بريد القراء

أثر حفظ القرآن الكريم في تزكية النفس وبناء الوعي

إن لحافظ القرآن الكريم منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية كما دلت النصوص الشرعية، قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور﴾ [فاطر: 29، 30]، فهي تجارة مباركة أجرها متواصل غير منقطع في الدارين، قال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ [البقرة: 121]، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشجع أصحابه الكرام على تلاوته وحفظه، فكان يقدم في الصلاة أكثرهم حفظًا، ويجعل الراية لأحفظهم للقرآن الكريم، ويزوج الرجل بالمرأة ويجعل مهرها حفظه للقرآن العظيم.
وقد ذكر سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، هذا الحديث الشريف فيه إشارة عظيمة، فقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيرية في حفظ القرآن وتعلمه وفهمه وتدبره ثم علّم غيره، فهذا الخير يمتد إلى حياة الحافظ نفسه وإلى من حوله فهو خير عظيم، وبركته مستمرة إلى يوم الدين؛ فحفظ القرآن الكريم لا يقتصر على تكرار الآيات وتردادها في اللفظ وإنما المفهوم العميق للحفظ هو فهم الآيات وتدبرها وتأملها، وإعمال العقل بها، ثم يتجلى تأثيرها على نفس الحافظ فتسمو بها نفسه وتتزكى ويتسم بالأخلاق القرآنية، فإن الله عز وجل وصف وقرن فلاح الإنسان بتزكية نفسه، فقد قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 7–9]، وأعظم تزكية لنفس الإنسان إذا طبق آيات الله عز وجل في حياته وعمل بما حفظ، وهذا كان نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد كان خلقه القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض بأفعاله وأقواله وانفعالاته وتصرفاته وتعامله مع نفسه والآخرين.
وهكذا يجب أن يكون حافظ القرآن الكريم، فحفظه لكتاب الله تعالى يكون سبيل إلى الوصول لتزكية نفسه إحياء مراقبة الله تعالى في نفسه، واتصافه بالتقوى والورع، ويكون خير قدوة لأقرانه× فالحافظ الحقيقي هو من حفظ الآيات وتدبرها وفهم مقاصدها ومعانيها وعمل بها في حياته، وكانت له مصدره الطمأنينة والسعادة والبركة والخير، ويشعر أن الآيات القرآنية الموجه الرئيس لفكره وبناء وعيه إلى النهج السليم، وتترسخ في وعيه القيم القرآنية، فأعظم بناء للوعي السليم مصدره تدبر آيات القرآن الكريم، فيتشرب وعي الحافظ بقوة البصيرة والحكمة، والصبر، وصفاء القلب، وسكون النفس، ويظهر ذلك على سلوكه وانفعالاته في السراء والضراء.
وبهذا تتشكّل الشخصية الإسلامية المتوازنة، وقد عايشتُ تجارب واقعية شهدتها في مراكز تحفيظ القرآن الكريم النسائية في بلدي سلطنة عُمان، أظهرت نتائج مشرّفة لحافظات كتاب الله، جمعن بين إتقان الحفظ وصدق التعايش مع الآيات الكريمة، واستمددن منها القوة والعزم لتجاوز التحديات وتخطي الصعاب، فالتي بدأت رحلة حفظ مع القرآن الكريم بصدق وإخلاص ونية خالصة لله تعالى لم تستسلم للصعوبات، واستمرت وجاهدت إلى أن حققت هدفها، كما نعلم أن طريق العلم والحفظ ليس سهلًا ميسورًا، بل هو مسار يتطلب الصبر والثبات والمداومة، فمن حفظت بصدق واصلت المسير وواجهت التحديات حتى تمضي الصعاب مرور السحاب. وزادت قوة في شخصيتها، ففُتحت لها أبواب الخير والرزق من حيث لا تحتسب، فحفظها للقرآن العظيم أنهل البركة في حياتها فأصبحت خير أم وخير مربية، وخير معلمة للأجيال، وخير قائدة، وفي تفوق علمي ومهني واضح، فالقرآن الكريم بركة الحياة ويجلب الخير ويلين الصعاب، وشفاء لما في القلوب والصدور إذا حُف بحب ورغبة صادقة مخلصة مع التوكل، بلا ريب ستتوالى جني الثمار وتفرش في الطريق بساط البركة والخير والتوفيق.
إذن حفظ القرآن الكريم سبيل لبناء إنسانٍ متوازن، واعٍ، مزكٍّ النفس، راسخ القيم، فالقرآن الكريم سيظل أعظم منهج لتزكية النفوس وبناء الوعي، ما دامت الصلة به قائمة على الإخلاص والرغبة الصادقة مع التأمل والتدبر، والعمل به.