رياضات الدفاع عن النفس.. انتشار واسع بين الشباب رغم التحديات !
الجمعة / 12 / رجب / 1447 هـ - 14:05 - الجمعة 2 يناير 2026 14:05
استطلاع - مريم البلوشية
في ظل تنوع المشهد الرياضي في سلطنة عُمان، تحظى رياضات الدفاع عن النفس والقتالية باهتمام متزايد بين فئة الشباب، حيث باتت ألعاب مثل التايكواندو والكاراتيه والملاكمة جزءًا فاعلًا من النشاط الرياضي داخل الأندية والصالات المتخصصة، ويعكس هذا الحضور اتساع الخيارات الرياضية المتاحة أمام الشباب، إلى جانب تنامي القناعة بأهمية هذه الرياضات في تعزيز اللياقة البدنية، وتنمية الانضباط الذاتي، وبناء الثقة بالنفس، فضلًا عما تحمله من قيم تربوية تسهم في صقل السلوك وتعزيز الالتزام واحترام القواعد.
ويثير انتشار هذه الرياضات تساؤلات متعددة حول طبيعة الإقبال عليها ودوافع اختيارها، بين وعي رياضي قائم على إدراك فوائدها الصحية والتربوية، وبين التأثر بالانتشار المجتمعي والمنافسات والإنجازات التي أسهمت في تسليط الضوء عليها، كما يفتح هذا الانتشار المجال لتقييم مدى إسهام هذه الألعاب، بما تحمله من طابع تنافسي ومبادئ دفاع عن النفس، في بناء شخصية اللاعب بدنيًا ونفسيًا، وتعزيز قدرته على التركيز، وضبط الانفعالات، وتحمل المسؤولية داخل إطار التدريب والمنافسة.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأندية المتخصصة بوصفها الحاضنة الأساسية لاكتشاف المواهب وصقلها، من خلال توفير بيئة تدريبية مناسبة وبرامج فنية ممنهجة، إلى جانب الاعتماد على كوادر تدريبية وطنية وأجنبية، إلا أن تفاوت الإمكانات من نادٍ إلى آخر، سواء على مستوى البنية الأساسية أو جودة التدريب، يطرح تحديات تتعلق باستمرارية النشاط والقدرة على إعداد لاعبين مؤهلين للمنافسات المحلية والخارجية.
ولا يقل دور المؤسسات التعليمية أهمية في دعم رياضات الدفاع عن النفس والقتالية، عبر إدماجها ضمن الأنشطة المدرسية، والمساهمة في اكتشاف المواهب في مراحل مبكرة، وتفعيل الشراكة بين المدارس والأندية واللجان الرياضية واتحاد الرياضة المدرسية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها التربوية، ومن هنا، ينطلق هذا الاستطلاع لرصد واقع هذه الرياضات في سلطنة عُمان، واستعراض أبرز التحديات والطموحات المرتبطة بها.
محدودية التمويل
وفي هذا الجانب، أكد الدكتور فيصل المعولي، رئيس اللجنة العُمانية للكاراتيه، أن رياضة الكاراتيه تشهد إقبالًا متزايدًا من فئتي الناشئين والشباب، مدفوعة بعدة عوامل أبرزها رغبتهم في تعلم مهارات الدفاع عن النفس، وبناء الثقة بالنفس، إلى جانب التأثر بالإعلام الرياضي والإنجازات التي يحققها الأبطال على المستويين المحلي والدولي، وأشار إلى أن تنامي ثقافة ممارسة الرياضة داخل بعض العائلات أسهم بشكل مباشر في تشجيع الأبناء على الانخراط في هذه اللعبة.
وأوضح أن رياضة الكاراتيه تسهم بصورة كبيرة في بناء شخصية اللاعب على المستويين البدني والنفسي، حيث تعمل على تنمية عناصر القوة والتحمل والتوازن، إلى جانب تعزيز التركيز وضبط النفس والانضباط وتحمل المسؤولية، وهي قيم تنعكس إيجابًا على سلوك اللاعب داخل وخارج الساحة الرياضية.
وفيما يتعلق بدور الأندية المتخصصة، بين المعولي أن سلطنة عُمان تضم عددًا من الأندية والأكاديميات والمراكز والصالات المتخصصة في رياضة الكاراتيه، ويتمتع بعضها ببنية أساسية جيدة وكوادر تدريبية مؤهلة، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتوسيع نطاق هذه المراكز وضمان توزيعها الجغرافي بما يتيح الوصول إلى شريحة أوسع من الممارسين في مختلف المحافظات، ولفت إلى أن الأندية تواجه جملة من التحديات، من أبرزها محدودية التمويل، وضعف الاستقرار الإداري، وصعوبة استقطاب اللاعبين الموهوبين في ظل المنافسة مع رياضات أخرى، إضافة إلى التحديات المرتبطة باستدامة البرامج والأنشطة التدريبية.
وأشار رئيس اللجنة العمانية للكاراتيه إلى أن الحضور الفعلي للعبة في المدارس لا يزال محدودًا، وغالبًا ما يقتصر على الأنشطة اللاصفية أو المبادرات الفردية بالتعاون مع بعض المراكز التدريبية، في ظل غياب برامج وطنية ممنهجة لاكتشاف المواهب في مراحل مبكرة، وأوضح أنه رغم ذلك، يوجد تنسيق مستمر مع عدد من المدربين الوطنيين في مختلف المحافظات لاكتشاف اللاعبين الموهوبين والعمل على توجيههم للأندية المتخصصة.
وأكد المعولي أهمية تعزيز الشراكة بين المدارس والأندية واللجنة واتحاد الرياضة المدرسية، من خلال إدراج رياضة الكاراتيه ضمن الأنشطة المدرسية الرسمية، وتنظيم بطولات مدرسية تحت إشراف اللجنة العمانية للكاراتيه والاتحاد المدرسي، وعقد اتفاقيات تعاون مع وزارة التربية والتعليم، إلى جانب وضع مسارات واضحة لاكتشاف الموهوبين وتأهيل معلمي الرياضة في المدارس الحكومية على أساسيات اللعبة.
وعلى صعيد المنتخبات الوطنية، أوضح أن اللاعبين يواجهون عدة تحديات تؤثر على استمراريتهم وتطورهم، من بينها صعوبة التوفيق بين الالتزامات الدراسية أو الوظيفية وبرامج المنتخبات، وقلة المعسكرات الداخلية والخارجية في الفترات السابقة، وضعف فرص الاحتكاك بالمستويات الآسيوية والدولية، فضلًا عن محدودية الحوافز والدعم المالي، مؤكدًا أن اللجنة العُمانية للكاراتيه تتطلع إلى تعزيز حضور اللعبة على مستوى سلطنة عُمان، والارتقاء بها من خلال الاستمرار في تنظيم المسابقات، وإقامة الدورات التدريبية للمدربين والحكام واللاعبين على مدار العام، بما يتواكب مع تطلعات وزارة الثقافة والرياضة والشباب.
تطوير التخطيط الفني
أما الدكتور علي الرئيسي عضو اللجنة العمانية للكاراتيه، يرى أن رياضة الكاراتيه لا تزال تحافظ على حضورها الواسع في سلطنة عُمان، ولم تفقد مكانتها بين رياضات الدفاع عن النفس والقتالية، رغم المنافسة المتزايدة مع ألعاب أخرى برزت خلال الفترة الماضية مثل الملاكمة والكيك بوكسينج والتايكواندو، ويشير إلى أن تنوع الخيارات الرياضية أسهم في توزيع اهتمام فئة الشباب، دون أن ينتقص من القيمة التربوية والتنافسية التي تتميز بها الكاراتيه.
وفيما يتصل بدور الأندية في صقل المواهب، أوضح الرئيسي أن الأندية تسهم في استقطاب اللاعبين، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تطويرًا أكبر على مستوى التخطيط الفني وبرامج إعداد اللاعبين، مبينًا أن صناعة لاعب قادر على المنافسة الإقليمية والدولية تحتاج إلى رؤية واضحة واستثمار أكبر في التدريب المتخصص.
وأشار الرئيسي إلى وجود حاجة ملحة للارتقاء بمستوى الكوادر التدريبية من خلال التأهيل المستمر والدورات المعتمدة، إلى جانب تحسين البنية الأساسية داخل الأندية، ويرى أن توفر المعدات الحديثة والبيئة التدريبية المناسبة يشكل عاملًا أساسيًا في رفع مستوى الأداء وتحقيق نتائج إيجابية في المنافسات.
وحول دور المدارس، لفت الرئيسي إلى أن المؤسسات التعليمية لا تؤدي حاليًا الدور المطلوب في اكتشاف المواهب المبكرة في رياضة الكاراتيه، رغم أهميتها الكبيرة في هذا الجانب، موضحًا أن البيئة المدرسية تمثل نقطة الانطلاق الأوسع لاكتشاف اللاعبين الموهوبين، ويأمل في أن يحظى هذا الدور باهتمام أكبر خلال المرحلة المقبلة عبر تفعيل الأنشطة الرياضية المدرسية وتعزيز الشراكة بين المدارس والأندية واللجان الرياضية.
وفيما يتعلق باستمرارية وتطور لاعب الكاراتيه، يشدد على أهمية توفير منظومة دعم متكاملة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى الجهات الحكومية، مع ضرورة تقديم حوافز تشجيعية مثل التسهيلات الدراسية ومراعاة أوقات الامتحانات للاعبين الممارسين على المستوى التنافسي أو ضمن المنتخبات الوطنية، كما يبرز دور دعم المشاركات الخارجية وتسهيل فرص الاحتكاك الدولي في تطوير مستوى اللاعبين والارتقاء برياضة الكاراتيه بشكل عام.
تفاوت جودة التدريب
وحول واقع لعبة التايكواندو، يرى الدكتور طلال البلوشي، رئيس اللجنة العمانية للتايكواندو، أن رياضة التايكواندو تحظى باهتمام متزايد بين الشباب، مع تزايد قاعدة المشاركة التي تتضح من خلال البطولات المحلية، مثل بطولة عُمان المفتوحة التي شهدت مشاركة أكثر من 200 لاعب ولاعبة، إضافة إلى فعاليات ومبادرات شبابية في مختلف المحافظات تهدف إلى نشر اللعبة واكتشاف المواهب، إلى جانب مشاركة الأندية العُمانية في بطولات خارجية كمؤشر على النشاط الرياضي المتنامي.
وأشار البلوشي إلى أن الإقبال على التايكواندو يعود لعدة أسباب، أبرزها وضوح مسار اللعبة من خلال نظام الأحزمة والمستويات والاختبارات، ما يعزز دافعية اللاعبين ويحفز استمراريتهم، بالإضافة إلى جاذبية المنافسات، وفرص الحصول على ميداليات محلية وخارجية، وإمكانية ممارسة اللعبة لكلا الجنسين والفئات العمرية المختلفة، إلى جانب الرغبة في تحسين اللياقة البدنية وتنمية الانضباط والثقة بالنفس.
وحول تأثير التايكواندو على بناء الشخصية، بين البلوشي أن اللعبة تسهم بدنيًا في تطوير اللياقة والمرونة والتوازن والسرعة والتحمل، بينما تظهر تأثيرات نفسية إيجابية تتعلق بالتركيز وضبط النفس، وتعزيز تقدير الذات، إلا أنه شدد على أن الاستفادة النفسية والسلوكية تعتمد بشكل كبير على جودة المدرب وبيئة النادي وسياسات الحماية والانضباط، موضحًا أهمية تطبيق المعايير الدولية لضمان بيئة آمنة وتعليمية.
وفيما يتعلق بالأندية، أشار رئيس اللجنة إلى وجود عدة أندية وأكاديميات نشطة، إلا أن التحديات الواقعية تشمل تفاوت جودة التدريب، واستدامة التمويل، وإدارة مسار اللاعب من مرحلة الهواية إلى المنتخب، بالإضافة إلى التعامل مع الإصابات وضرورة توفير بروتوكولات وقاية ومعدات مناسبة.
أما عن دور المدارس، فأوضح البلوشي أن التايكواندو موجود ضمن بعض الأنشطة المدرسية، لكن حجم انتشاره الدقيق غير متوفر بسبب غياب الإحصاءات المنشورة، مؤكدًا على أهمية تفعيل الشراكة بين المدارس والأندية واللجنة من خلال برامج لاكتشاف المواهب، وتنظيم بطولات مدرسية سنوية، وتأهيل معلمي الرياضة، وتطبيق سياسات حماية وسلامة واضحة للطلاب.
وأشار البلوشي إلى أبرز التحديات التي تواجه لاعبي التايكواندو للوصول إلى المنتخبات الوطنية والاستمرار فيها، ومنها صعوبة التفرغ بين الدراسة والعمل والتدريب المكثف، التكاليف المالية، الإصابات وإدارة الأحمال، تفاوت جودة التدريب قبل الوصول للمنتخب، الاستقرار الفني والإداري، وضغط النتائج والمنافسة، مؤكدًا أن توفير الدعم النفسي والتخطيط الموسمي الفعّال يعدان عنصرين أساسيين لاستمرارية اللاعبين وتطوير مهاراتهم على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
إنشاء لجنة للملاكمة
قال مدرب الملاكمة ناصر العسيري: إن رياضة الملاكمة تشهد إقبالاً متفاوتًا بين المدن والمناطق، إذ يظهر بشكل أكبر بين الفئات الشبابية في المدن الكبرى، ويعود هذا الاهتمام إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الوعي الصحي واللياقي، إذ تعتبر الملاكمة من الرياضات عالية الحرق والمفيدة لصحة الجسم واللياقة البدنية، إضافة إلى التأثير الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل مقاطع تدريبات ومنافسات جذبت شريحة واسعة من الشباب، كما أضاف العسيري أن ميل الشباب نحو الرياضات الفردية التي تعزز الثقة بالنفس والتحمل، ووجود بعض الأكاديميات والفرق المحلية، ساهم أيضًا في انتشار اللعبة، رغم أن انتشارها لا يزال محدودًا مقارنة بالألعاب الجماعية مثل كرة القدم.
وحول مستوى الكوادر التدريبية والبنية الأساسية في أندية الملاكمة، أكد العسيري أن بعض الأندية الخاصة تقدم تدريبًا أساسيًا جيدًا، إلا أن عدد المدربين المتخصصين في الملاكمة الأولمبية قليل، كما أن غالبية الأندية تفتقر إلى ملاعب مجهزة وفق المعايير، وبرامج تدريب منهجية، ودعم متخصص من مدربي لياقة وأخصائي علاج طبيعي، وأضاف أن غياب الاعتمادات الدولية للمدربين ونقص برامج التطوير المستمر يؤثران على جودة التدريب ودعم الأندية الفني.
وتطرق العسيري إلى دور المدارس في اكتشاف المواهب المبكرة، موضحًا أن هذا الدور لا يزال محدودًا للغاية، بسبب عدم إدراج الملاكمة ضمن الأنشطة الرسمية، ونقص الوعي لدى إدارات المدارس بأهمية الرياضات القتالية، وعدم وجود برامج شراكة واضحة بين المدارس والأندية، وأضاف أن بعض المدارس التي تتعاون مع أندية محلية تسهم جزئيًا في التوجيه، إلا أن هذا ليس نمطًا عامًا.
وختم العسيري حديثه بتوضيح احتياجات لاعبي الملاكمة للاستمرار والتطور في ظل المنافسة الإقليمية والدولية، مشددًا على أهمية وجود لجنة للملاكمة الأولمبية في سلطنة عُمان لتنظيم اللعبة وتمثيلها دوليًا، وكوادر تدريبية عُمانية مؤهلة دوليًا، وبرامج تقييم منتظمة لاختيار اللاعبين، إلى جانب توفير منافسات محلية وإقليمية، ودعم فني وطبي ورياضي شامل، وحوافز مادية وتشجيعية تضمن استمرار اللاعب
وتطوير مستواه.