أعمدة

«حرب الوجود» بين وسائل التواصل وقيم المجتمع

في اجتماعه بمجلس الوزراء وجّه صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ـ بـ(دراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومحوكمة، تعزز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية، وتعالج تأثيرات منصات التواصل الاجتماعي السلبية على سلوكيات المجتمع)، وهو توجيه يعكس ذلك الحرص الأبويّ من لدن جلالته على التمسك بأخلاقيات وسلوكيات المجتمع العُماني الأصيلة، والعمل على تجذيرها وثباتها والحفاظ عليها، وسط سيل هادر من السلوكيات الغريبة وغير الملتزمة التي تكاد تكتسح الشباب في كل العالم، من خلال عدم انضباطها وفلتانها ولا معقوليتها أحيانًا، مستخدمة وسيلة أسرع من الصوت، وهي (وسائل التواصل الاجتماعي).

والحقيقة أن كثيرًا من الدول الغربية المنفتحة بدت تنتبه إلى ذلك الانفلات الأخلاقي الذي أخذ يسيطر على فئات الشباب لديها، وعملت دولة مثل أستراليا على تقييد وتنظيم عملية الدخول إلى المواقع الإلكترونية، وحظرت دخول الأطفال دون سن السادسة عشرة على منصات التواصل الاجتماعي مثل (تيك توك، وإنستغرام، وفيس بوك..) وغيرها، وفرضت غرامة تصل إلى ثلاثة وثلاثين مليون دولار أمريكي في حال عدم التزام هذه المنصات بالقانون الجديد، وهذا يساعد على حماية ما تبقى من القيم الاجتماعية والأسرية في تلك الدولة، ورغم صعوبة التطبيق على أرض الواقع إلا أن ذلك لن يكون مستحيلاً في مراحل لاحقة.

لقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعي، بتأثيراتها وتأثر المستخدمين بها، وسيلة من وسائل التغيير السلوكي لدى المجتمع ككل، وأصبح (جني المال) هو الغاية القصوى التي يسعى إليها الشباب، دون نظر إلى الوسيلة التي تقود لهذه الغاية، بل ودخل في هذه الفوضى كبار السن، والرجال الناضجون الذين بدأوا ينتشرون على هذه المواقع، ويظهرون (دعمًا) لأبنائهم، أو زوجاتهم المتواجدين أساسًا في هذه المجتمعات، غير مبالين بالمحتوى الذي يقدمونه، مهما كان سطحيًا ومسفًّا ومشينًا، بل و(مذلًا) أحيانًا، فـ(الغاية تبرر الوسيلة) ـ كما يرون ـ، وبذلك يشكلون قدوة سيئة لمن يتابعهم من الأطفال والشباب، ويهدمون قيم المجتمع العُماني الأصيلة، وينشرون سلوكيات غير سوية لدى الأجيال، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سببًا في هدم الأسر، وتمزيق العلاقات العائلية، والطلاق، بسبب إصرار الزوجة ـ مثلًا ـ على الظهور على أحد التطبيقات لكسب المشاهدات والإعجابات، ويبدأ بعد ذلك مسلسل التنازلات القيمية والسلوكية، وفضح خصوصيات الأسرة، حتى ينتهي الأمر بالانفصال، ولا ينتهي المشهد عند هذا الحد، بل تستمر حلقات الفضائح وكشف الأسرار إلى ما لا نهاية، وأحيانًا يكون ذلك بالاتفاق بين الطرفين، سعيًا لجني المال وتحسين مكانة هؤلاء على منصة التواصل.

إن وضع ضوابط قيمية وسلوكية واضحة ونافذة أصبح أمرًا أساسيًا لكي نحافظ على القيم العليا للمجتمع، وعلى النسيج الأسري والأخلاقي الذي يمكن من خلالها للأجيال القادمة أن تفخر بأن لديها إرثًا حضاريًا وثقافيًا ودينيًا، ومنظومة سلوكية واضحة تسير عليها، دون تشويش أو تخريب غير مسؤول يأتي من أشخاص لم يعد لديهم أي قيم أو مبادئ يتمسكون بها لكي يصلوا إلى هدفهم، دون نظر إلى أي وسيلة تنقلهم لهذا الهدف مهما كان منحطًا، ومع كل هذه الفوضى التواصلية ننتظر الآليات التي سيعلنها مجلس الوزراء لضبط هذه المنظومة، والحد من هذا العبث المجتمعي، للحفاظ على هوية وشخصية الإنسان العُماني، وسط هذه الموجات العارمة القادمة إلينا من كل الجهات، والتي إن لم نستعد لها باكرًا، فقد نخسر (حرب الهوية الوجودية القيمية) على المدى البعيد، وهذا ما لا يجب علينا أن نسمح به.