ترجمة

نهاية علاقتها الاستثنائية مع إسرائيل: نموذج جديد للسياسة الأمريكية

أندرو ب. ميلر - ترجمة: نهى مصطفى

 

ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وثيقة للغاية على مدى ثلاثة عقود. فقد وقفت الولايات المتحدة صفًا واحدًا مع إسرائيل خلال المراحل الأولى من عملية السلام في التسعينيات مع منظمة التحرير الفلسطينية، والانتفاضة الثانية، وهي الانتفاضة الفلسطينية التي استمرت خمس سنوات وبدأت عام 2000، ثم خلال العقدين التاليين، سلسلة من الصراعات في غزة ولبنان. وصمدت هذه العلاقة خلال هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلته في غزة، حيث قدمت إدارتان رئاسيتان أمريكيتان دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا غير مشروط إلى حد كبير لإسرائيل.

أظهرت حرب غزة أن العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، بصيغتها الاستثنائية الحالية، باتت مكلفة وغير قابلة للاستمرار. فرغم الدعم الأمريكي الواسع، عجزت واشنطن عن التأثير الحقيقي في سلوك إسرائيل، وهو عجز نابع من طبيعة علاقة تمنح إسرائيل امتيازات لا يحصل عليها أي حليف آخر، سواء في مبيعات السلاح أو في الحصانة السياسية والدبلوماسية.

هذا الاستثناء أضر بمصالح الطرفين وأسهم بشكل مباشر في تفاقم معاناة الفلسطينيين، إذ شجّع سياسات إسرائيلية متطرفة، من توسع الاستيطان وعنف المستوطنين إلى الدمار الواسع في غزة، وزاد من المخاطر الإقليمية التي تواجهها إسرائيل نفسها. كما أدى إلى تآكل غير مسبوق في الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل.

تحتاج هذا العلاقة إلى إعادة صياغة جذرية، تقوم على قواعد واضحة، ومساءلة قانونية، وربط الدعم الأمريكي بالامتثال للقانون الدولي والمصالح الأمريكية، وعدم التدخل في السياسة الداخلية الأمريكية، بما يجعلها علاقة «طبيعية» لا استثنائية.

ويعتبر هذا التحول ضرورة استراتيجية وأخلاقية للولايات المتحدة؛ لأنه يعزز نفوذها الدولي، ويحد من السلوك الإسرائيلي المتهور، ويمنع مزيدًا من الانهيار الفلسطيني. أما الاستمرار في النهج الحالي فيهدد بعزلة إسرائيل، وتراجع مكانة واشنطن، وتعميق الكارثة الإنسانية، ما يجعل تغيير المسار أمرًا عاجلاً يصب في مصلحة الجميع.

العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية لم تكن دائمًا «استثنائية» كما هي اليوم. فقبل تسعينيات القرن الماضي، كان الدعم الأمريكي مشروطًا نسبيًا، ولم يتردد الرؤساء الأمريكيون في معارضة إسرائيل علنًا، أو التهديد بفرض عقوبات، أو دعم قرارات دولية تنتقد سياساتها، خصوصًا الاستيطان، بل ووقف شحنات السلاح في أزمات كبرى.

مع نهاية الحرب الباردة، تبنّت إدارة بيل كلينتون نهج الدعم غير المشروط، انطلاقًا من قناعة بأن إسرائيل القوية والمدعومة أمريكيًا ستكون أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات من أجل السلام. أدى ذلك إلى تغييب الخلافات العلنية، وتخفيف اللغة الأمريكية المنتقدة للاحتلال، وربط الدعم بالحوافز لا بالضغوط. قام هذا النهج على افتراض تطابق المصالح، وحُسن تقدير إسرائيل لتهديداتها، وضرورة حل الخلافات سرًا، وثقة واشنطن في أن إسرائيل ستراعي في النهاية المصالح الأمريكية الجوهرية.

لكن هذه العلاقة الاستثنائية، المدعومة بجماعات ضغط قوية، تحولت إلى دعم عسكري وسياسي غير مشروط تقريبًا، مع تجاهل القوانين الأمريكية المتعلقة بحقوق الإنسان، واستخدام متكرر للفيتو لحماية إسرائيل دوليًا. ونتيجة لذلك، نشأت «مخاطر أخلاقية»: فإسرائيل لا تدفع ثمن تجاهلها للمخاوف الأمريكية، بل تُشجَّع أحيانًا على سلوك متشدد أو متهور، بينما تُورَّط الولايات المتحدة في تبعات هذه السياسات إقليميًا وداخليًا.

القادة الإسرائيليون ليسوا دائمًا أصحاب تقدير استراتيجي سليم، فنجد إخفاقات استخباراتية كبرى ناتجة عن تفاؤل مفرط وتجاهل مؤشرات الخطر. والعلاقة تعمل بشكل أفضل فقط عندما يوجد قادة إسرائيليون ملتزمون فعلًا بالسلام، كما كان الحال نسبيًا في عهد إسحاق رابين.

في المقابل، نرى نهج بنيامين نتنياهو، الذي تعامل مع العلاقة الاستثنائية باعتبارها فرصة للاستغلال السياسي، داخليًا وخارجيًا، ورفضه لحل الدولتين، مدعومًا بتحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. ويخلص إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام حكومة إسرائيلية لا تشاركها القيم الديمقراطية، ولا تسعى لحل عادل للصراع، ولا تبادلها الالتزام بالحفاظ على علاقة متوازنة، ما يجعل استمرار الصيغة الحالية للعلاقة إشكاليًا على المدى الطويل.

أظهرت حرب غزة، بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، العيوب البنيوية في «العلاقة الاستثنائية» بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد قدمت إدارة بايدن دعمًا واسعًا لإسرائيل دون اتفاق واضح على شروطه أو أهدافه، ما حوّله عمليًا إلى «شيك على بياض» استفاد منه نتنياهو. ورغم الضغوط الأمريكية الخاصة للحد من الخسائر المدنية، قوضتها تصريحات علنية متساهلة، ورفض مبكر لاستخدام أدوات ضغط حقيقية مثل تقييد السلاح أو تطبيق قوانين حقوق الإنسان.

كان تأثير واشنطن محدودًا ومتأخرًا في تغيير السلوك العسكري الإسرائيلي، باستثناء نجاح نسبي ومؤقت في ملف المساعدات الإنسانية، حيث اضطرت إسرائيل أحيانًا للتراجع تحت التهديد بتقليص الدعم. كما نجحت الإدارة في منع توسع الحرب إلى صراع إقليمي شامل عبر تحالفات دفاعية وردع التصعيد مع إيران، لكنها عجزت عن كبح عمليات إسرائيلية خطِرة زادت احتمالات التصعيد.

مع عودة ترامب، تراوحت السياسة الأمريكية بين دعم غير مشروط وضغوط انتهازية. فبعد مساهمة أولية في فرض وقف إطلاق نار مطلع 2025، منحت الإدارة الجديدة إسرائيل حرية شبه كاملة، أيّدت خرق الهدنة، والتزمت الصمت حيال حصار غزة، وشاركت في آلية مساعدات فاشلة أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. كما شجّع هذا النهج مغامرات إسرائيل الإقليمية، وصولًا إلى مواجهة مع إيران شاركت فيها الولايات المتحدة عسكريًا. لم تُمارَس ضغوط حاسمة على إسرائيل إلا بعد أضرار جسيمة لحقت بمصالح أمريكية مباشرة، عقب محاولة اغتيال قادة حماس في قطر. عندها قادت واشنطن حملة ضغط أفضت إلى وقف إطلاق نار جديد في أكتوبر 2025.

هذا الاختراق تطلّب الخروج المؤقت عن قواعد «العلاقة الاستثنائية»، لكنه يحذّر من أن تطبيع العلاقة لم يتحقق بعد، وأن خطر العودة إلى الدعم غير المشروط ما زال قائمًا.

أدى الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل إلى نتائج مدمّرة على الفلسطينيين في غزة، حيث خلّفت الحرب نزوحًا واسعًا، ومجاعة، ودمارًا شاملًا، دون أفق لحل سياسي في ظل غياب إرادة لدى إسرائيل أو حماس. وفي المقابل، ورغم المكاسب الأمنية الإسرائيلية قصيرة المدى، تواجه إسرائيل عزلة دولية متزايدة، وتراجعًا حادًا في الدعم الشعبي الأمريكي، ومخاطر استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بإيران، وغزة، ولبنان، إضافة إلى تهديدات داخلية للديمقراطية والاستقرار الاجتماعي نتيجة سياسات الحكومة والتوسع الاستيطاني.

كما تكبّدت الولايات المتحدة تكاليف كبيرة، شملت تراجع مكانتها الدولية، واستغلال خصومها لهذا التراجع، واستنزاف مواردها العسكرية، وتعميق الاستقطاب الداخلي. ويخلص النص إلى أن العلاقة الاستثنائية بصيغتها الحالية ألحقت أضرارًا جسيمة بجميع الأطراف، ما يجعل العودة إلى علاقة أكثر طبيعية ضرورة ملحّة.

استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل يفاقم سياسات إسرائيلية خطِرة، ويزيد معاناة الفلسطينيين، ويقوض المصالح الأمريكية، ما يجعل التخلي عن العلاقة الاستثنائية ضرورة لحماية الأطراف الثلاثة. ويقترح تطبيع العلاقة عبر إخضاع إسرائيل للقوانين والمعايير الأمريكية والدولية نفسها المطبقة على باقي الشركاء، مع تحديد واضح للتوقعات والحدود، واعتماد مبدأ المشروطية في المساعدات والسياسات.

يشمل التطبيع ربط الدعم الأمريكي بسلوك إسرائيل، وتفعيل آليات المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدام أدوات الضغط المتاحة مثل المساعدات والتصويت في المؤسسات الدولية. كما يدعو إلى منع التدخل المتبادل في الشؤون الحزبية والانتخابية. ويخلص النص إلى أن إدارة انتقال مدروس نحو علاقة طبيعية ستعزز نفوذ واشنطن، وتحدّ من الانتهاكات، وتحافظ على علاقة خاصة قابلة للدفاع عنها أمام الرأي العام.

تطبيع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لن يُعرقل، ولا ينبغي له أن يُعرقل، التعاون القيّم بين البلدين في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا والتجارة، ولن يُعفي السياسيين الفلسطينيين من مسؤوليتهم في إصلاح السلطة الفلسطينية، أو يُبرئ حماس من مسؤوليتها عن الجرائم التي ارتُكبت في السابع من أكتوبر. إلا أنه سيمهد الطريق لنتائج سياسية أفضل.

أولًا، ستكون الولايات المتحدة في موقف أقوى لمنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية، وهي خطوة تتعارض مع مصالحها وحقوق الفلسطينيين. ويتطلب الأمر نقاشًا استباقيًا لتوضيح تعريف الولايات المتحدة للضم، وتحديد كيفية رد واشنطن في حال أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة. إن التوصل إلى تفاهم مشترك بأن واشنطن ستدرس بجدية خيارات سياسية أكثر حزمًا، كالتنديد العلني أو اقتطاع مبالغ من حساب المساعدات العسكرية الإسرائيلية، من شأنه أن يردع الضم. وفي الوقت نفسه، فإن حجب المساعدات العسكرية عن وحدات الجيش الإسرائيلي التي تُسهم في بناء المستوطنات في الضفة الغربية سيُظهر التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي، الذي يحظر على أي دولة توطين سكانها المدنيين في الأراضي التي تحتلها. وبافتراض ثبات العوامل الأخرى، ستتكبد إسرائيل تكاليف باهظة في حال ضم الضفة الغربية إذا كانت علاقتها بالولايات المتحدة أكثر استقرارًا، مما يقلل من احتمالية إقدامها على هذه الخطوة.

قد تُتيح علاقة طبيعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل جهدًا مشتركا أكثر استدامة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد يكون من الممكن استئناف المفاوضات النووية مع إيران إذا تمكنت واشنطن من ضمان موافقة إسرائيل على الامتناع عن أنواع معينة من العمل العسكري. ويمكن أن يلعب مبدأ المشروطية دورًا بنّاءً في هذه السياسة: إذ يمكن لواشنطن تعليق مبيعات الأسلحة في حال شنّت إسرائيل ضربة دون موافقة أمريكية.

قوضت عقود من الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، بدلاً من تعزيزهما. وكان الفلسطينيون الضحايا الرئيسيين لهذه الإخفاقات، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل دفعتا ثمناً باهظاً أيضاً. ولن يتوقف هذا الثمن عن التفاقم ما لم تُعالج المشكلة الأساسية في العلاقات الثنائية. سيتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل التكيف إذا ما أرادتا لعلاقتهما البقاء، والانتقال من تعاون استثنائي ولكنه مدمر للذات إلى علاقة أكثر طبيعية قادرة على تشكيل أساس تحالف.

طالما بقي ترامب في المكتب البيضاوي، وظل نتنياهو وتحالفه المتطرف يسيطرون على زمام الأمور في العلاقة، فمن المشكوك فيه أن تلتزم واشنطن التزامًا كاملًا بعلاقة متماسكة ومؤسسية. نهج جديد. مع ذلك، ليس من المبكر البدء في مراجعة الأخطاء التي حدثت ومناقشة كيفية إصلاحها. إذا فُوتت الفرصة التالية لإعادة ضبط العلاقة الأمريكية الإسرائيلية التي تزداد هشاشة، فسيكون ذلك على حساب الأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.