المحافظات

كــيف غيّرت «حــارة الصــــــــفح» مفهوم الاستثمار والسياحة في القرى الأثرية؟

 

كتبت- أسماء بنت خلفان الغدانية -

كانت «حارة الصفح» الحارة الهادئة التي تعيش في كنف ذكريات أجيال مضت، وبين أزقتها الضيقة وجدرانها الطينية تنسج الأكواخ والبيوت قصصًا من الحياة اليومية، وفي لحظة تحوّل مدهشة بدأ أبناء «الصفح» يعيدون الحياة إلى الحارة، وبالتعاون والهمة العالية أطلقوا مشروعي «قهوة الصفح» و«دكان الصفح»، مبتكرين مساحات جديدة تنبض بالحيوية، هذه المشاريع لم تكن مجرد مكان لتناول القهوة أو التسوق، بل تعبيرا عن الانتماء والحفاظ على الهُوية الثقافية وإعادة إحياء الروح المجتمعية.  

يروي سالم بن حمود الحارثي، صاحب مشروع «قهوة ودكان الصفح» قصة مشروعه الذي يعد بمثابة بارقة أمل لأبناء منطقته قائلا: «فكرة إحياء المكان لم تكن وليدة اللحظة بل كانت هاجسًا يرافق كل من عاش وترعرع في هذه البقعة، ومشروعنا يريد أن يكون محطة جذب»، مُبرزًا الجانب الثقافي والاجتماعي للمكان قبل الجانب التجاري.

وسرد الحارثي تفاصيل اختياره للمكان: «هذا المكان ضم بين جنباته الكثير من الذكريات والحكايات، التي سطَّرت ملحمة من الصبر والكفاح». مشيرا إلى أن من ملامح المشروع بدءًا من الاسم إلى الشعار كلها مستلهمة من البيئة المحيطة، مع لمسات فنية توحي بالإرث العريق.

وعن مشروع القهوة يوضح الحارثي: إذا كانت «قهوة الصفح» أو كما نسميها «الصفح كافيه»، قد استُحدثت لتجذب الشباب، فإن فكرة الدكان كانت مُوجودة منذ زمن وبانتظار اللحظة المناسبة.

ويضيف: «بعد مرور عام على افتتاح القهوة حان الوقت لتكملة الرحلة بفتح الدكان، ليكون أيضًا مركزًا يحافظ على حركة الحياة في الحارة وفي قرية القناطر بشكل عام». موضحا أن العمل على استخدام خامات طبيعية في ترميم المحلات والبيوت حتى تُعطي انطباعًا فريدًا عن أصالة المكان للزوار من مختلف الجنسيات.

جاء اختيار اسم المشروع ليكون تجسيدًا لعراقة الحارة، حيث يبرز الرابط الوثيق بين المكان وذاكرته المضيئة، ويرمز الشعار إلى فتحة التهوية المعروفة محليًا بالمرق، مستلهما من منازل قريبة تحتفظ بجمالها التراثي وقد تم اختياره بعناية ليكون رمزًا للذكريات التي تحيي المكان وتُبرزه.

ومع ذلك لم يكن الطريق مفروشًا بالورود بل كان مليئًا بالتحديات والصعوبات، ويحكي الحارثي تفاصيل بدء المشروع وقال: «إن الإجراءات الحكومية للحصول على الموافقات والتصاريح كانت بمثابة عقبات كبيرة، واختيار الأثاث والآلات المناسبة لم يكن سهلاً، لكنني لم أسمح لهذه التحديات بأن تقف في طريقي، لقد عزمت على المضي قدمًا، واستخدام موقع المشروعين في قلب قرية أثرية كإحدى نقاط القوة».

وأضاف: «بدأ تدفق الزوار من كل أرجاء سلطنة عُمان في موسم الأعياد والعطل، حيث شهدت الحارة نشاطًا وحركة لا مثيل لهما، حيث كان النجاح الحقيقي بالنسبة لي هو رؤية الزوار يروّجون لهذا المكان بفرح وسعادة».

ومع تباين المواسم لم يستسلم الحارثي بل اتخذ خطوات مبتكرة وأضاف إلى قائمته مشروبات وحلويات جديدة، وابتكر مسابقات وجوائز، مما زاد الإقبال على المشروع. موضحا أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في نشر المشروع.

وأفاد: « إن نجاح المشروع لم يكن ليقتصر على المكاسب الشخصية، بل انعكس إيجابًا على مجتمع الحارة، فكانت فرحة أهالي «الصفح» أكبر الجوائز، حيث أعاد المشروع الحياة إلى القرية وأظهر جمال قرية القناطر».

وعبّر محمد بن سلوم الشكيري أحد سكان المنطقة عن فرحته بالمشاريع التي انطلقت في الحارة، مؤكدًا أن «مشروع القهوة ودكان الصفح ساهما بشكل كبير في تنشيط هذه القرية الأثرية، وجذب الزوار القاصدين لتجربة جمالها».

وأضاف: «أرى بمشروعي القهوة دليلًا على أن الحارة ليست مجرد مكان تراثي خارجي، بل هي تجربة عصرية تكشف عن إمكانيات هائلة للمستقبل».

ويرى الشكيري أن التصميم المعماري الذي يتماشى مع الطابع التراثي القديم يعكس جوهر الحارة، حيث تتناغم الأبواب والسقوف القديمة مع روح الدكان والمقهى. مشيرا إلى أن سكان الحارة يرحبون بالزوار في أي وقت.

وتحدث الشكيري عن الفرص المتاحة في الحارة قائلاً: «ما زالت هناك إمكانيات لجذب المزيد من الاستثمارات، مثل النزل والمطاعم المتخصصة، هذه المشاريع لن تفيد فقط الحارة أو ولاية إبراء، بل ستسهم في تنشيط السياحة في محافظة شمال الشرقية ككل».

وفي هذا الإطار، يؤكد حسين بن عبدالله الحارثي ناشط اجتماعي على التأثير الإيجابي لهذه الأنشطة، وقال: «تحسين البيئة العامة وتعزيز الهُوية الثقافية، هما هدفان رئيسيان لجهودنا، وباعتبارنا أبناء المنطقة نعمل جاهدين لدعم هذه المشاريع عبر وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي وتحفيز السياحة». موضحا أن هذا الاستثمار سيسهم في توفير فرص عمل ودعم الاقتصاد المحلي، مما يحقق عوائد مستدامة للمنطقة».

يروي لنا عامر الضاوي - مصور فوتوغرافي قصته مع هذا المكان الساحر، يقول: «أزور «حارة الصفح» بشكل مستمر، وبعد افتتاح المشاريع الجديدة أصبحت الحركة السياحية هنا شبه يومية، ولاحظت كيف أن الزوار يأتون ليس فقط ليتجولوا، بل ليغمروا أنفسهم بجمال المكان، ويسجلوا ذكرياتهم بالأزياء العُمانية التقليدية في مناسبات وطنية وأعياد دينية». ويُضيف عامر: «تحولت الحارة من طبيعة صامتة إلى وجهة حيوية يرتادها الكثيرون، حيث يتجه الكبار إلى «قهوة الصفح»، بينما يتوجه الصغار إلى الدكان».

وأشار الضاوي أن الزائر لا يكتفي بمجرد المعاينة بل يرغب في شراء السلع، وقال: «نتمنى رؤية ترميم البيوت القديمة والمحلات الأخرى لإحياء المكان بطريقة تجعل منه وجهة سياحية متكاملة».

وفي السياق نفسه، تقول اليمامة بنت أسعد الجابرية - طالبة جامعية: «أصبحنا نقصد «حارة الصفح» بعد الاختبارات الأكاديمية كوجهة للمتعة والاسترخاء، ونستمتع بجمال البيوت الأثرية ونحتسي القهوة، مما يجعلنا نشعر بجمال البساطة».

وتحدثت اليمامة أنها لم تكن تعلم أن ولاية إبراء تحوي حارات وقرى أثرية بهذا الجمال، لكنها مُيّزت بالتجربة لتكتشف وزميلاتها هذا العالم المذهل، وحتى لو لم تكن من أبناء ولاية إبراء، فإن «حارة الصفح» أصبحت وجهتهن المفضلة خصوصًا مع الفعاليات المحلية مثل يوم المرأة العُمانية واليوم الوطني.