخصية والمنفعة الذاتية، أو كما يقول المثل العماني «إذا سلمت ناقتي، ما عليّ من رفاقتي» أصبح من المستساغ أن تتحكم طغمة بالعالم كله، لا بالحق، بل بالقوة المطلقة الغاشمة، كما لو أنها مجموعة من الضباع تتكالب على أسد جريح.

لم تكن حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي الثالث والخمسين، نيكولاس مادورو من قصره الرئاسي حدثا عاديا. بل عملية إجرامية متكاملة الأركان. يسمي المناصرون العملية اعتقالا، لكن منذ متى كان الاعتقال يحدث لأعلى سلطة شرعية في بلد صاحب سيادة كاملة؟ إن المفارقة الحاصلة اليوم بشكلها الفج، اختلاف شكل وتسمية الفعل بين الدول القوية، والقانون الدولي. فالدول القوية والحليفة للولايات المتحدة، تسميه اعتقالا وإلقاء قبض. أما القانون الدولي -وكثير من الديمقراطيين- يسمونه اختطافا. فقد تم اختطافه من بلده، وعلى يد قوة عسكرية خاصة، ودون أي تفويض شرعي أو قضائي دولي؛ وهذه أركان كاملة لعملية الاختطاف.

هذا يذكرني بالمقالة التي كتبتها ذات مرة بعنوان «لماذا يجب ألا تنتصر غزة؟»، سردت فيها الأسباب التي تجعل من الغرب مصرا وحريصا على أن تكون غزة عبرة ودرسا. وها هي الأيام تؤكد ذلك مرة أخرى، وليتها لم تفعل. فلم ينقض المشهد أو يمحى من ذاكرتنا بعد، بل لم تتوقف أفعال القتل والتدمير المتعمدة بحق الغزيين؛ حتى التفتت أمريكا إلى المناوئين والمناهضين لسياساتها في الجزء السفلي من حدودها. فاختطاف مادورو، والتهديد بالعملية العسكرية ضد كل من فنزويلا، كولومبيا، وكوبا؛ ليس حدثا عابرا البتة، وكذلك وقوف هذه الشعوب مع فلسطين والقضية الفلسطينية. فهم يرون في فلسطين آخرَ شبيها لهم ولما يتعرضون له من اضطهاد واستنزاف، وكأن بيت امرئ القيس يبعث من جديد

أجارَتَنا إنّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا وكُلُّ غَرِيبٍ للغَريبِ نَسيبُ

نسمع كثيرا عن «العالم الجديد» و«النظام العالمي الجديد»، ولكن وبواقعية شديدة؛ هذا يعني شيئا واحدا فحسب، أننا أمام غابة جديدة اسمها العالم. فلم تعد للإنسان قيمة لذاته وفي ذاته؛ بل بما يمتلكه من أسلحة ردع وقوة. وهذا سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى نشوب الحروب والصراعات التي لن تكون حكرا على حدود بعينها. فهذا الصفيح الساخن للوضع الدولي اليوم، والتغول الأمريكي الفج الذي لم يكتب بالعدو، بل يهدد الصديق كذلك كما في حالة غرينلاند ومطالبته بأرضها رغم أنها تابعة للدانمارك الحليف المخلص لأمريكا وعضو حلف الناتو، أو الاتفاقيات المقسمة لموارد أوكرانيا مقابل إنهاء الحرب الروسية فيها؛ كل هذه الحقائق تدق ناقوس الخطر عند الصديق قبل العدو. فما الضمانات التي يمكن الاحتكام إليها واعتبارها حبل الطمأنينة وطوق النجاة في عالم متوحش؟ كل هذا بات محل شك وتساؤل وخوف.

في عام 1970م، صدر كتاب كان ينبغي أن يهز النصف الغربي من الكرة الأرضية، ويعيد بناء الواقع بشكل مغاير. لكنه ما لبث أن كان إنجيلا للمستضعفين فيها، وتأكيدا لما فيه من شرور مصاص الدماء الأكبر والأكثر دموية عبر التاريخ؛ الولايات المتحدة الأمريكية. لم تهنأ الدول باستقرار أكثر مما كان قبل الحربين العالميتين، بل تغولت شريعة الغاب في مفاصل الكيان الدولي كله، الذي غدا مسرحا عملياتيا للقوة التي سرقت الانتصار بأقل الخسائر. وكعادة الكتّاب والمؤلفين ذوي الأصوات الحرة الأبية، لم يقف المستضعفون مكتوفي الأيدي أمام آلة السحق والدهس الأمريكية، بل قاوموها دفاعا عن أرضهم وعرضهم ومبادئهم، كلٌّ بما يحسنه وفي المجال الذي يجيده ويبرع فيه. وهنا انبرى صحفي وروائي أديب من بلد يشبه سلطنة عمان من حيث تعداده السكاني الصغير نسبيا مقارنة بجيرانه وأقرانه في المنطقة، وهو الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو. كتب غاليانو كتابا لا عن الأوروجواي، أو بلدة بعينها في أمريكا اللاتينية؛ بل عن قارة بأكملها غدت مستنقعا يعيث فيه العم سام فسادا وإفسادا، عن سبق إصرار وترصُّد لإبقاء المحيط ضعيفا وتحت رحمته على الدوام، أسماه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية».

لا يتحدث غاليانو عن شيء قدري وخارج من أيدي البشر في مسألة الدوامة التي يدور في فلكها القطب اللاتيني، بل عن منهجية متعمدة ومقصودة يتخذها الأمريكان في إغراق المحيط في دوامة لا نهاية لها من الفساد، الجريمة، والفشل المستمر. وتتشابه دول أمريكا اللاتينية مع الدول العربية والإفريقية في شيء مشترك وغريب في آن. فهي بلدان غنية بالثروات الطبيعية الهائلة التي لا يمكن معها أن تكون فقيرة أو معدمة؛ ولكنها في الآن ذاته غارقة حد الثمالة في مشكلات لا تنتهي من الفساد السياسي، الاقتصادي، الطبي، والتبعية المباشرة وغير المباشرة. بعبارة أخرى، تتشابه في فقدان حقها وقدرتها على تقرير مصيرها بنفسها.

ما زلنا نتذكر محاولة اعتقال أسامة بن لادن، والتي انتهت بتصفيته، وهو حدث مختلف السياق عن قضية مادورو، وشبيه به في آن. فالولايات المتحدة -كحال الدول المسيطرة في فتوّتها- ستدفع الغالي والثمين لأجل الاعتقال لا التصفية، وذلك لما فيه من ترويج لصورة القوي الذي يستطيع الوصول إلى من يشاء، حيث يشاء، متى يشاء. وهو ما حدث وتكرر مع عدة رموز في التاريخ الحديث. كاعتقال تشي جيفارا، الذي تم بأيدي الجيش البوليفي، وبتدريب وتنسيق ودعم وقرار أمريكي صرف.

إن خلاصة الخلاصة في الأحداث الأخيرة مخيفة وتستدعي التحرك من قادة العالم الحر فيما بينهم، والالتفاف حول شعوبهم في الآن ذاته. فالتهديد الذي تمثله القوة الغاشمة بوصفها قوة، لا لاعتبارات التحالف والمصالح المشتركة، يجعل من الصعوبة بمكان الاطمئنان أو أمن جانب الحليف الأقوى، واستبعاد إمكانية غدره. والالتفاف حول الشعوب في أوقات كهذه أمر مصيري كذلك؛ لأن الشعوب المقهورة، المستضعفة أو التي لا تشعر بالانتماء لأسباب منطقية في كثير من الأحيان، تشبه بطاقات اليانصيب التي لا يُعرف ما تخبئه. فمحاربة الفساد، وتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي، والشعور بالفرص المتساوية والعادلة في أي وطن؛ هي الضمانة الأكبر والأكثر موثوقية لجعل الشعوب الحاجز الأول والرادع والجدار أمام أي محاولة للتدخل والعدوان. ورغم الأسف والأسى، فإن بعض الدول المحيطة بنا، فيها من الأمثلة المؤلمة ما يؤكد هذه النتائج وأسبابها السابقة. ورغم الأمنيات الصادقة بأن ينعم العالم بالرخاء والطمأنينة والسلام، فإن الواقع لا يبنى بالأمنيات وحدها، بل بالعمل لتحقيقها، فعسى أن تنبجس الأنوار من هذه الظلمات الحالكة في هذه الفترة العصيبة من التاريخ الإنساني.