سباق «هِمم الجبلي»..رحلة بين الجبال تسرد تاريخ عُمان وثقافتها
الثلاثاء / 16 / رجب / 1447 هـ - 16:01 - الثلاثاء 6 يناير 2026 16:01
كتبت- رهام بنت ناصر القصابية -
جبال الحجر ليست مجرد تضاريس صخرية تحدد الجغرافيا، بل شاهد على تاريخ طويل من المقاومة والتحدي، بين صخورها تشكلت طرقات حيوية، جُسّدت بخطى الأجداد الذين تركوا بصماتهم، مبتكرين مسارات لم ترسم في الخرائط، بل صقلها الزمان والجهود البشرية.
وتخترق مسارات «سباق همم الجبلي» المدرجات الزراعية، وتحاذي الأفلاج والبيوت الطينية، وصولاً إلى خط النهاية في بيت الرديدة ببركة الموز، ليصبح كل مشارك سفيرًا لثقافة الترحيب العُمانية الأصيلة، حيث تنصهر التقليدية مع الحداثة في تجربة رياضية فريدة.
مسارات في عمق التاريخ
لم تكن مسارات «همم» مجرد خطوطٍ مرسومة بعناية فنية خضعت لمعايير دقيقة، من حيث السلامة والتنوع والتجربة البصرية، بل كانت أيضاً عملية إحياء لممراتٍ ودروبٍ كاد النسيان أن يطمس معالمها.
يقول محمد الريامي- المسؤول عن سباق همم: « نحن لم نبتكر طرقاً جديدة، بل تتبعنا أثر الأجداد الأوليين، لقد أعدنا صيانة وترميم مساراتٍ قديمة كانت قد اندثرت لتصبح صالحة للجري، وهذه الصيانة لم تخدم السباق فقط، بل أعادت للأهالي والمهتمين مسارات للمشي كانت مفقودة، فلم يكن الهدف رياضياً فحسب، بل كان إحياءً لهذه الممرات القديمة لتظل نابضة بالحياة، وشاهداً على أثرية المكان وعبقه». موضحا أن الأمر استمر شهوراً متواصلة لإعادة تهيئة المسرات، فقد عملت فرقنا الميدانية على وضع بعض الجسور ورصف ممراتٍ ضيقة، ووضع العلامات، وحواجز الحماية، ليتمكن العداء من تتبع ذات الأثر الذي مشى عليه أسلافنا، محولين طريق المشقة القديم إلى مسارٍ عالمي آمن للمغامرة والاستكشاف.
وأكد الريامي أن عبور العدائين وسط هذه المسارات التي صُممت بعناية لتخترق أعماق التراث وقسوة التضاريس - لم يكن عشوائياً، بل يهدف إلى جعل التاريخ جزءاً من التحدي البدني، فمنهم من خاض مسار « الحجر ألترا» انطلاقاً من ولاية الحمراء مروراً ببيوتها الطينية الصامدة، عابرين أوديتها العميقة، مواجهين منحدرات حادة صعدوا خلالها لارتفاعات شاهقه لساعاتٍ طوال تختبر حدود صبرهم، في حين انطلق العداؤون في مسار العاصمة التاريخية من أمام قلعة نزوى الشامخة، حيث رائحة الحلوى الممزوجة برائحة القهوة كانت ترافقهم من بين حاراتها».
وأضاف زكريا الريامي أحد المنظمين: «استحدثنا هذا المسار، وكان تحدياً تنظيمياً في رسم مسار يمر من وسط السوق المكتظ والحارات المأهولة بمحاذاة الأفلاج والمعالم الأثرية، لكننا نجحنا في تأكيد أن سلطنة عُمان تمتلك بنية تحتية وتاريخية سياحية وقادرة على استضافة أضخم الفعاليات العالمية».
منظمون ومتطوعون
المسارات الجبلية في سباق «همم» بطبيعتها القاسية وتضاريسها الوعرة، لم تكن لتُفتح أمام العدائين لولا تلك الجهود التي بذلت لتذلل العقبات، فبمجرد أن رسم المسار، انطلق المبادرون والمتطوعون جميعاً من أبناء القرى في مشهدٍ يعيد للذاكرة حكايات الأجداد، والكرم العُماني، ويستذكر محمد الريامي أنه «حين استعصى الوصول للمنحدرات القاسية على أحدث المركبات، استعنا بـ»الحمير» لنقل صناديق المؤن والتغذية إلى قمم الجبال». وأضاف: « لقد تسلق الشباب الشعاب لساعات حاملين الإمدادات على أكتافهم لضمان أن يجد العدّاءُ قوتَه وماءه في أكثر النقاط عزلة».
وهكذا، لم يقطع العدّاؤون تلك المسارات بمفردهم، بل كانوا محاطين بدعمٍ قوي من الشباب المتطوعين وأهل القرى، فحوّلوا رحلة المشقة المتعبة إلى قصة نجاح مشتركة، ولقد برز الكرم والسماحة في أخلاق المتطوعين الذين لم يكتفوا بتأمين المسار وتمهيده، بل كانوا يستقبلون المتسابقين بابتسامةٍ تسبق شربة الماء، وبكلماتِ تشجيع تمنحهم طاقةً لا توفرها المكملات الغذائية. وهذا الدعم الصادق أذاب شعور الغربة لدى العدائين. وعبر أبطالها خط النهاية بانتصارات شخصية تفيض بالأمل.
وجوه وأصوات عاشت التحدي
بعيداً عن وهج الميداليات، هناك من عبر خط النهاية حاملاً في قلبه قضيةً أو رسالة أو حلماً حققه بانتصاره الشخصي.
رقيّة الحسنية، ليست مجرد رياضية وعداءة في سباق «همم»، بل معلمة وصانعة أجيال، رمز للأمل والإصرار فحياتها مليئة بالتحديات التي تشكلت فيها إرادتها الصلبة: كافحت عشرة أورام حميدة، منها ورم خبيث، صاحبه ربو وعصب صوتي واحد، فقدت والدها في سن مبكرة، فقدت أعز صديقاتها بنفس المرض. تقول رقيّة بصراحة: «لم أتوقع أن أعيش كمية الألم والحزن، لكن قررت أن أعيش كل يوم بيومه، وأفرح وأحقق كل شيء أحلم به» وتابعت: « السباق بالنسبة لي لم يكن مجرد اختبار جسدي، بل تجربة إنسانية عميقة لإعادة اكتشاف ذاتي وتحويل الألم إلى قوة».
عن شعورها خلال السباق تقول: «كنت أتابع الناس يركضون مثل الطيور الحرة، وكنت في سرير المستشفى أحلم أن أكون بينهم، وكل لحظة مؤلمة مرت عليّ صارت دافعًا لأكمل وأصبح رقية المحاربة، لحظات الصعود والنزول، وخصوصًا الصعدة، كانت أكثر التحديات التي اختبرت حدودها، لكنها وجدت في الطبيعة العُمانية دعمًا هائلًا كل صخرة أدوس عليها كانت تأخذ طاقة سلبية مني وتعطيني طاقة فرح».
تصف رقيّة مسار السباق بأنه تجربة شعورية وليست مجرد طريق، ففي كل سنة تتحدى نفسها لتكون أقوى ولتختم العام بإنجاز عظيم يفتخر به قلبها، ومن خلال هذه التجربة، كونت علاقات جديدة مع أشخاص إيجابيين، أكسبتها ثقة أكبر بنفسها وبقدرتها على مواجهة المستقبل، وتعلمت أن الخطوة الصغيرة اليوم يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا غدًا.
فالسباق بالنسبة لها ليس مجرد رياضة، بل رسالة ثقافية وسياحية تعكس روح عُمان. تقول:» سباق «همم» فرصة كبيرة جدًا لترويج سياحة سلطنة عُمان، الرياضيون يتابعهم ملايين الناس، والتنظيم رائع، والترحيب من الجميع يجعل الزائر يشعر بأن عُمان بلد الجميع، بلد الحب والطبيعة الخلابة».