الفراغ عند الشباب .. بين التداعيات الخطرة والاستثمار الذكي
الجمعة / 27 / جمادى الآخرة / 1447 هـ - 14:51 - الجمعة 19 ديسمبر 2025 14:51
في ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية وتزايد التحديات التي تواجه فئة الشباب، يبرز الفراغ بوصفه أحد أكثر القضايا الخفية تأثيرًا على السلوك الفردي والاجتماعي، لا بوصفه وقتًا للراحة فحسب، بل كمساحة قد تتحول – إذا أُسيء استثمارها – إلى مصدر لمخاطر نفسية وسلوكية متراكمة.
في هذا السياق، نسلّط الضوء على أبعاد الفراغ وآثاره على الشباب، ودوره في تشكيل أنماط السلوك والقيم، من خلال حوارنا مع عالية بنت علي الهنائية، أخصائية الإرشاد والتوجيه الأولى بمركز الإرشاد الطلابي في جامعة السلطان قابوس، التي تتحدث عن أخطر تداعيات الفراغ وعلاقته بالانحراف السلوكي، والإدمان الرقمي، والآثار النفسية والاجتماعية المترتبة عليه، إلى جانب سبل الوقاية وأهمية توجيه طاقات الشباب نحو مسارات إيجابية وبنّاءة. كما تطرقت إلى أبرز المعوقات التي تحول دون استثمار الشباب لأوقات فراغهم بصورة فاعلة، مشيرة إلى أن في مقدمتها غياب التخطيط والتوجيه الأسري والمؤسسي لكيفية إدارة الوقت، إلى جانب ضعف مهارات التخطيط الشخصي وتحديد الأهداف لدى بعض الشباب.
وذكرت الهنائية أن قلة البرامج الجاذبة، وندرة المراكز والأنشطة المبتكرة التي تتوافق مع اهتمامات الشباب وميولهم، تسهم في اتساع فجوة الفراغ، فضلًا عن الشعور بالنقص أو ضعف الدافعية لدى بعضهم، الأمر الذي يدفعهم إلى تجنب الانخراط في أنشطة تتطلب جهدًا أو التزامًا.
وأشارت إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تشكّل عائقًا إضافيًا، حيث تحدّ من قدرة بعض الأسر على إلحاق أبنائها بالدورات التدريبية أو دعمهم في ممارسة هوايات تتطلب تكاليف مادية، ما يستدعي تعزيز التكامل بين الأسرة والمؤسسات المعنية لتوفير بدائل نوعية وميسّرة تسهم في توجيه طاقات الشباب واستثمار أوقاتهم بشكل إيجابي.
استثمار ذكي
وحول إسهام استثمار وقت الفراغ في تطوير المهارات التي يتطلبها سوق العمل، أوضحت الهنائية أن توظيف أوقات الفراغ في التعلّم والتطوير الذاتي يُعد الاستثمار الأذكى لمواجهة تحديات سوق العمل المتغيرة.
وبيّنت أن الأنشطة التطوعية والمشاركة في الأندية الطلابية والمجتمعية تسهم بصورة فاعلة في صقل شخصية الشباب، وتنمية مهارات القيادة، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والتواصل الفعّال، وهي من أبرز المهارات التي يطلبها أرباب العمل.
وأضافت أن وقت الفراغ يمكن استثماره أيضًا في اكتساب المهارات التقنية والمهنية من خلال الالتحاق بالدورات التدريبية عبر الإنترنت، وحضور المؤتمرات وورش العمل، والتي تمثل فرصًا مهمة لبناء شبكة العلاقات المهنية وتوسيع آفاق الخبرة العملية.
وأكدت الهنائية أن استثمار ساعات الفراغ قد يشكّل الخطوة الأولى لاكتشاف مهارة كامنة تتحول لاحقًا إلى مشروع ريادي ناجح، يدرّ دخلًا مستدامًا، ويسهم في تعزيز الصحة النفسية وترسيخ الشعور بالإنجاز وتحقيق الذات.
مسؤولية مشتركة
وحول دور وقت الفراغ في اكتشاف وصقل المواهب والهوايات التي يمكن أن تتحول إلى مشاريع ريادية أو إبداعات فنية، أكدت أخصائية الإرشاد والتوجيه أن وقت الفراغ يمثل فرصة حقيقية لاكتشاف الذات وممارسة الهوايات والأنشطة المختلفة، كالرسم والكتابة والتصوير وغيرها، الأمر الذي يساعد الشباب على تنمية مواهبهم وتحويلها إلى مشاريع ريادية أو أعمال إبداعية قادرة على توليد دخل وتعزيز الاستقلالية المهنية.
وأشارت إلى أن هذا الاستثمار الإيجابي للوقت ينعكس بصورة مباشرة على تعزيز الصحة النفسية، من خلال ترسيخ الشعور بالرضا والإنجاز، وتحفيز الشباب على مواصلة العطاء والإبداع وتطوير قدراتهم الذاتية.
وبيّنت أن المسؤولية في استثمار أوقات الفراغ مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات، لافتة إلى إسهام عدد من مؤسسات القطاع الخاص في دعم الشباب عبر تقديم برامج تدريبية مرنة، ورعاية الأنشطة الشبابية خارج أوقات العمل أو الدراسة، من خلال تنظيم حلقات عمل مسائية تركّز على المهارات المطلوبة في سوق العمل، مثل مهارات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وإدارة المشاريع.
وأضافت أن هذه المؤسسات تسهم كذلك في رعاية الأنشطة الشبابية والرياضية والثقافية والتقنية، إلى جانب توفير مساحات عمل مجانية، بما يتيح للشباب بيئة محفّزة لتطوير أفكارهم وتحويلها إلى مبادرات ومشاريع منتجة.
وأكدت أن الأسرة والمجتمع لهما دور محوري في تشجيع الشباب وتوجيههم نحو الأنشطة المفيدة، وتوفير نماذج إيجابية تسهم في ترسيخ الوعي بقيمة الوقت وأهمية استثماره، مشيرة إلى أن الأسرة والمجتمع يشكّلان الركيزة الأساسية في بناء وعي الشباب وسلوكهم اليومي.
وأوضحت أن على الآباء والأمهات والمربين أن يكونوا قدوة حسنة في إدارة الوقت واستثماره، وأن يحرصوا على مشاركة الشباب في الأنشطة الهادفة، بما يعزز لديهم ثقافة المبادرة والانضباط وتحمل المسؤولية.
وبيّنت أن المجتمع من خلال مؤسساته المدنية والدينية قادر على تعزيز قيم المسؤولية الاجتماعية لدى الشباب، عبر إشراكهم في القضايا المجتمعية والمبادرات التطوعية، الأمر الذي يسهم في تنمية الشعور بالانتماء، ويعزز ارتباطهم بمجتمعهم، ويدفعهم إلى توظيف طاقاتهم بصورة إيجابية تخدم الفرد والمجتمع معًا.