كتاب الموتى
الأربعاء / 3 / رجب / 1447 هـ - 11:00 - الأربعاء 24 ديسمبر 2025 11:00
بشرى خلفان -
أمشي وراءهم، أصعد السلالم العريضة للمتحف البريطاني، أقف في طابور الدخول الطويل، أبي تليه أمي، بعدهما يأتي سيف ثم غالية، تليها كاملة التي تكبرني بأربع سنوات، وتقف أمامي مباشرة، وحمد الصغير الذي أخذ كفي بكفه، حتى لا أشعر بالضياع، أو هكذا أراد أن يظن.
نقف عند مستطيل مغلَّف بالزجاج، أشُد على كف حمد، وأجره ورائي، أشق طريقي باندفاع، يحدث اضطراب خفيف، ثم نبزغ أنا وهو لنكون في قوس الدائرة وأقرب ما يمكن إلى الصندوق الزجاجي، يتحسس أبي رأس حمد، وينظر إليَّ بطريقة فيها تقريع صامت، ثم ينهمك في قراءة المكتوب على الملصق، يقول لأمي: هذه مومياء، تنظر أمي إلى داخل الصندوق الزجاجي، أقرِّب وجهي من الزجاج، أرى جثثًا لبشر نائمين، مغلَّفين في ملابسهم، أذرعهم متقاطعة مضمومة إلى صدورهم، ويبدون مستسلمين لنوم عميق.
يهمس أبي في أذن أمي بشيء يجعلها تتراجع خطوة إلى الوراء، ويقول بصوت مرتفع قليلًا لإخوتي الكبار: هذه مومياوات مصرية. تسأل منى عن معنى مومياوات، فيجيبها سيف وهو يعدل نظارته: «المومياوات أجساد حفظها التحنيط فلم تتغير كثيرًا»، يسهب أبي في شرح تاريخ الفراعنة وفن التحنيط، يقول شيئًا عن نزع القلب. تردد أمي بصوت هامس لكنه ينم عن تبرم «تحنيط...» ثم تنظر إلى وجه أبي: «لماذا قد يفعلون ذلك؟ لماذا لا يتركون الموتى ليموتوا؟» تشيح بوجهها.
أنظر حولي، الناس يقفون أمام التماثيل، وتلك الصناديق الزجاجية، لا يتكلمون كثيرًا، وعندما يفعلون، لا أرى إلا حركة شفاههم وما يشبه الأزيز الخافت، يتنقلون بفضول بين المعروضات، بينما أشعر أنا بتعب في قدمي من طول الوقوف أو المشي.
يقف أبي طويلًا أمام لوحة معلقة داخل صندوق زجاجي، يقول لإخوتي، هذه بردية من كتاب الموتى، أنتبه إلى غياب أمي، تبحث عيناي عنها، أجدها جالسة على كرسي طويل من الخشب، أجلس إلى جانبها، لا تنتبه إليَّ، أفكر، إنها مشغولة البال بالموتى، ربما سيأتونها في المنام الليلة، سيكون كابوسًا بلا شك.
يلمحنا أبي، وينظر إلى أمي نظرة طويلة، تحتِّم عليها ترك الكرسي والانضمام إليه، فأفعل مثلها، أما حمد فقد كانت كفه معلقة بكف كاملة الآن، وكاملة تحاول أن تحتفظ بكفه الصغيرة فلا يفلت ويثير غضب الوالد.
نعود لنقف أمام بردية كتاب الموتى، أبي يقرأ الكلام المكتوب على الملصق أسفل اللوحة، ثم يشير إلى رجل بوجه يشبه وجه الكلب، لكن أبي يقول إنه وجه «ابن آوى»، وأنا لم أسمع من قبل بـ«ابن آوى»، فأسميه الذئب.
يقول: هذا «أنوبيس» يقود روح رجل ميت إلى الحساب، يشير إلى أعلى قليلًا: هذا مجلس الآلهة، ثم يشير إلى أسفل، حيث نُصب ميزان ضخم، تحرسه حيوانات تشبه الكلاب: هذا قلب الميت، موضوع على الكفة اليسرى، وهنا على اليمين ريشة «ماعت»، ريشة الحقيقة.
«تُحوت» إله الكتابة يسجل نتائج الوزن بريشته على لوح. إن كان قلب الميت طيبًا خفيفًا غير مثقل بالخطايا، فسيرتفع مقابل ريشة «ماعت»، وسيذهب إلى الجنة بمساعدة «أوزوريس»، وإن كان ثقيلًا بما فيه من الخطايا، فإن وحشًا شريرًا يُدعى «آمت» سيلتهمه.
«فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره»، يتمتم أبي فأبتسم لأني أعرف السورة.
أرى «آمت»، وجه تمساح وجسد أسد ومؤخرة فرس النهر، «آمت» آكل الموتى، يقول أبي، خِفتُ منه، لكن الحكاية أعجبتني، وتمنيت ألَّا يتوقف أبي عن القص، وتمنيت لو أن حكايات الموتى تبقى مجرد حكايات.
عندما أنهينا جولتنا في المتحف كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، وكهدية على حُسن سلوكنا في المتحف، منح أبي كل واحد منا عشرة جنيهات وربع ساعة في دكان الهدايا، شكرت أبي على الجنيهات العشرة وجذبت حمد بـكُم قميصه ومضينا راكضين إلى الدكان.
في الدكان تماثيل مصغرة لـ«أنوبيس» و«أوزوريس»، لاصق ممغنط رُسم على وجهه خريطة لمصر القديمة وحروف هيروغليفية، لكن أكثر ما لفت انتباهي كان دفترًا يغطي غلافه لوحة كتاب الموتى نفسها، كان سعره خمسة جنيهات فاشتريته واشتريت معه حافظة للنقود المعدنية عليها رسومات فينيقية وقلمًا يحمل رأس حمورابي، نعم رأس حمورابي، فأنا أعرف ذلك من كتاب التاريخ.
بعد عودتنا إلى مسقط اختفت الحافظة والقلم، ومعهما تاريخ الفينيقيين وقوانين حمورابي، لكني ما زلت أحتفظ بدفتر كتاب الموتى، وعندما كبرت عرفت نشيد الموتى.
«السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق. لقد جئتك يا إلهي خاضعًا لأشهد جلالك، جئتك يا إلهي متحليًا بالحق، متخليًا عن الباطل، فلم أظلم أحدًا ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين ولم تضلني الشهوة فتمتد عيني إلى زوجة أحد من رحمي ولم تمتد يدي إلى مال غيري، لم أكُن كاذبًا ولم أكُن إياك عاصيًا، ولم أسعَ إلى الإيقاع بعبد عند سيده».
«إني يا إلهي لم أُوجع أحدًا ولم أُبكِ أحدًا، وما قتلتُ وما غدرتُ، بل وما كنت محرضًا على قتلٍ، إني لم أسرق من المعابد خبزها. ولم أرتكب الفحشاء ولم أدنس شيئًا مقدسًا، ولم أغتصب مالًا حرامًا ولم أنتهك حرمة الأموات، إني لم أبِع قمحًا بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر.
وما دمت بريئًا من الإثم، فاجعلني يا إلهي من الفائزين».
«لم أحرم الماشية من عشبها، لم أصنع الفخاخ لعصافير الإله، لم اصطَد السمك من بحيراتها، لم أمنع المياه في موسمها، لم أقم سدًّا أو عائقًا أمام الماء الجاري، لم أطفئ نارًا مشتعلة».
ليلة العملية، جاءت كاملة قبل النوم وسألتني إن كنت في حاجة إلى شيء فشكرتها، وعندما أغمضت عيني، رددت دعاء النوم ثم همست بنشيد الموتى.
ثم ظهر النهر
أمشي، لي قدمان، وهذه السجادة وثيرة.
تتدلى مني أنابيب تصريف الدم الفاسد والبلازما وسوائل الجسد الأخرى.
أمشي، تحتي تراب مقبرة، أستدل على الشواهد؛ هذا قبر أمي، هذه جدتي، هنا سعود، تلك بدور وذاك قيس،
لكن أين قبري؟ حاوي عظامي وخصلات شعري وأسناني وأحزاني وأوهامي عن الحياة، ما أردته منها وما لم أرده.
أمشي،
تحت قدمي مربعات كثيرة، سيراميك أبيض، واضح وقاسٍ وممتد.
قدماي مغلَّفتان بكيس من القطن، ويداي مربوطتان دون قيد أراه.
أشعر بتيار هواء يلمس ظهري، ظهري مكشوف وأنا في ثياب لا تسترني، أتلفت من حولي، من يربط خيوط القميص؟
لا أحد.
لا أحد هنا، فلمَ أخاف الانكشاف؟
أنا وحدي، وهذا الدرب يمتد بي، لكني لا أشعر بالتعب، أمشي وكأن الساقين اللتين يحملاني ينتميان إلى جسدي ولكنهما ليسا لي.
أقف وأرفع ساقيَّ بالتناوب، فيتساقط التراب من قدمي، أكرر الحركة، يتساقط تراب أكثر، أنفض رجلي بفرح لا أعرف مصدره، أضع يدي مكان القلب، لكني لا أجدهما، لا قلبي ولا الفرح، هل تساقطت المشاوير التي لم أذهب إليها مع التراب، هل كان يجب أن أذهب؟
أمشي في اتجاه كوخ، أعرف أن أحدًا ما ينتظرني فيه، لا أعرف إن كان في يده وردة أم منجل، لكنه ينتظرني، عاقدًا كفيه أسفل ذقنه وفي قلبه ما لا يحتمله أحد.
أمام الكوخ قارب، لكن أين النهر؟
واقفة أمام الباب، أأطرق أم أعود أدراجي، لكن إلى أين ومن؟
يدي تتحسس الخشب، أتمنى لو أني أضع رأسي على جذع الشجرة وأبكي.
أطرق الباب فيذوب، تمتد يدي، تدخل فراغًا في فراغ في فراغ، ولا تقبض من الكوخ إلا على صورة وُضعت على غلاف كتاب.
أتلفت، أين أنا؟
يذوب الفضاء من حولي، كأنه ستائر رقيقة من الشيفون الأبيض، هل كنت أرتدي ثوب عرس؟ هل هذه طرحتي؟
أنظر إلى قدميَّ الحافيتين، وأتوسل إلى جنية ما، أن تهبهما حذاء من بلور وخفة، لعلي أرقص.
تنبت في يدي اليسرى ثلاث توليبات بيضاء، واليمنى تحتضن ذراع رجل يلبس التوكسيدو، وحول عنقه مشنقة.
لا.
أصرخ: «هذا ليس رجلي».
أهرب، أجدني ثانية عند الكوخ، وأمام الكوخ قارب والنهر قد ظهر.
بشرى خلفان قاصة وروائية عمانية