الأنشطة الجامعية ..نقطة تحول في تشكيل الوعي وصناعة الذات
الجمعة / 27 / جمادى الآخرة / 1447 هـ - 14:47 - الجمعة 19 ديسمبر 2025 14:47
من الخجل إلى القيادة
ومن بين تلك القصص، تعود قصة جنان بنت عبد البصير الفارسية، خريجة كلية الهندسة ــ قسم هندسة الكهرباء والحاسب الآلي، إلى ما قبل دخولها الجامعة، حين أُتيحت لها فرصة الانضمام إلى البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب ــ مسار الناشئة في نسخته الأولى خلال إجازة الصيف قبل الصف الحادي عشر. وتقول الفارسية: 'كانت تجربة جديدة كليًا بالنسبة لي، شاركت فيها مع أكثر من مائة وخمسين طالبًا وطالبة من مختلف أنحاء سلطنة عُمان، وكنت خجولة جدًا أتحاشى التحدث أو المشاركة، لكن البرنامج ركّز على تطوير مهارات التواصل والثقة بالنفس، وتحدثنا عن المرحلة الجامعية المقبلة وأهمية الأنشطة الطلابية في صقل المهارات وبناء العلاقات'. ومنذ ذلك الوقت وظفت جنان الفارسية ذهنها لخوض التجربة عند دخول الجامعة. وتضيف: 'في عام 2020 تم قبولي في كلية الهندسة، وكنت متحمسة لمرحلة (الفاونديشن)، لكن مع الجائحة تحولت الدراسة إلى التعليم عن بُعد فأنهيت عامًا كاملًا دون أن أتعرف على أحد، وكانت تلك فترة انعزال، لكن حين عدنا للدراسة الحضورية قررت ألا أضيع الفرصة فالتحقت بجماعة 'مهندسي الكهرباء والحاسب الآلي (IEEE)'.
وروت الفارسية: 'انضممت بصفتي عضوا عبر رابط إلكتروني، وتلقيت دعوة لأمسية ترحيبية للأعضاء الجدد، وترددت في الذهاب وحدي، لكن والدتي شجعتني بقولها: (روحي وجربي، ما بتخسري شيء). حضرت الأمسية وكانت بداية جميلة، التقيت فيها بنائبة رئيس لجنة الأنشطة وشعرت أنني وجدت مكاني'. وتكمل حديثها قائلة: 'بعدها شاركت في تنظيم فعالية خارج الجامعة ثم تطوعت لشرح أحد المشاريع من باب التجربة، كنت أتردد في كل مرة وأتغلب على الخوف خطوة بخطوة، حتى فُتح باب الترشح لإدارة الجماعات، ونصحتني نائبة الرئيس بالتقديم لمنصب نائبة رئيس لجنة الأنشطة، لم أتوقع اختياري لكنني فوجئت قبل بداية العام الثالث بتعييني في المنصب، ومن هنا بدأت رحلتي القيادية'. وتختم الفارسية بقولها: 'كانت البداية بدافع الفضول لتجربة شيء جديد، وربما كان ذلك امتدادًا لذكريات طفولتي حين كنت أرافق قريبتي النشطة في الجامعة وأشاركها بعض الفعاليات، وبقيت تلك الصورة في ذهني حتى تحققت فعليًا عندما أصبحت جزءًا من الحياة الجامعية'.
ولادة الثقة
ومن تجربة جنان التي بدأت بخطوة صغيرة نحو التحدي إلى تجربة أخرى تشبهها في روحها وتختلف في تفاصيلها، ننتقل إلى قصة محمد بن خميس الصواعي الذي وجد في النشاط الجامعي مرآةً لتطوير الذات وبناء الثقة. يقول الصواعي، خريج كلية العلوم الزراعية والبحرية ــ تخصص علوم البحار: 'بدأت دراستي في عام 2019 وكانت البداية بسيطة لطالب جامعي حديث التجربة، لكن بعد جائحة كورونا وعودة الدراسة الحضورية تغيّر كل شيء؛ إذ لفت انتباهي نشاط الجماعات الطلابية على وسائل التواصل الاجتماعي، وأُعجبت بشخصيات أعضائها القوية وقدرتهم على الظهور الإعلامي والتحدث بثقة أمام الجمهور، وكنت أفتقد تلك المهارة وأبحث عن طريقة لتطويرها'.
بعد العودة إلى الحرم الجامعي قرر خوض التجربة ورشّح نفسه لمنصب رئيس العلاقات العامة في جماعة العلوم البحرية، وهو منصب يعتمد على التواصل والتنسيق مع الجهات المختلفة، كما انضم متطوعًا في جماعة اللغة الإنجليزية والترجمة. يقول: 'كانت تلك السنة نقطة تحول في حياتي الجامعية، كنت أدخل الجامعة في الثامنة صباحًا ولا أخرج إلا في العاشرة مساءً، وخلالها ظهرت شخصيتي الجديدة؛ الواثقة القادرة على الظهور الإعلامي والحديث أمام الجمهور'.
بعد انتهاء فترة مشاركته في الجماعتين ركّز اهتمامه على جماعة كلية العلوم الزراعية والبحرية التي تمثل تخصصه، وحين فُتح باب الترشح وهو خارج البلاد قدّم طلبه لمنصب الرئيس المالي وتمت مقابلته من قبل المشرفين وقُبل في المنصب لعام دراسي كامل.
ويقول الصواعي: إن تلك السنة كانت مليئة بالتطوير والنمو، إذ كوّن علاقات واسعة مع جهات مختلفة وتعرف على شخصيات من قطاعات متعددة، مما أضاف إليه خبرات جديدة. وفي الوقت نفسه تابع باهتمام حساب مسابقة 'إنجاز عُمان'، وكانت لديه رغبة في المشاركة لكن لم يكن لديه فريق، حتى استُدعي من قبل أحد أعضاء الجماعة للانضمام إلى فريق من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصور، وبفضل خبرته تم اختياره فورًا.
ومن هنا، كما يقول، حقق هدفين في سنة واحدة: المشاركة في مسابقة 'إنجاز عُمان' وتطوير مهارات مالية وإدارية جديدة رغم اختلاف تخصصه. استمرت الشركة التي أسسوها حتى اليوم، وهو يشغل فيها منصبا إداريا ورئيسا تنفيذيا ماليا. ويختتم حديثه قائلًا: 'تخرجت بشخصية جديدة ومهارات متعددة تلائم مختلف مجالات العمل، اكتشفت قدراتي في القيادة والإدارة المالية والتعامل مع الآخرين واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية. خلال ثلاث سنوات حققت إنجازات كثيرة وذكريات لا تُنسى، الشيء الوحيد الذي ندمت عليه هو أنني لم أشارك منذ البداية، لأن الجامعة ليست فقط دراسة بل حياة كاملة تصنع منها شخصيتك'.
رحلة التوازن
ومثلما وجد محمد في النشاط الجامعي منصة لتقوية الشخصية، كانت هناك خريجة أخرى رأت في الأنشطة طريقًا لاكتشاف الذات وبناء التوازن بين الدراسة والحياة الجامعية. تقول أمل بنت خليفة الشكيلية، خريجة كلية التمريض: إن دخولها الجامعة كان محمّلًا بشغف تجربة كل ما يمكن أن يضيف لها على المستوى الشخصي. وفي سنتها الأولى، التي كانت مرحلة تأسيسية خفيفة من حيث العبء الدراسي، وجدت مساحة واسعة لاستكشاف الحياة الجامعية خارج إطار القاعات، مما دفعها الفضول للمشاركة في الأنشطة الطلابية، وكانت تلك البداية لتحولٍ مهم في تجربتها الجامعية.
لم تكن التجربة سهلة دائمًا، فقد واجهت الخوف من الفشل والتردد وضيق الوقت بين الدراسة والنشاط، لكنها تعلمت من كل تحدٍّ درسًا جديدًا صقل شخصيتها خطوة بخطوة. وتروي أمل: 'شيئًا فشيئًا، لم تعد الأنشطة الطلابية مجرد وقت إضافي، بل تحولت إلى مساحة حقيقية لاكتشاف الذات، هناك تعلمت القيادة دون أن يُطلب مني ذلك، وتعلمت أن الاختلاف مصدر قوة، وأن العمل الجماعي يصنع نتائج لا يمكن للفرد وحده الوصول إليها'.
ومع تزايد تفاعلها مع الطلبة من مختلف التخصصات بدأت تطرح على نفسها أسئلة جوهرية عن التخصص والمسار الأنسب لها. وبحكم انتمائها في البداية إلى كلية الزراعة والعلوم البحرية استمعت إلى تجارب زملائها حتى قررت بعد فترة تحويل تخصصها إلى كلية التمريض، وهو القرار الذي شعرت معه بأنها وجدت مكانها الصحيح. وفي كلية التمريض انضمت إلى جماعة التمريض وصوت المجتمع والابتكار وريادة الأعمال وعشائر الجوالة والمناظرات، وكانت جماعة التمريض الأقرب إلى قلبها، حيث قالت: 'هذه الجماعة أظهرت لي كيف يمكن للنشاط أن يكون داعمًا للدراسة لا عائقًا عنها'، مضيفةً أن الأنشطة وسّعت دائرة تواصلها داخل الكلية حتى أصبحت معروفة كشخص فاعل ومبادر. وتتذكر أمل أنها كانت تسأل الخريجين: ما الشيء الذي ندمتم على عدم فعله في الجامعة؟ وكان أغلبهم يجيب: المشاركة في الأنشطة الطلابية. وتقول في ختام تجربتها: 'اليوم بعد تخرجي أشعر بامتنان عميق لكل ما خضته، وأدرك أن الأنشطة كانت جزءًا أساسيًا من تكويني وليست هامشًا في الرحلة. أنصح كل طالب أن يحتضن كل لحظة ويجرب ويشارك دون خوف، فكل تجربة تغرس بذرة معرفة، وكل خطوة خارج القاعة تقوده لاكتشاف نفسه حقًا'.
من القاعة إلى العالم
وفي المسار نفسه، برزت تجربة المنتصر بن عبدالله الريامي من كلية التمريض، الذي وجد في العمل الجماعي والعلمي طريقًا نحو العالمية، حاملاً شغفه من قاعة صغيرة إلى منصة دولية. ويقول المنتصر: 'منذ اللحظة الأولى لدخولي الجامعة كنت أبحث عن مساحة أتجاوز بها حدود القاعة الدراسية، وكانت البداية بانضمامي إلى جماعة التمريض، وهي الخطوة التي غيّرت مساري'.
بدأ المنتصر الريامي بصفته مشاركا في حلقات عمل الإسعافات الأولية ثم أصبح جزءًا من الفريق المنظم قبل أن يتدرج إلى مدرب يقدم الحلقات بنفسه. ويحكي الريامي: 'كنت أحرص على الموازنة بين الدراسة والمشاركة في الجماعة، وهو ما ساعدني على بناء مهارات عملية ومهنية موازية لتخصصي'.
ومع مرور الوقت اتجه اهتمامه نحو البحث العلمي، فقاد فريقًا بحثيًا حصل على منحة لتطوير الدراسة ثم تقدم بورقته للمشاركة في مؤتمر دولي في أستراليا لعام 2025. وتحدث المنتصر الريامي: 'كانت مشاركتي في المؤتمر محطة مهمة؛ سافرت إلى أستراليا وقدّمت بحثي أمام متخصصين من أنحاء العالم، وكانت تجربة عززت ثقتي ووسعت آفاقي وأكدت أهمية تمثيل الجامعة وسلطنة عُمان بأفضل صورة'. ويصف المنتصر الريامي رحلته بأنها انتقال من حضور ورشة بسيطة إلى تدريبها ثم قيادة فريق بحثي والوقوف على منصة دولية، وهي تجربة صنعت هويته المهنية ورسخت قناعته بأن التمريض يجمع بين العلم والعمل والرسالة الإنسانية.
قوة الفريق
ومن قاعات التمريض إلى مختبرات العلوم، تبرز تجربة أيمن بن محمد الغافري، خريج كلية العلوم ــ تخصص جيوفيزياء، الذي وجد في العمل ضمن فريق فرصة لاكتشاف قدراته وصقلها.
عندما التحق بالجامعة عام 2019 بدأ دراسته في برنامج الفاونديشن بثقة، لكن جائحة كوفيد-19 قلبت الموازين واضطر للتأقلم مع التعليم عن بعد. ومع العودة إلى الحرم الجامعي بدأت ملامح التجربة الحقيقية تتشكل، غير أن التحول الأبرز جاء في سنته الرابعة حين قرر الانضمام إلى فريق 'دُرّة' المشارك في مسابقة البرميل الملكي لجيولوجيا البترول. وقال الغافري: 'من خلال المشاركة وجدت نفسي أتحول إلى إنسان اجتماعي قادر على التواصل والعمل ضمن فريق، وكانت التجربة أكثر من مجرد مسابقة؛ كانت رحلة اكتشاف ذات'.
على مدى شهرين عاش الفريق أيامًا طويلة من العمل من الصباح حتى منتصف الليل، ويضيف الغافري: 'كنا ندخل في نوبات ضحك هستيرية لنخفف الضغط، ومع ذلك كنا نواصل لأننا نؤمن بأننا نمثل الجامعة بأفضل صورة'. ويصف قائد الفريق بأنه من أفضل القادة الذين عمل معهم، إذ حضر حتى وهو مريض؛ لأنه شعر بأن الفريق يحتاجه.
كما يذكر باحترام زميلاته في الفريق وزميله من البحرين الذي أضاف جوًا من الألفة من خلال نقاشاتهم حول أفضل الحلويات بين عُمان والبحرين. وقبيل العرض النهائي اجتمعوا في أحد المقاهي للتدريب لساعات طويلة ووعدوا عامل المقهى بالعودة للاحتفال معه إن فازوا، وقد أوفوا بالوعد بعد الفوز، ويروي أيمن: 'تعلمت أن القيادة ليست منصبًا، بل روح تعاون، وأن كل فرد في الفريق يمكن أن يكون قائدًا، فالتجربة علمتني الثقة والتعامل مع الضغوط، والأهم أنها جعلتني أؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بروح الفريق الواحد'.
صوت القيادة
أما يقين بنت راشد الهنائية من كلية العلوم، فوجدت طريقها نحو القيادة من خلال جماعة 'صوت المجتمع'، لتكمل حلقة الحكايات الجامعية الملهمة. وتحكي الهنائية: 'كنت طالبةً تحمل بين جنبيها كنزًا من الأحلام وتخطيطًا لمستقبلٍ لا يعرف الحدود، بدأت كعضو في جماعة أصدقاء المجتمع التي تحوّلت لاحقًا إلى 'صوت المجتمع'، ولم تكن الجماعة عابرة في حياتي الجامعية، بل كانت عائلتي في رحاب الحرم، وملاذي الذي أهداني مساحة لاكتشاف ذاتي ومواهبي'.
وتضيف الهنائية: 'كانت المنصة التي حوّلت همسي إلى رسالة واهتمامي البسيط إلى مشروع حيّ، والبوابة التي عبرت منها إلى جوهر القيادة، فتعلمت أن القيادة تبدأ من شجاعة المشاركة'.
ومن اللحظات التي لا تنساها حين تلقت اتصالًا من رئيسة الجماعة لتبلغها بتكليفها بمقعد في الإدارة العليا بعد توليها مسؤولية البرنامج التنموي، تقول: 'لم أتردد لحظة؛ كانت فرصة لا تُعوض'، وترى أن تلك الخطوة كانت نقلة جوهرية في مسيرتها، إذ وسّعت أفق مسؤوليتها وعمّقت إيمانها بقدراتها.
وتختم حديثها قائلة: 'اليوم لا أرى نفسي طالبة رياضيات فحسب، بل قائدة منظّمة قادرة على التواصل وبناء الجسور. هذه الثقة لم تأتِ من محاضرة، بل من تجربة حية ومن جماعة آمنت بي قبل أن أؤمن بنفسي'.
تتجلى قيمة الأنشطة الجامعية كمدرسة للحياة، تصنع القادة وتزرع الثقة وتمنح الطلبة فرصة لاكتشاف ذواتهم، ليخرجوا من أسوار الجامعة أكثر نضجًا واستعدادًا للعالم، يحملون معهم روح المبادرة والانتماء، ويؤمنون أن كل تجربة صغيرة قد تكون بدايةً لقصة كبيرة.