العرب والعالم

كيف يعمل الهلال الأحمر الفلسطيني داخل حرب تُفرغ القانون الدولي الإنساني من معناه؟

تحقيق ـ فيصل بن سعيد العلوي

 

غزة تفضح ثمن النجاة في ساحة لا ترحم المسعفين

'زينو' و'المدهون' .. مهمة إنسانية انتهت تحت الاستهداف!

أرقام موثقة تكشف الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني

•نسرين القوس: في مراكز الاتصال نُدير الخوف لا الوعود لأن كل كلمة قد تعني حياة أو موت
•رنا فقيه: أصعب القرارات تُتخذ حين نعرف أن هناك من ينتظر... لكن يُمنع الوصول إليه
•عمر علقم: التنسيق لا يحمي المسعفين والواقع الميداني قد ينسفه في أي لحظة
•نبال فرسخ: الكلمة الإعلامية قد تنقذ أرواحًا أو تعرّضها للخطر في بيئة لا تحترم العمل الإنساني
•مهدي الجمل: الإسعاف في فلسطين واجب إنساني يُؤدَّى تحت الاستهداف ولن يتوقف
•عبد المجيد مراري: المشكلة ليست في القانون بل في نظام دولي يعطّل إنفاذه حين يقترب من حلفائه
•ويليام شاباس: غياب المحاسبة لا يشرعن الجريمة والقانون لا يسقط بتقادم الانتهاك
في الحروب لا يُقاس الوقت بالدقائق، بل بالأرواح التي تُفقد قبل أن يصل إليها أحد... ثماني دقائق قد تبدو مسافة قصيرة على الورق، لكنها في قطاع غزة تتحوّل إلى متاهة من الركام والحواجز والقرارات العسكرية المفاجئة، والخطر الذي يلاحق كل محاولة إنقاذ.


في واحدة من أكثر الحوادث التي هزّت الرأي العام... تحوّلت استغاثة طفلة محاصرة داخل سيارة مدنية إلى شهادة قاسية على واقع العمل الإنساني تحت النار... فالحكاية هنا ليست مجرّد مأساة فردية، بل نافذة كاشفة على منظومة كاملة من العوائق التي تواجه طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، منذ لحظة تلقي البلاغ، مرورا بمحاولات التنسيق، وصولا إلى قرار التحرك أو التوقف، وما يترتب على ذلك من تبعات إنسانية وقانونية.


هذا التحقيق لا يعيد سرد القصة كحدث معزول، ولا يكتفي بالوقوف عند نهايتها المؤلمة لكنه يحاول تفكيك ما جرى خلف الكواليس: كيف يُدار نداء الاستغاثة في مراكز الاتصال؟ كيف يُتخذ القرار حين يكون الزمن خصما؟ وماذا يعني 'التنسيق' عمليا في بيئة لا تحترم العمل الإنساني؟ وأين تقف حدود المسؤولية حين تصبح سيارات الإسعاف نفسها أهدافا؟.


من شهادات مسعفين وفرق متابعة ومتحدثين رسميين في الهلال الأحمر الفلسطيني من قلب غزة، إلى قراءة قانونية تستند إلى نصوص القانون الدولي الإنساني، يتتبع هذا التحقيق مسار العمل الإنساني كما هو على الأرض، لا كما يُفترض أن يكون... مسار قصير في الجغرافيا لكنه طويل في العوائق، تتقاطع فيه الإنسانية مع السياسة، والقانون مع القوة، والواجب مع العجز القسري... تحقيقنا هذا ليس محاولة لإدانة لحظة واحدة، ولا لتكثيف الألم في مشهد واحد، لكنه سعي لفهم الصورة كاملة: صورة عمل إنساني يُنجز تحت التهديد، ويُحاسَب في النهاية على ما لم يُسمح له بإنجازه.


___________
من نداء الاستغاثة إلى عبء القرار
لا يبدأ العمل الإنساني في قطاع غزة من لحظة تحرّك سيارة الإسعاف.. يبدأ من صوت يصل عبر الهاتف، غالبا مرتجفا، أحيانا متقطّعا، وفي كثير من الحالات محمّلا بذعر لا يترك مجالا للخطأ، وداخل مراكز الاتصال التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني تتحوّل المكالمة إلى نقطة ارتكاز لسلسلة قرارات معقّدة لا تُبنى على الزمن وحده، بل على مزيج قاسٍ من المعطيات الناقصة، والخطر المتوقع، وحدود الممكن.


تقول نسرين القوس، مديرة دائرة الصحة النفسية في الهلال الأحمر الفلسطيني- الادارة العامة، إن الضغط داخل مراكز الاتصال لا يشبه أي ضغط مهني تقليدي، فالعاملون هناك لا يتعاملون مع بلاغات مجرّدة، وإنما مع أصوات بشر يطلبون النجاة في لحظات قصوى، فيما يكون الطرف الآخر من الخط عاجزا عن تقديم وعد واضح أو نتيجة مضمونة... فالقلق لا يقتصر على المتصلين، بل يمتد إلى الزملاء العاملين على الأرض، حيث يصبح انقطاع الاتصال أو تأخر الرد سببا كافيا لافتراض الأسوأ، وفي هذه المساحة الضيقة بين الطلب والقدرة، يتكثف الشعور بالعجز... نداءات لا تتوقف، وطلبات تتجاوز الإطار الوظيفي، من غذاء وخيام وعلاج وسفر، فيما يدرك العاملون أن الاستجابة ليست دائما بيدهم، وكل كلمة تُقال، وكل معلومة تُحجب، تصبح فعلا له تبعاته، لأن الخطأ هنا لا يعني سوء تقدير إداري، بل احتمال خسارة حياة.


تشير 'القوس' إلى أن مبدأ 'عدم إلحاق الضرر' يحكم هذه المرحلة كحاجز أخلاقي يحاول منع تفاقم الخطر، أحيانا يكون التواصل قائما لكن التنفيذ مستحيل... وهنا يبدأ الانتظار الثقيل حيث لا يملك الموظف سوى إبقاء الطرف الآخر متمسّكا بالأمل رغم إدراكه أن الحل قد لا يأتي، وهذا الانتظار عبء نفسي متراكم... دقائق تمرّ كأنها ساعات، والقرار يتأرجح بين واجب الاستجابة وضرورة حماية الطواقم، وفي هذه اللحظات تصبح الكلمة مسؤولية كاملة، والصمت أحيانا خيارا اضطراريا، لا تهرّبا من الحقيقة بل محاولة لتقليل الخسائر، وتبقى بعض النداءات عالقة في الذاكرة، لا لأنها فشلت فقط، بل لأنها وضعت العاملين أمام مآزق أخلاقية لا تُنسى.

قصص عائلات أُبيدت في لحظة واحدة، أو مكالمات تحمل تهديدا لحياة أطفال من داخل الأسرة نفسها، تترك أثرا يتجاوز اللحظة، وتحوّل مركز الاتصال إلى مساحة تماس مباشر مع هشاشة الحياة تحت القصف.


___________
من البلاغ إلى القرار
من هنا وقبل أي تحرّك ميداني يتشكّل الجزء الأول من القصة التي لا تظهر في البيانات الرسمية ولا تتصدّر العناوين العاجلة، قصة تبدأ بنداء استغاثة يصل عبر الهاتف، ثم تتحوّل فورا إلى مسار معقّد من القرارات المتداخلة، ويبقى البلاغ تقديرا للموقع، ووزنا للخطر، ومحاولة لقراءة إمكانيات الوصول في واقع شديد التعقيد، وهنا يأتي السؤال الحاسم قبل أي خطوة: هل المنطقة مفتوحة أم مصنّفة عسكريا؟ في هذه اللحظة المبكرة، تُرسم ملامح كل ما سيأتي بعدها..
توضح رنا فقيه مسؤوله الاستعداد والاستجابة وغرفة العمليات المركزية في الهلال الأحمر الفلسطيني ـ الادارة العامة (آخر من كان على تواصل مباشر مع الطفلة هند رجب قبل استشهادها): أن التعامل مع أي بلاغ إنساني يبدأ بإحساس ثقيل بالمسؤولية يتقدّم على أي إجراء إداري، فكل نداء يحمل احتمال حياة معلّقة، ويضع الفريق أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحاجة الملحّة للإنقاذ والواقع الميداني شديد التعقيد.


وتشرح 'فقيه' أن اللحظات الأولى عقب البلاغ تُخصَّص لتجميع الصورة الميدانية بأسرع ما يمكن من طبيعة الإصابة وعدد المصابين والموقع الدقيق ووضع المنطقة، وإمكانية وصول الطواقم إليها، يلي ذلك الدخول في مسار التنسيق، الذي كثيرا ما ينتهي بالرفض أو التعليق أو الانتظار الطويل، وكل محاولة تحرّك، حتى عندما تُجهض تحمل معنى أخلاقيا واضحا يتمثل في أن هناك من سمع النداء وحاول، حتى عندما لم يُسمح له بالوصول.


وتشير رنا فقيه إلى أن أقسى لحظات العمل الإنساني هي تلك الواقعة بين الانتظار واتخاذ القرار، حين تبقى الحياة معلّقة في مكان ما، فيما تمنع الظروف التحرك الفوري، وفي هذه المساحة الرمادية يتحول الزمن إلى عبء نفسي مضاعف، وتغدو الدقيقة امتدادا طويلًا من القلق والترقّب، ويتشكّل الإحساس بالعجز بفعل المنع والإغلاق والخطر، لا بفعل التخاذل... وأن الفريق قد يصل أحيانا إلى قناعة موجعة بأن النهاية ستكون مأساوية رغم بذل كل الممكن، لكن ذلك لا يلغي الواجب الإنساني في الاستمرار بالمحاولة حتى اللحظة الأخيرة، فالانسحاب ليس خيارا، وحماية الطواقم تبقى أولوية، لأن فقدان مسعف يعني فقدان فرصة إنقاذ لاحقة، ولأن الالتزام الأخلاقي في هذا السياق لا يُقاس بالنتائج وحدها.


أما عن التعامل مع الشعور بالعجز، فتوضح أن الحزن والألم حاضران ولا يمكن إنكارهما، لكنهما لا يتحولان إلى شلل.. يتم احتواؤهما عبر التضامن داخل الفريق، والدعم النفسي المتبادل، والتذكير المستمر بأن كل جهد، مهما بدا محدودا، يحمل قيمة حقيقية، وأن المسؤولية لا تتحمّلها الطواقم التي حاولت الوصول، بل الجهات التي منعت هذا الوصول وفرضت هذا الواقع القسري.
وتختم رنا فقيه مسؤولة الاستعداد والاستجابة وغرفة العمليات المركزية في الهلال الأحمر الفلسطيني ـ الادارة العامة: بأن التمسك بالقيم الإنسانية هو ما يسمح للطواقم بالاستمرار في بيئة لا ترحم، وأن الألم لا يختفي لكنه يتحول إلى شهادة حيّة على ما يجري، وإلى التزام بالبقاء صوتا لمن لم يُسمح لهم بالنجاة، وأملا لمن ظلوا عالقين في انتظار لا يُحتمل.


___________
حين يصبح 'التنسيق' إجراء هشا
في لحظة الانتقال من البلاغ إلى التحرك، يدخل العاملون في التنسيق والمتابعة الميدانية في مساحة شديدة الهشاشة، حيث لا تكفي الخرائط، ولا تحسم الاتصالات، ولا تضمن الإجراءات المكتوبة شيئا على الأرض... وهنا، يبرز دور عمر أحمد علقم، ضابط التنسيق والمتابعة في غرفة العمليات المركزية التابعة للهلال الاحمر الفلسطيني، وهو (أول من تلقّى مكالمة عائلة حمادة قبل استشهادها، وأحد أوائل من كانوا على تواصل مع الطفلة هند رجب).


يوضح عمر علقم أن مفهوم 'التنسيق' يُساء فهمه كثيرا خارج الميدان، إذ يُتعامل معه على أنه ضمانة للأمان في حين أنه في الواقع لا يتجاوز كونه إشعارا بوجود طاقم إسعاف في زمان ومكان محددين، ومحاولة لتقليل مستوى الخطر، دون أن يحمل أي التزام فعلي بحماية الطريق أو تأمين الوصول، فالتنسيق لا يوقف الرصاص، ولا يفتح الطرق، ولا يمنع تغيير القرار في أي لحظة، وأن الطواقم تتحرك وهي تدرك أن كل شيء يبقى مرتبطا بالوضع الميداني والقرارات الآنية، التي قد تتغير فجأة دون سابق إنذار. فحتى مع وجود تنسيق، يمكن أن يفقد هذا الإجراء قيمته العملية في لحظة واحدة، ليجد المسعفون أنفسهم في مواجهة واقع ميداني مختلف تماما عمّا كان متفقا عليه.


وعن العوائق الأكثر تكرارا يقول 'علقم' أن سيارات الإسعاف تواجه بشكل شبه دائم إغلاقات مفاجئة للطرق، وحواجز عسكرية طارئة، وانتظارا طويلا دون مبررات واضحة، إضافة إلى فرض تغييرات قسرية على المسارات أثناء المهمة، وفي كثير من الأحيان يترافق ذلك مع خطر مباشر، مثل إطلاق نار أو قصف قريب، ما يؤدي إلى إبطاء الوصول ويضع حياة المصابين أمام سباق قاسٍ مع الوقت وتتحول كل دقيقة تأخير إلى تهديد إضافي.


وفيما يتعلق بالتوثيق يشرح 'عمر علقم' أن كل تفصيل يُسجّل بدقة، بدءا من وقت الانطلاق.. مرورا بلحظات التوقف، وأسباب التأخير كما تَرِد من الميدان، حيث تُوثّق الاتصالات وتقارير الطواقم، وأحيانا الصور أو مقاطع الفيديو عند توفرها، ثم تُرفع هذه المواد في تقارير رسمية إلى الجهات المختصة، لتكوين سجل زمني وميداني يعكس ما جرى فعليا أثناء المهمة، بكل ما حمله من تعقيد وتغيّر، لكن في الوقت نفسه هناك فجوة واضحة بين التنسيق كما يُكتب على الورق وبين ما يحدث على الأرض، ففي الوثائق يبدو كل شيء منظما ومحددا، بينما الواقع الميداني قد ينقلب بالكامل بفعل قرار مفاجئ أو تصعيد عسكري فيتحول التنسيق إلى إجراء شكلي لا يوفّر حماية حقيقية للطواقم ولا يمنحهم هامش أمان يمكن الركون إليه!.
ويختم عمر أحمد علقم ضابط التنسيق والمتابعة في غرفة العمليات المركزية التابعة للهلال الاحمر الفلسطيني بالتأكيد على أن البيانات الرسمية مهما كانت دقيقة لا تعكس الجانب النفسي والإنساني لهذا العمل، فهي لا تُظهر الضغط الذي يعيشه المسعفون، ولا اللحظات القاسية التي يُجبرون فيها على الموازنة بين السرعة والسلامة، ولا الوقت الذي يُهدر، ولا أثره المباشر على حياة المصابين، كما لا تنقل حالة القلق الدائمة وعدم اليقين التي يعمل في ظلها المسعفون طوال الوقت في ميدان مفتوح على الخطر، ولا يمنحهم ترف القرار الآمن.


___________
حين تصبح الكلمة قرار حماية!
داخل العمل الإنساني... لا تُصاغ الرواية الإعلامية وكأنها مجرّد نقل للوقائع، لكنها تُبنى في مساحة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المعلومة مع سلامة الأرواح، وهذا ما توضحه نبال فرسخ المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، حين تتحدث عن آلية التعامل الإعلامي مع الأحداث الإنسانية في بيئة مفتوحة على الخطر.


تشير نبال فرسخ إلى أن بناء الرواية الإعلامية يبدأ من إدراك المسؤولية الأخلاقية والميدانية لكل كلمة تُقال أو تُحجب.. فالإعلام داخل مؤسسة إنسانية لا يعمل بمنطق السبق أو الإثارة فهو يخضع في كل لحظة لمعادلة دقيقة، تتقدمها الدقة الكاملة في نقل المعلومة، مقرونة بلغة إنسانية مسؤولة تحاول تجنّب التوظيف من دون الانفصال عن السياق الحقيقي لما يجري على الأرض، وخصوصية الحالة الفلسطينية تجعل هذا التوازن أكثر تعقيدا، فالهلال الأحمر الفلسطيني يعمل مع شعب يعيش تحت الاحتلال، والانتهاكات التي تطال الطواقم الإنسانية أو المدنيين ليست أحداثا منفصلة عن سياقها، لكنها نتيجة مباشرة لواقع قائم، فيصبح الحديث عن الألم والانتهاك والمأساة الإنسانية مرتبطا حتما بتحديد الجهة المتسببة باعتباره توصيفا للواقع كما هو.


وترى 'فرسخ' أن التحدي الأكبر في نقل القصص الإنسانية المعقّدة يكمن في الموازنة بين كشف الحقيقة وحماية الأرواح، فالاعتبار الأول الذي يحكم أي قرار إعلامي داخل الهلال الأحمر يبقى سلامة الطواقم العاملة على الأرض، وبعض المعلومات رغم أهميتها للرأي العام، قد يؤدي نشرها في توقيت غير محسوب إلى تعريض المسعفين للخطر أو عرقلة مهمة إنسانية جارية، أو فرض إجراءات أشد من قبل قوات الاحتلال، والمؤسسة اضطرت في كثير من الأحيان إلى الامتناع عن الإفصاح الفوري عن معلومات تتعلق باحتجاز طواقمها أو اعتقالهم أو التنكيل بهم أو إصابتهم خلال تنفيذ مهام إنسانية منسّقة، إلى أن يتم التأكد من سلامتهم أو انتهاء المهمة، فهذا الصمت المؤقت كما لا ينتقص من حق الجمهور في المعرفة لكنه إجراء اضطراري تفرضه طبيعة العمل في بيئة لا تحترم العمل الإنساني.


وفي هذا السياق تتحدث نبال فرسخ عن العلاقة المعقّدة بين الإعلام والحماية، فالضغط الإعلامي قد يشكّل في بعض الحالات وسيلة حماية للطواقم عبر تسليط الضوء على ما يتعرضون له، لكنه في حالات أخرى قد يتحول إلى عامل تهديد مباشر لحياتهم.. وهذه المفارقة تجعل كل قرار إعلامي قرارا حساسا لا يحتمل التبسيط أو الأحكام الجاهزة.


أما عن تأثير اللغة الإعلامية في وعي الرأي العام، تشير المتحدثة الإعلامية للهلال الأحمر الفلسطيني إلى أن كثيرين لا يدركون طبيعة القيود المفروضة على العمل الإنساني في قطاع غزة، ولا يستوعبون معنى أن يحتاج المسعف إلى تنسيق مسبق للوصول إلى جريح ينزف، مفهوم 'التنسيق' ذاته يظل ملتبسا لدى الجمهور، فطواقم الهلال الأحمر تعرضت للاستهداف رغم وجود تنسيق مسبق، وسقط منهم شهداء وجرحى، وتعرّض آخرون للاعتقال أثناء تنفيذ مهام إنسانية خالصة!، وهناك مناطق تُصنّف كمناطق حمراء أو محاصرة، يُمنع الوصول إليها كليا، ما يؤدي إلى بقاء الجرحى ينزفون لساعات حتى الموت، أو استشهاد أشخاص محاصرين داخل منازلهم دون أن تتمكن الطواقم الطبية من الوصول إليهم، رغم وضوح الحاجة الإنسانية وإلحاحها، لذلك من الضروري يحسن الإعلام استخدام لغته ليمكّن الجمهور من فهم حالة العجز القسري التي تعيشها الطواقم الطبية، باعتبارها نتيجة مباشرة للاستهداف والانتهاكات المستمرة التي تمارسها قوات الاحتلال بحق العمل الإنساني.


وفي حديثها عن اختزال الحقيقة الإنسانية في حالة واحدة، تؤكد نبال فرسخ أن الحياة لا يمكن التعامل معها بمنطق الأرقام وحدها، فقضية الطفلة هند رجب، رغم رمزيتها، تمثل واحدة من آلاف القصص في قطاع غزة، حيث أكثر من عشرين ألف طفل قُتلوا، ولكل واحد منهم حكاية رعب وخوف وألم لم تُروَ، وأن استشهاد المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون أثناء محاولتهم إنقاذ حياة الطفلة هند رجب ليس حادثا معزولا، لكنه واحد من بين خمس وخمسين حالة فقد فيها الهلال الأحمر الفلسطيني مسعفين أثناء أداء واجبهم، كثير منهم رحلوا دون أن تُعرف قصصهم أو يُسلّط الضوء على إنسانيتهم.


وتختم نبال فرسخ المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني بالتأكيد على ضرورة إبقاء الصوت عاليا، ومشاركة قصص الأطفال والمسعفين والأطباء وكل العاملين في المجال الطبي والإنساني الذين قُتلوا، باعتبارهم بشرا لهم حياة وأسر وأحلام، فهؤلاء ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار، لكنهم غياب يومي في حياة من تركوهم خلفهم، وهذه هي الحقيقة الإنسانية التي يجب أن تبقى كاملة، من دون اختزال أو نسيان.


___________
من الخطر إلى الواجب
في فلسطين لا يتعامل المسعف مع الخطر كاحتمال طارئ لكنه واقع دائم يرافق كل مهمة.. هكذا يشرح مهدي الجمل مدير إدارة الكوارث في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني- الادارة العامة، طبيعة العمل الإسعافي في سياق لا يسمح بالفصل بين الواجب الإنساني والواقع الوطني العام، حيث تصبح كل محاولة إنقاذ جزءا من معركة مفتوحة لحماية الحياة.


يوضح مهدي الجمل أن المسعف الفلسطيني لا ينطلق إلى الميدان كونه موظفا يؤدي مهمة تقنية بل إنسانا يتحمل مسؤولية أخلاقية ووطنية متشابكة، فالإسعاف في فلسطين ـ كما يقول ـ أحد أشكال الصمود المجتمعي والمقاومة في وجه الاستهداف المستمر، ومن هذا المنطلق يتعامل المسعف مع إنقاذ الجرحى ومواساة العائلات المنكوبة كواجب تجاه شعبه، وطاقة إنسانية تُعاد ضخّها في جسد المجتمع المنهك، فأولوية طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني تبقى دائما إنقاذ الأرواح، مهما بلغت درجة الخطورة. ويشرح أن جمعية الهلال الأحمر طوّرت منظومة تُعرف بآليات الوصول الآمن، وهي سلسلة إجراءات تهدف إلى تقليل المخاطر قدر الإمكان، وتمكين المسعفين من الوصول إلى المصابين في بيئات شديدة الخطورة، ويشير إلى أن هناك ثقة متبادلة بين الطواقم الميدانية والجهات المختصة داخل الجمعية، تقوم على محاولة استصدار التنسيقات اللازمة للوصول، مع إدراك مسبق بأن هذه التنسيقات لا توفّر حماية حقيقية في كثير من الحالات.


وعند الحديث عن اتخاذ القرار في لحظات لا تحتمل التردد، يشدد 'الجمل' على أن سلامة الطواقم الصحية تظل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، ويقرّ بأن بعض القرارات تُتخذ تحت ضغط هائل، وقد تفرض التريث أو الامتناع المؤقت عن الوصول، خوفا من خسارة أرواح المسعفين أنفسهم... فالتجربة الميدانية أثبتت أن التنسيق، حتى عندما يكون قائما، لم يمنع في كثير من الحالات استهداف الطواقم، ما يجعل كل قرار خاضعا لمعادلة قاسية بين إنقاذ المصابين والحفاظ على حياة من يحاولون إنقاذهم.


وفي توصيفه لاستهداف العمل الإنساني، يوضح مدير إدارة الكوارث في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن الأمر يتجاوز الشعور أو الانطباع، ليصل إلى حقيقة تاريخية ممتدة منذ عام 1948 وحتى اليوم.. فالحرب الأخيرة كما سابقاتها، كشفت عن نمط استهداف مباشر للطواقم الإنسانية عبر إطلاق النار والقتل المتعمد وحملات التحريض والتشويه الإعلامي، والهلال الأحمر الفلسطيني فقد أكثر من خمسين مسعفا في قطاع غزة والضفة الغربية، وجميعهم استشهدوا رغم وجود تنسيق مسبق عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما يؤكد أن العمل الإنساني نفسه بات هدفا ثابتا.


وعن أثر ذلك على الاستمرار في أداء المهمة، يلفت مهدي الجمل إلى أن المسعفين بشر، والخوف شعور إنساني لا يمكن محوه، لكنه يؤكد أن هذا الخوف لا يتحول إلى تراجع، لأن العمل الإسعافي في فلسطين يُعد خدمة أساسية لا يمكن أن تتوقف.. وإن كثيرا من المسعفين يتسابقون للوصول إلى الحالات الطارئة، مدفوعين بإيمان عميق برسالة العمل الإنساني، وبأن واجبهم تجاه المجتمع يتقدم على الخوف ويجعل الاستمرار خيارا أخلاقيا لا بديل عنه.
___________
حين تقول النصوص شيئا ويقول الميدان شيئا آخر!
على الورق، يبدو القانون الدولي الإنساني واضحا، صارما، وغير قابل للتأويل... اتفاقيات جنيف، وبروتوكولاتها الإضافية، ونظام روما الأساسي، جميعها تضع حماية الطواقم الطبية ووسائط النقل الطبي في صلب الالتزامات القانونية الملزمة، وتعتبر أي استهداف لها خرقا جسيما قد يرقى إلى جريمة حرب... لكن ما تقوله النصوص لا يشبه ما يجري على الأرض، ففي قطاع غزة، حيث تعمل طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، تتحول هذه القواعد من ضمانات قانونية إلى عناوين معلّقة بلا قوة تنفيذ، وتصبح الحماية المكتوبة عاجزة عن منع الاستهداف، أو حتى تقليصه، رغم ان هذه النصوص لا تترك مساحة للالتباس، ولا تمنح أي استثناءات مفتوحة تحت مسميات الضرورة العسكرية أو الاشتباه، إلا بشروط ضيقة جدا، لا تتحقق في الغالب على أرض الواقع... ورغم ذلك، تُستهدف سيارات الإسعاف، ويُطلق النار على المسعفين، وتُمنع الطواقم الطبية من الوصول إلى الجرحى، حتى في الحالات التي يجري فيها تنسيق مسبق عبر جهات دولية... ولا يحدث ذلك كحوادث معزولة أو أخطاء عرضية، بل يتكرر بوتيرة تجعل الاستهداف جزءا من المشهد اليومي للعمل الإنساني... وهنا لا يعود السؤال متعلقا بوجود نص قانوني أو غيابه، بل بجدوى هذا النص حين يُترك بلا حماية، وبمعنى الالتزام القانوني حين لا يرافقه أي ردع فعلي.


___________
الحماية استثناء بلا قوة!
في هذا الفراغ بين النص والتطبيق، لا تبدو المشكلة مرتبطة بغموض القانون أو نقصه، بل بما يحدث حين تُترك القواعد بلا إرادة إنفاذ. هنا يضع خبير القانون الدولي عبد المجيد مراري عضو الفريق القانوني للدفاع عن فلسطين أمام الجنائية الدولية مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أفدي الدولية، هذا التناقض في إطاره القانوني الصريح، مؤكدا أن ما يجري لا يعكس خللا في النصوص، بل انكشافا فجّا لعجز النظام الدولي عن حماية ما أقرّه بنفسه.


يرى الدكتور عبد المجيد مراري أن القانون الدولي الإنساني يُعد من أكثر فروع القانون الدولي اكتمالا من حيث الصياغة والتفصيل، وأن قواعده، خصوصا تلك المتعلقة بحماية الطواقم الطبية، لا تعاني نقصا أو غموضا تشريعيا. غير أن الواقع الميداني في النزاعات المسلحة المعاصرة يكشف عن فجوة واسعة بين النصوص وبين مستوى الالتزام الفعلي بها، وهي فجوة لا تفسَّر بعجز قانوني، وإنما بغياب إرادة سياسية متعمّدة لدى أطراف تمتلك القوة وتختار انتهاك القانون.


ويشير مراري إلى أن ما يجري في قطاع غزة يقدّم نموذجا صارخا لهذا التعمد، حيث يظهر انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني كخيار واعٍ، لا كنتيجة أخطاء أو تجاوزات فردية. فاستهداف الطواقم الطبية، والمستشفيات، وسيارات الإسعاف، لم يعد سلوكا عرضيا يمكن عزله، وإنما ممارسة متكررة تعكس نمطا ثابتا في إدارة العمليات العسكرية، في ظل غطاء سياسي دولي يتيح استمرار هذه الانتهاكات دون كلفة حقيقية.


ويؤكد أن المشكلة لا تتصل بوجود النص القانوني، بل بغياب أدوات إنفاذه. فالقواعد، مهما بلغت دقتها، تظل بلا أثر عندما تُترك دون آليات تنفيذ قادرة على فرض احترامها. ورغم وجود محاكم دولية، فإنها تعاني قيودا بنيوية تحدّ من قدرتها على الفعل، سواء بسبب ضعف الصلاحيات التنفيذية، أو بسبب الضغوط السياسية المباشرة التي تمارسها دول نافذة عندما تمسّ المساءلة حلفاءها.


وفي هذا السياق، يلفت مراري إلى أن استهداف الطواقم الطبية تجاوز مرحلة الخرق العارض، وانتقل إلى مستوى النمط الممنهج الذي بات معتمدا في توصيفات القضاء الدولي وآليات الأمم المتحدة. فالهجمات على البنية الصحية لم تعد تبرَّر بالخطأ أو الاشتباه، وإنما تُستخدم أداة لإضعاف المجتمع، وكسر قدرته على الصمود، وبث الرعب، ضمن ما يشبه الحرب النفسية الممنهجة. ويضيف أن هذا التحوّل لم يكن ممكنا لولا صمت الدول الكبرى، التي سمحت بتسييس الرعاية الصحية، ومنحت المعتدي شرعية سياسية، حتى في غياب أي أساس قانوني.


وحول آليات المحاسبة، يرفض مراري توصيف ما يحدث بالعجز، ويميل إلى اعتباره تعجيزا مقصودا. ويستشهد بتجربة المحكمة الجنائية الدولية، حيث كشفت مذكرات التوقيف الأخيرة هشاشة ادعاءات كثير من الدول حول استقلال القضاء الدولي. فقد تلت هذه القرارات تهديدات مباشرة، وعقوبات على قضاة، ومحاولات لتقويض المؤسسة القضائية عبر الضغط السياسي والتشهير، في مسعى واضح لإفراغ العدالة من مضمونها عندما تقترب من مناطق النفوذ.


ويرى أن استخدام حق النقض في مجلس الأمن، والتدخل في عمل القضاء الدولي، تحوّلا إلى أدوات لتعطيل العدالة لا إلى آليات توازن دولي. ومع ذلك، يشير إلى أن قرارات المحكمة الجنائية الدولية الأخيرة، ورفض الطعون المقدّمة رغم الضغوط، تؤكد أن القضاء الدولي ما زال قادرا على المواجهة، وأنه لا يزال يحتفظ بإمكانية الفعل، رغم كلفة ذلك.


وفي ما يتعلق بانتقائية تطبيق القانون الدولي الإنساني، يؤكد مراري أن الاعتبارات السياسية باتت تتحكم في مسار العدالة الدولية، فتُفرض العقوبات على أطراف ضعيفة، بينما تُستثنى جيوش حليفة من أي مساءلة، رغم ارتكاب انتهاكات جسيمة. ويشير إلى أن توصيف ما يجري في غزة ما زال يخضع لمنطق سياسي يرفض الاعتراف بالجرائم، ويهاجم القضاة الذين يطبّقون القانون، بدل مساءلة من ينتهكه.
ويشدد خبير القانون الدولي الدكتور عبد المجيد مراري عضو الفريق القانوني للدفاع عن فلسطين أمام الجنائية الدولية مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أفدي الدولية في ختام حديثه على الدور الحاسم للتحقيقات الصحفية الموثقة، معتبرا إياها أداة قانونية مؤثرة، تعتمد عليها العدالة الدولية أحيانا كمراجع استئناسية، خاصة عندما تُبنى على توثيق مهني ودقيق. ويؤكد أن هذا النوع من الصحافة لا يكتفي بكشف الوقائع، بل يسهم في الضغط على الحكومات، وتحريك الرأي العام، وإعادة الاعتبار لحقوق الضحايا، عبر تسمية ما يجري باسمه، وكسر الصمت الذي يسمح باستمرار الانتهاك.


___________
العدالة تتعطل عند التنفيذ
من جانبه يرى الخبير في القانون الدولي الإنساني الأستاذ الدكتور ويليام شاباس أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس بالمملكة المتحدة، شغل منصب رئيس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وخبير في القانون الدولي والقضايا المتعلقة بجرائم الحرب:
أن الإطار القانوني الذي يحكم حماية الطواقم الإنسانية والطبية قائم ومكتمل من حيث النصوص، ولا يترك مجالا للغموض في مسألة تحييد هذه الطواقم عن الاستهداف. فالقانون الدولي الإنساني يمنح العاملين في المجال الطبي والإنساني حصانة قانونية صريحة، تقوم على كونهم لا يشاركون في الأعمال العدائية، ولا يشكّلون جزءا من المجهود العسكري لأي طرف.

ويشير شاباس إلى أن هذه الحصانة تعني أن أي هجوم متعمّد على الطواقم الطبية أو البعثات الإنسانية محظور قانونيا، غير أن الواقع الميداني يضع هذه الحماية في مساحة هشّة، حيث تتعرّض الطواقم الإنسانية للأذى في سياق ما يُعرف بالأضرار الجانبية، حين تُنفّذ هجمات موجّهة إلى أهداف عسكرية في مناطق مكتظة أو غير منفصلة عن الوجود المدني والإنساني.

ويشدّد 'أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس بالمملكة المتحدة ' على أن القانون لا يشرعن هذه الأضرار، ولا يمنحها غطاء قانونيا تلقائيا، لكن هنا يصبح العمل الإنساني، عمليا، محاصرا داخل مساحة عالية الخطورة، لا بسبب ضعف النص، بل بسبب طبيعة الحرب نفسها، واتساع هوامش التفسير التي تُمنح للقوة العسكرية على الأرض.

وحول حالات تأخير الوصول الإنساني أو تقييده، حتى في ظل وجود آليات تنسيق. يوضح 'شاباس' أن القانون الدولي لا يقدّم إجابات عامة أو صيغا جاهزة يمكن إسقاطها على جميع الوقائع. فكل حالة تُقيَّم ضمن سياقها الخاص، وفق معايير معقّدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية، والوقائع الميدانية، وطبيعة الخطر، والزمان والمكان، وهذا التعقيد لا يعكس فراغا قانونيا، بل يكشف صعوبة تطبيق المبادئ القانونية المجردة داخل واقع يتغير لحظة بلحظة.


ومن الزاوية القانونية البحتة، يميّز خبير القانون الدولي بوضوح بين توصيف الفعل وبين وجود محاسبة فورية عليه. فغياب المساءلة في لحظة وقوع الانتهاك لا يُسقط الصفة القانونية للجريمة، ولا يُحوّلها إلى فعل مشروع، وأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن تأخر التحقيق أو الملاحقة لا يلغي إمكانية المحاسبة مستقبلا، مهما طال الزمن. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن التحقيق في جرائم الحرب أثناء النزاعات المسلحة يواجه صعوبات هائلة، وغالبا ما يُرحّل إلى ما بعد توقف العمليات القتالية. هذا التأجيل، حين يترافق مع ضغوط سياسية وانتقائية في تطبيق العدالة، يُفرغ الحماية القانونية من أثرها الردعي، ويجعل النصوص قائمة بلا قوة فاعلة في لحظة الانتهاك.

ويعتبر 'شاباس' أن القوانين الدولية المنظمة للعمل الإنساني كافية من حيث الصياغة والتغطية المشكلة، في نظره، تتجسد في آليات التنفيذ والإنفاذ، التي تخضع في كثير من الأحيان لموازين القوى السياسية، ولمنطق ازدواجية المعايير، فبعض النزاعات تحظى بقدر كبير من الاهتمام والمساءلة، بينما تُترك انتهاكات مشابهة في نزاعات أخرى بلا متابعة جادة. في هذا السياق، يمنح الأستاذ الدكتور ويليام شاباس أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس بالمملكة المتحدة التحقيقات الصحفية دورا محوريا في سد هذه الفجوة. فالصحافة الاستقصائية، حين تُنجز بتوثيق دقيق ومعرفة قانونية، تتحول إلى أحد المسارات القليلة القادرة على حفظ الأدلة، وكسر الصمت، وتهيئة الأرضية لأي مساءلة لاحقة.


___________
خلاصة التحقيق
في نهاية هذا المسار لا يبقى القانون غائبا، ولا الشهادات ناقصة، ولا الوقائع ملتبسة.. ما يتكشّف هنا هو صورة متكاملة لمنظومة إنسانية تعمل تحت النار، وتُحاسَب في الوقت ذاته على ما لم يُسمح لها بإنجازه، من البلاغ الأول إلى محاولات التنسيق إلى الانتظار القسري إلى الاستهداف المباشر، ثم إلى النصوص القانونية التي تُحرّم كل ذلك دون أن تمنعه، تتكوّن فجوة لا يمكن ردمها بالبيانات ولا بالتصريحات.
هذا التحقيق لا يقدّم مأساة واحدة، ولا يتوقف عند اسم واحد، ولا يبحث عن لحظة استثنائية... ما يكشفه هو نمط متكرر تُفرغ فيه القواعد القانونية من قدرتها على الحماية، وتُترك الطواقم الطبية عالقة بين واجب إنساني لا تملك التخلي عنه، ونظام دولي عاجز عن توفير الحد الأدنى من الردع، هنا لا يُقاس الفشل بغياب النص، بل بغياب الإرادة التي تحوّل النص إلى فعل.


ففي غزة لا يُستهدف المسعف لأنه أخطأ، ولا تُقصف سيارة الإسعاف لأنها انحرفت، ولا يُمنع الوصول لأن التنسيق لم يُستكمل.. ما يحدث يتجاوز كل ذلك إلى واقع تصبح فيه الرعاية الصحية نفسها ساحة صراع، ويُعامل العمل الإنساني كعبء يجب تحييده، لا كالتزام يجب حمايته، فبين ما يقوله القانون، وما يرويه الميدان تقف الحقيقة عارية.. حماية الطواقم الطبية لم تفشل لأنها غير مكتوبة، بل لأنها تُركت بلا كلفة على من ينتهكها، وفي هذا الفراغ، تصبح الشهادة والتوثيق والتحقيق الصحفي آخر خطوط الدفاع عن معنى القانون ذاته، وعن حق الضحايا في أن تُروى قصصهم كاملة، لا كأرقام ولا كحوادث عابرة، بل كجرائم لها أسماء ومسؤوليات وذاكرة لا يجوز طمسها.


وفي هذا السياق لا تبقى الأسئلة معلّقة بحثا عن تفسيرات إجرائية، بل تتحول إلى مطالبة صريحة بالمحاسبة، إذ إن الطرف المعني بالانتهاكات هو قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تُظهر الوقائع الميدانية المتكررة أنها لا تلتزم بحماية الرعاية الصحية والعمل الإنساني كما يوجب القانون الدولي الإنساني، وهذه ليست مسألة 'روايتين متقابلتين'، بل مسألة قواعد حماية طبية منصوص عليها دوليا، ووقائع ميدانية ثابتة، والفجوة بين ما تقوله النصوص وما يحدث على الأرض لا تُردم بتصريحات أو تبريرات، بل بمساءلة حقيقية ورادعة، تعيد للقانون أثره خارج الانتقائية، وتضع كلفة على الانتهاك بدل أن تتركه بلا عقاب تحت مظلة ازدواجية المعايير.