الاقتصادية

هــــل البنك المركزي الأمــريـكــي مستقل حقا؟

بيثاني مكلين - واشنطن بوست - ترجمة قاسم مكي

 

في واشنطن وفي دوائر وول ستريت بنيويورك السؤال الأكبر في حين ندخل عام 2026 هو: من الذي سيختاره الرئيس دونالد ترامب لخلافة جيروم باول في رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)؟ ما هو على المحك أكبر بكثير من مجرد التدافع المعتاد نحو النفوذ والمكانة.

كان ترامب واضحا أنه يريد أن يكون الفيدرالي أداة أخرى في ترسانة البيت الأبيض أو كما ذكر على منصته «تروث سوشيال» يجب على الفيدرالي «خفض سعر الفائدة بمعدل كبير، والآن». وسيرى العالم في الشخص الذي يختاره رئيسا للبنك مؤشرا على نهاية أو بقاء «استقلال» البنك الذي يُفاخَر به ويكثر الحديث عنه. فكرة هذا الاستقلال هي أن البنك يديره خبراء معتمدون يتقيدون بالبيانات فقط ويرتقون فوق صراعات السياسة.

باول نفسه دافع عن استقلال البنك وأكد أهميته مرارا. وقال في عام 2024 «الاستقلال ضروري لقدرتنا على خدمة الجمهور».

وأضاف «نحن نقرّ بأننا يجب أن نسعى باستمرار لكي نكون جديرين بهذا الاستقلال. ونحن نفعل ذلك بالقيام بعملنا بكفاءة مهنية وموضوعية وبطريقة شفافة وخاضعة للمحاسبة وبالاقتصار على مجالنا».

لكن في الحقيقة ليس واضحا أن الفيدرالي كان دائما محصَّنا من السياسة كما يُزعم؛ حيث تكشف ورقة لأندريه باليوكا المرشح للدكتوراه في العلوم المالية وفي سنته الثانية بمدرسة لندن للأعمال أن أعضاء لجنة السوق المفتوحة بالفيدرالي عندما يضعون سعر الفائدة المعياري للبنك يتماهون سياسيا مع الرئيس الأمريكي الذي يكون في سدَّة الحكم.

فهم يكونون أكثر تفاؤلا بشأن النمو الاقتصادي وأقل قلقا من البطالة وأكثر ميلا نحو تيسير السياسة النقدية. كتب باليوكا في ورقته «التماهي السياسي الأقوى لأعضاء اللجنة يخفِّض سعر الفائدة الفيدرالي بحوالي 25 نقطة أساس تقريبا قياسا إلى الفائدة المعيارية التي يوصي بها موظفو البنك». إذن إذا لم يكن استقلال البنك الفيدرالي حقيقيا هل يهم إذا نزعه منه ترامب؟

كيان فريد

فكرة استقلال البنك ظلت موجودة منذ البداية. كتب عضو مجلس الشيوخ كارتر جلاس الذي قاد لجنة إعداد قانون الاحتياطي الفيدرالي في عام 1913 أن الهدف هو إيجاد منظمة «متحررة من السيطرة السياسية أو الفئوية»، حتى اليوم، على الرغم من أن النظام القانوني الأمريكي سمح لترامب بالقضاء على الاستقلال المفترض للوكالات الأخرى، أكدت المحاكم في حزم اختلاف وضع البنك الفيدرالي.

فهو «كيان شبه خاص له بنية فريدة،» حسبما أوضحت المحكمة الدستورية في مايو.

هنالك إجماع تقريبا وسط الاقتصاديين وخبراء وول ستريت بالأهمية المطلقة لاستقلال البنك الفيدرالي لأن الضغوطات السياسية في الأجل القصير لتحريك الاقتصاد عبر السياسة النقدية يمكن أن تقود إلى عواقب مدمرة كالتضخم الكارثي أو ما هو أسوأ.

«هذا موضوع بالغ التجريد بالنسبة للناس العاديين لكن عواقبه يمكن أن تكون سيئة جدا»، حسبما يقول ليف ميناند أستاذ القانون بجامعة كولومبيا ومؤلف كتاب (الفيدرالي طليقا: دور البنك المركزي في أوقات الأزمة). يضيف ميناند «عندما تعصف الفوضى بالسياسة النقدية يمكن أن يخسر الناس أموالا كثيرة ويفقدوا معايشهم ومنازلهم.

يمكن أن تكون لذلك آثار سلبية لا يمكن تصورها على التماسك الاجتماعي». المفارقة هي أن أهمية البنك الفيدرالي نفسها تجعله هدفا مغريا أيضا. لذلك استقلاله يتطلب دائما خوض معركة وليس تحصيل حاصل. يقول ميناند «الفيدرالي منظمة قوية، له رسالة مهمة وأدواته لها تأثير يفوق التصور.

لذلك من الواضح أنه يريد أناس كثيرون أن يكون لهم دور في الكيفية التي توضع بها سياسة البنك. وطوال تاريخه كان من بين هؤلاء وزراء خزانة ورؤساء وأعضاء في الكونجرس وأيضا وبقدر كبير بنوك وشركات في وول ستريت».

 ثمة مثال بارز لذلك في سبعينيات القرن الماضي عندما كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون يفرض ضغوطا على آرثر بيرنز رئيس البنك الفيدرالي قبل انتخابات 1972 للإبقاء على انخفاض أسعار الفائدة فيما كان التضخم يقفز؛ استجاب بيرنز. ولاحقا عزا التضخم المدمر في ذلك العقد إلى عدم رغبة الفيدرالي في معارضة «إرادة الكونجرس الذي كان البنك مسؤولا أمامه».

جادل البعض بأن تلك محاولة للتبرير. لكن الاقتصادي شارلس وايز الذي يرأس الآن برنامج السياسة العامة بكلية جيتيسبرغ وجد أن بيرنز كان يقول الحقيقة. كتب وايز في ورقة عام 2012 «يدرك أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن القيام بمحاولة جادة لمعالجة التضخم سيقود إلى معارضة من الكونجرس والفرع التنفيذي (الإدارة الأمريكية).

الاعتبارات السياسية ساهمت في تأخير تشديد السياسة النقدية وعدم كفاية السياسات المضادة للتضخم وفي التخلي عن محاولات إبطاء (خفض معدل) التضخم قبل الأوان». تم التكفير عن خطايا تلك الحقبة ليس فقط بالتبرؤ منها ولكن بالقفزات الحادة في أسعار الفائدة أثناء رئاسة بول فولكر لبنك الاحتياطي الفيدرالي والتي نجحت عمليا وأيضا في تعزيز الوضعية شبه الأسطورية لاستقلال البنك.

لكن الجدير بالذكر أن الرئيسين جيمي كارتر ورونالد ريجان رغم عدم ارتياحهما دائما من فولكر كانا على استعداد للتسامح مع قسوة سياسته النقدية؛ ففولكر لم يُقال من رئاسة البنك.

البنك والساسة

مع ذلك، اختفى سؤال استقلال البنك المركزي غالبا لكن ليس تماما. ففي التسعينيات درس توماس هافريلسكي الباحث بجامعة ديوك عقودا من التصريحات العلنية لمسؤولين منتخبين وشخصيات معيَّنة سياسيا لكي يعرف إذا ما ظهرت آراؤهم في نتائج السياسة النقدية للبنك. حدث ذلك فعلا. ففي شهادة أمام الكونجرس في عام 1995 قال هارفيلسكي إنه وجد في كل الأحوال أن أسعار الفائدة في الأجل القصير تستجيب خلال ثلاثة أسابيع للإشارات التي تبعث بها الإدارة الأمريكية. وذكر أن كل رئيس للفيدرالي خلال ربع قرن وباستثناءات قليلة أبدى استجابة لهذه الإشارات في بعض الفترات عندما تترافق الضغوط السياسية مع الولاءات السياسية.

ربما اتسمت المنهجية التي اتبعها هارفيلسكي بقدر من الفوضوية لن يجعلها مقبولة في حقل الدراسات الاقتصادية والذي يعتز بالنماذج الرياضية. لكن على أي حال، الحديث عن أي أهمية للضغوط السياسية على الإطلاق نفاها بشكل قاطع رؤساء البنك الفيدرالي المتأخرون.

ففي عام 2009 قال عنها آلان جرينسبان رئيس البنك وقتها إنها «تحدث ولا تنجح...» وأضاف مؤكدا «لا أعرف حالة واحدة نجحت فيها». السنوات اللاحقة جعلت من اليسير القول إن الفيدرالي تم تحصينه من الضغوط السياسية جزئيا لأن التضخم ظل خافتا وأيضا لاختفاء الآراء المخالفة تقريبا (عندما لا يتفق عضو في لجنة السوق المفتوحة بالفيدرالي مع الأغلبية).

لذلك من الخارج يمكن أن يبدو الفيدرالي كأنه كيان تقوده فقط البيانات ويستخدم الصرامة العلمية المتعالية على الفوضى البشرية العادية. لكن ذلك كان من تدبير جرينسبان الذي ضغط بشدة للتخلص من الآراء المخالفة في اللجنة، بحسب ورقة نشرت في دورية الاقتصاد الكلي «مايكرويكونومكس». تقول إليزابيث كيمبف أستاذة العلوم المالية بجامعة هارفارد والتي قدمت ورقة باليوكا في مؤتمر مؤخرا: «أراد محافظو البنك ضمان عدم تصوره ككيان يعج بالصراعات الداخلية الحزبية». وجد باليوكا الذي استخدم نماذج لغوية كبيرة لدراسة محاضر اجتماعات الفيدرالي أن الموالاة السياسية تؤثر فعلا على الكيفية التي يُقيِّم بها أعضاء لجنة السوق المفتوحة الاقتصاد.

وهو الأمر الأكثر أهمية في وقتنا الحالي الذي تعصف به الأهواء الحزبية إلى حد أن الفيدرالي نفسه يصبح أكثر تحزبا.

أشار باليوكا إلى أن تعيينات أعضاء مجلس محافظي الفيدرالي صارت أكثر استقطابا في السنوات الأخيرة حيث يزداد إقرار الترشيحات (كما في حالة ليزا كوك في عام 2022 وستيفين ميران في 2025) بأصوات قائمة على المواقف الحزبية تقريبا. وما يقلقه أننا سنشهد المزيد من آثار هذا التسييس.

يقول «في الوضع الأقل استقطابا هنالك العديد من الحوافز التي تدفع إلى الاستقلال. لكن عندما يحدث استقطاب في المجتمع ستصبح الحوافز (فيما يخص التعيينات في الوظائف العامة أو المحافظة على المناصب) أقوى كثيرا لكي يتصرف المسؤولون بطريقة حزبية». يقدم بحث باليوكا وملاحظاته تفسيرا محتملا لما يحدث اليوم.

وبحسب المعلق الاقتصادي مات كلاين على الرغم من أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قلقون بشأن التضخم حاليا بمستوى قلقهم نفسه قبل ستة شهور إلا أن المسؤول الوسيط من بينهم يتوقع أن تكون أسعار الفائدة في الأجل القصير وفق «سياسة نقدية ملائمة» أقل مما كان متوقعا في السابق، وهذا ليس معقولا.

كتب كلاين «التفسير المعقول هو أن كادرا صغيرا لكن متناميا من موظفي الفيدرالي ظل يعزز ضغوط مسؤولي الإدارة الأمريكية لإجراء تخفيضات أكبر وأسرع لأسعار الفائدة». وفي حين قد لا يكون الاتجاه نحو الإجماع حقيقيا تماما إلا أن البديل ربما تكون له أخطاره أيضا.

الحل

تقول إليزابيث كيمف: «الخلافات الواضحة في اللجنة الفيدرالية قد تزيد من صعوبة الحفاظ على صورة عدم انقياد السياسات النقدية للسياسة ولكن للنماذج والبيانات الاقتصادية. سيكون من المثير حقا أن نرى أثر ذلك على تصورات استقلال البنك. أنا لم أرَ أية دراسة تربط تزايد ظهور هذه الخلافات بكيفية تصور الناس للفيدرالي.

لكن من المرجح أن يكون لها تأثير ذو معنى». وإذا لم يكن الاستقلال حقيقيا تماما حتى إذا كانت هنالك فجوة بين الأسطورة والواقع إلا أن الحل يجب ألا يكون القضاء عليه. فكما هي الحال مع حكم الرياضة الذي يرتكب أخطاء أحيانا -لأن ابن آدم خطاء- تصوُّر أنه يبذل جهدا (للتحكيم العادل) له أهميته. فإذا اعتقد العالم أن البنك المركزي لأمريكا تقوده السياسة تماما ربما تتهاوى الثقة في الدولار وفي أمريكا.

هنالك أيضا اختلاف بين الاستقلال غير المثالي وبين الخنوع الظاهر من النوع الذي يبدو أن ترامب يريده بدعوته إلى خفض سعر الفائدة بحوالي 300 نقطة أساس. يقول ميناند «ترامب يحاول تحقيق أهداف سياسية محددة جدا بخفض أسعار الفائدة. إنه يريد تنشيط الاقتصاد بقوة وسرعة للتعويض عن الآثار الانكماشية لكل سياساته الأخرى.

سيحقق ذلك طفرة سريعة في نمو الاقتصاد لكنها سرعان ما ستزول. فمثل هذه الطفرة تقود إلى الانهيار». أفضل حل ربما ذلك الذي اقترحه هافريلسكي قبل عدة سنوات وهو المزيد من الشفافية. قال باليوكا «إذا كان الناس يشاهدون ما يحدث (دون حجاب) سيكون هنالك تعزيز طبيعي للمحاجة (بخفض أو رفع أو تثبيت سعر الفائدة) ليس لأسباب سياسية لكن لأسباب تتعلق بالسياسة النقدية.

أو بتعبير آخر إذا كنا كلنا نعرف أن الفيدرالي قد لا يتصرف دائما بطرائق مستقلة تماما قد يجعله ذلك في الواقع أكثر استقلالا».