درهمك المنقوش..
الجمعة / 12 / رجب / 1447 هـ - 19:48 - الجمعة 2 يناير 2026 19:48
ترتكز العلاقات القائمة بين الأفراد على بعدين مهمين الأول مادي، والثاني معنوي، وعلى أساسهما تتراكم المفاضلة بين النتائج، ومع أن المادة هي الجانب الملموس، فإنها تسبق في حجز المكان المميز في حياة الناس، فالناس مفطورون، أصلا، على كل ما هو ملموس، وكل ما هو له أثر مباشر في حياتهم، ومع أن الجانب المعنوي في هذه المعادلة ليس بالأمر الهين، وله أثره الكبير في إحداث نقلات نوعية في مجمل العلاقات القائمة بين الناس، إلا أن استحضاره في زحمة التدافع المؤثر بينه وبين البعد المادي، يبدو ضئيلا وخجولا، وقد يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يأتي بنتائج ترضي الطرف الآخر، وهذه إشكالية، وإن تكن بنيوية في العلاقة بين الناس، إلا أنها سرعان ما تتسارع الخطوات في العودة إليها كلما أنهكتها المادة، وصنفتها على أنها الخيار الأمثل للحياة، فالحياة بدون شقها المعنوي تبدو كالحة، وقاسية، ومملة، ومزعجة، ولذلك نسمع عن كثير من الأحداث والقصص في المجتمعات الغارقة في المادية، فيها ما فيها من القسوة، وعدم الرحمة.
وقد زرت شخصيا بعضا من هذه المجتمعات التي تتعالى فيها المادية، وأحزنني بئس الإنسان فيها، ورخص قيمته الإنسانية، وكأنها شيء من سقط المتاع؛ حيث لا اعتبار لكل ما هو إنساني فيه، فالإنسان عديم في هذه الحياة وإن تكاثرت أعداده، حيث يبقى عملة نادرة، فالروح الإنسانية لا تعوض، وفقدانها يصبح صاحبها -بعد كل ما كان عليه من مكانة وأهمية- جيفة نتنة؛ تتشارك جثته مع بقية الحيوانات التي لا تمثل أهمية في حياتها بين الإنسان نفسه في أغلب الأحيان، وتتجلى الأهمية دائما بمستوى الدور الذي بقوم به، وبالتالي فعندما ينزل الإنسان هذه المنزلة المتواضعة فهو الأقرب إلى القيمة المادية منها إلى القيمة المعنوية.
تمثل رمزية «درهمك المنقوش..» الصورة الاحتفالية التي تبهر الأبصار، وتغري الأنفس، فالدرهم هو قيمة مادية مطلقة، ولا يحمل أي جانب معنوي يخفف عنه البعد المادي الصرف، ونتيجة لهذا الافتتان بالمادة يصنف الناس على مستويات امتلاكهم للمادة، وليس على مستويات ما تحمله نفوسهم من معززات معنوية كالصدق والأمانة، والكرم، والتعاون، والتفاني، والتضحية، فهذه كلها إن تجلت في مواقف معينة، فإن صلاحية بقائها في لحظة التفاعل فقط، ليس إلا، أما ما هو معتمد ويقيس الناس عليه أحكامهم، فخارج عن ذلك تماما، وربما يذكر شيئ من ذلك بعد وفاته، فيقال إن فلان كان رجلا طيبا، صادقا، أمينا متعاونا، وما هي إلا فترة زمنية يسيرة، وتدفن تلك المعاني أيضا مع صاحبها، ولعلنا نستشف شيئا من هذا المعنى في قول الشاعر:
«يقصي الخليل أخاه عند ميتته ... وكل من مات أقصاه الأخلاء» حيث يقال: كان رحمه الله كذا وكذا، فهذه الصورة المسترجعة بعد الموت، وإن عززت مكانته المعنوية إلا أنها تأتي في الوقت الضائع في حياته، والمسالة الأكثر إشكالية في هذا الجانب أيضا ما يحلو للبعض القول: إن الأبعاد المعنوية في حياة الإنسان هي نوع من المثالية، وأن تحقق المثالية في حياة الناس هو نوع من الخرافة، وأن الحياة أصلا، لا تؤمن بالمثالية، فعناوينها قائمة على المقبوض والملموس، وتبادل المنافع، وأن الفرد تتحدد قيمته بقدر ما عنده من مال، أو جاه، وحتى القيمة العلمية أو المعرفية التي تميز فلان من الناس عن آخر، تسقط في هذا التقييم، ولذلك تستعر في هذا الزمن أكثر مما مضى بما يسمى بـ «التفاهة» فكل ما هو ليس له قيمة معنوية يشكل أهمية، وينظر إليه بكثير من الاهتمام.
وهذه الرمزية «درهمك المنقوش» لها قصة تراثية تعود إلى زمنها؛ حيث يروى: أن رجلا -يعشك فتاة- جاء إلى صاحب معرفة؛ طالبا منه أن يأسر قلب هذه الفتاة لكي تكون له؛ بالوجه الذي يريده؛ فرد عليه بالقول: «درهمك المنقوش؛ لا بالعزائم» -والعهدة على الراوي-.